كفر قاسم

كان العنف وما يزال احدى الدعئم الرئيسة التي استندت إليها الصهيونية في تحقيق أهدافها في فلسطين. فالارهاب والقتل الجماعي لم يكونا وسيلة استخدمتها الصهيونية لإقامة دولتها فحسب بل جزءا أساسياً من تكوين الفكر الصهيوني والتقاليد المتوارثة في هذا الفكر. فالمذابح الجماعية التي تحدثت عنها التوراة في أكثر من موضع هي النموذج الذي استخدمه وسارت على هديه فيما بعد العصابات الإرهابية الصهيونية في دير ياسين* وقبية* وغزة* واللد* والرملة* ونحالين* وكفر قاسم (في فلسطين) والفاكهاني والجنوب (في لبنان) وسواها. وهي المذابح التي تمت كلها لتحقيق هدف واحد هو إبادة الشعب الفلسطيني وتصفيته جسدياً بالقتل والتهجير. وإذا كانت مذابح الفاكهاني والجنوب (1981) قد استهدفت التصفية الجسدية للمقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني فان مذابح دير ياسين (1948) وكفر قاسم (1956) كانت تستهدف بالإضافة إلى تصفيته الجسدية تهجير من لم تطلبهم المذبحة عن طريق بث الرعب في نفوسهم ودفعهم إلى مغادرة البلاد. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في سلسلة المجازر التي نفذتها الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني أن المنفذين كانوا دائماً يعرفون ما يفعلون، وأن اتجاه العنف والإرهاب والقتل الجماعي الذي تربت عليه الكوادر الأولى المؤسسة للجيش الإسرائيلي ظلت تتناقله أجيال الجيش الإسرائيلي فوجا بعد فوج (رَ: جيش الدفاع الإسرائيلي). إن مذبحة كفر قاسم لا تختلف مطلقاً من حيث الهدف عن مذبحة دير ياسين وغيرها فالاعترافات التي دونتها محاضر محاكمات منفذي المذبحة تشير إلى أن الهدف منها كان دفع (عرب إسرائيل) إلى مغادرة البلاد. فقد ورد على لسان الشاهد الضابط الإسرائيلي كول في المحاكمة قوله “كان أمر منع التجول خطيراً جداً ولا يحتمل التأويل. فبموجبه كان علينا أن نقتل كل حي من الرجال والنساء والأطفال إذا وجدوا خارج بيوتهم في ساعات منع التجول. وكان شعوري أن الحرب ستقع على حدود الأردن، وأن الهدف الأمر هو أن يهرب أبناء الأقليات هرباً جماعياً إلى ما وراء الحدود”. عشية العدوان الثلاثي على مصر (رَ: حرب 1956) عهدت قيادة الجيش الإسرائيلي إلى إحدى الكتائب مهمة المرابطة على الحدود الأردنية الإسرائيلية وألحقت بها وحدة حرس الحدود التي يقودها الرائد شموئيل مليكي على أن يتلقى أوامره مباشرة من قائد الكتيبة يسخار شدمي الذي أعطي سلطات كاملة من ضمنها فرض منع التجول ليلاً على القرى العربية الموجودة في منطقة عمل كتيبته، وهي قرى المثلث: كفر قاسم، وكفر برا، وجلجولية، والطيرة، والطيبة*، وقلنسوة، وبير السكة، وايتان. في 29/10/1956، وهو اليوم الذي بدأ فيه العدوان الثلاثي على مصر، استدعى شدمي الرائد ملينكي إلى مقر قيادته وأبلغه المهمات الموكولة إلى وحدته والتعليمات المتعلقة بطريقة تنفيذها. واتفقا على أن يكون حظر التجول على القرى المشار إليها من الساعة الخامسة مساء إلى السادسة صباحاً. وطلب شدمي من مليكي أن يكون منع التجول حازماً لا باعتقال المحالفين وإنما باطلاق النار. وقال له: “من الأفضل قتيل واحد” (وفي شهادة أخرى عدة قتلى) بدلاً من تعقيدات الاعتقالات. وحين سأل ملينكي عن مصير المواطن الذي يعود من عمله خارج القرية دون أن يعلم بأمر منع التجول قال شدمي: “لا أريد عواطف”. وأضاف بالعربية “الله يرحمه”. توجه ملينكي اثر ذلك إلى مقر قيادته وعقد اجتماعاً حضره جميع ضباط الوحدة وأبلغهم فيه أن الحرب قد بدأت وأفهمهم المهمات المنوطة بهم وهي تنفيذ قرار منع التجول بحزم وبدون اعتقالات، وقال: “من المرغوب فيه أن يسقط بضعة قتلى”. ووزع جنوده إلى مجموعات. جرى بعد ذلك توزيع المجموعات على القرى العربية في المثلث واتجهت مجموعة بقيادة الملازم غبرائييل دهات إلى قرية كفر قاسم. وقد وزع دهان مجموعته إلى أربع زمر رابطت إحداها عند الساحل الغربي للقرية. وفي الساعة الرابعة والنصف من مساء اليوم نفسه استدعى رقيب من حرس الحدود مختار كفر قاسم وديع أحمد صرصور وأبلغه فرض منع التجول وطلب منه إعلام أهالي القرية بذلك. فقال له المختار ان هناك 400 من الأهالي في العمل خارج القرية ولن تكون مدة نصف الساعة الباقية كافية لإبلاغهم. فوعد الرقيب أن يدع جميع العائدين من العمل “يمرون على مسؤوليته ومسؤولية الحكومة”. وفي الساعة الخامسة تماماً بدأ المذبحة عند طرف القرية الغربي حيث رابطت وحدة العريف شالوم عوفر على المدخل الرئيس فسقط 43 شهيداً، وفي الطرف الشمالي سقط ثلاثة شهداء، وفي داخل القرية سقط شهيدان. وأما في القرى الأخرى فقد سقط شهيد في قرية الطيبة وهو صبي عمره 11 عاماً. يصف أميل حبيبي في كتابه “كفر قاسم المجزرة” الذي صدر في الذكرى العشرين لهذه المذبحة البشعة (1976) تفاصيل ما حدث على المدخل الغربي لكفر قاسم وكيف سقط الضحايا على تسع موجات متتالية لأنهم كانوا يعودون إلى القرية على دفعات. فحين انتهت تصفية الموجة السادسة منهم وكان عدد الضحايا فيها 15 شهيداً قام الملازم دهان الذي كان يشارك في عمليات القتل ويطلع أثناء تجواله في سيارة الجيب على كل ما يجري بابلاغ قيادته بذلك قائلاً: “ناقص 15 عربياً”. ثم أتبعه بنداء آخر بعد أن سقط ضحايا الموجة السابعة وعددهم عشرة شهداء وقال فيه: “من الصعب عدهم”. فالتقط النداءين النقيب ليفي وحولهما إلى قائد الوحدة ملينكي فأصدر هذا أوامره بايقاف إطلاق النار حالاً والتصرف باعتدال. وحين وصل هذا الامر إلى الملازم دهان كان عدد الشهداء قد وصل إلى 48 شهيداً سقطوا خلال مدة لا تتجاوز الساعة، أي قبل السادسة مساء. وكان من بين الثلاثة والأربعين عربياً الذين قتلوا عند مدخل القرية سبعة من الأولاد والبنات وتسع من النساء شابات ومسنات احداهن عمرها 66 عاماً. وأما الثلاثة الذين سقطوا في الطرف الشمالي للقرية فكان من بينهم ولدان عمراهما 9 و15 عاماً. وفي وسط القرية سقط شهيدان من بينهما طفل عمره 8 سنوات. وهكذا لم يتوقف اطلاق النار إلا بعد أن أصيب تقريباً كل بيت في كفر قاسم التي لم يكن عدد سكانها يتجاوز الألفي نسمة في ذلك الحين. حاولت حكومة بن غوريون التكتم على المجزرة وإخفاء وقائعها عن اليهود خاصة. إلا أن المعلومات التي بدأت تتسرب عن بشاعة ما حدث (ولعل ذلك بهدف دفع عرب المثلث إلى الرحيل) اضطرت الحكومة إلى إصدار بيان حول الحادث في 11/11/1956 جاء فيه أن نظام منع التجول قد فرض في عدد من القرى العربية على الحدود الشرقية (اثر تصاعد عمليات الفدائيين) ونيط تنفيذ ذلك بوحدة من حرس الحدود. وقد تقيد أهالي القرى بنظام منع التجول الذي تقرر من الساعة 17 مساء إلى الساعة 6 صباحاً. وفي بعض القرى عاد بعض السكان إلى بيوتهم بعد البدء بساعات منع التجول فأصيبوا على أيدي حرس الحدود. وحين علم رئيس الحكومة بالأمر قام في يوم 11/11/1956 بتعين لجنة تحقيق لاستيضاح ظروف الحوادث في القرى يوم 29/10/1956 ومعرفة مدى مسؤولية رجال حرس الحدود ضابطاً وعرفاء وعساكر وما إذا كان من الواجب إحالتهم على المحاكمة وبيان التعويضات التي على الحكومة أن تدفعا للعائلات التي تضررت. وأضاف البيان أن اللجنة توصلت إلى قرار باحالة قائد وحدة حرس الحدود وعدد من مرؤوسيه الذين نفذوا أمراً غير قانوني إلى المحكمة العسكرية، وأن الحكومة قررت دفع مبلغ فوري مقداره ألف ليرة إسرائيلية لكل عائلة متضررة. وقد استطاع عضوا الكنيست* توفيق طوبي ومار فلنر أن يخترقا الحصار المفروض على القرية فاخلاها يوم 20/11/1956 ونقلا أخبار المذبحة إلى أوري أفنيري (صحفي إسرائيلي وعضو سابق في الكنيست ومؤسس حركة القوة الجديدة). وبدأت الحملة الإعلامية التي تمخضت عن عقد جلسة الكنيست استمرت 12 دقيقة حاول فيها توفيق طوبي فضح الجريمة، ولكنه قوطع بصرخات أعضاء الكنيست. أما المجرمون الذين نفذوا المذبحة البشعة وأصدروا الأوامر للقيام بها فقد استمرت محاكمتهم قرابة العامين. وفي 16/10/1958 صدرت الأحكام التالية بحقهم. حكم على الرائد شموئيل ملينكي بالسجن 17 عاماً، وعلى غبرائييل دهان وشالوم عوفر بالسجن 15 عاماً بتهمة الاشتراك في قتل 43 عربياً. وأما الجنود الآخرون فحكموا بالسجن لمدة 8 سنوات بتهمة قتل 22 عربياً. إلا أن العقوبات لم تبق كما هي، فقد قررت محكمة الاستئناف تفيفها فأصبحت 14 عاماً لملينكي و10 أعوام لدهان و9 لعوفر، ثم جاء دور رئيس الأركان فخفض الأحكام عند مصادقته عليها إلى 10 أعوام لملينكي و8 لعوفر و4 سنوات لسائر القتلة. ثم جاء دور رئيس الدولة الذي خفض الأحكام إلى 5 أعوام لكل من ملينكي وعوفر ودهان. وأخيراً جاء دور لجنة اطلاق سراح المسجونين فساهمت بنصيبها وأمرت بتخفيض الثلث من مدة سجن كل واحد من المحكوم عليهم. وهكذا أطلق سراح آخر واحد منهم في مطلع عام 1960، أي بعد مرور ثلاثة أعوام ونصف على المذبحة. أما العقيد يسخار شدمي الذي كان صاحب الأمر الأول في هذه المذبحة فقد قدم الى المحاكمة في مطلع عام 1959 وكانت عقوبته التوبيخ ودفع غرامة مقدارها قرش إسرائيلي واحد. وقد اعتقدت حكومة بن غوريون أنها بهذه المحاكمة الصورية لشدمي استطاعت أن تنفي مسؤوليته عن هذه الجريمة وتنفض عن نفسها بشاعتها ناسية أن التاريخ سيظل يجعل (إسرائيل) برمتها عارها.   المراجع:   أميل حبيبي: كفر قاسم، حيفا 1976. صبري جيس: العرب في إسرائيل، بيروت 1973.