الطنطورة

نشرت الصحف العبرية بتاريخ 20/1/2000 بحثاً أكاديمياً أعده باحث إسرائيلي من جامعة حيفا يدعى ثيودور (تيدي) كاتس تحت عنوان “خروج العرب من قرى منحدرات الكرمل الجنوبي عام 1948” كشف فيه النقاب عن مذبحة جماعية ارتكبها قوات الجيش الإسرائيلي خلال احتلالها لقرية “الطنطورة” الفلسطينية الساحلية شمال فلسطين إبان حرب العام 1948 أسفرت عن سقوط أكثر من 200 قتيل من أهالي القرية. وتسرد الدراسة المعدة استناداً لروايات شهود عيان من متمردي القرية وجنود من اللواء العسكري الإسرائيلي “الكسندروني” الذي احتل القرية الفلسطينية في أيام عام 1948 سلسلة من الجرائم والأعمال الفظيعة أطلق خلالها أفراد القوة الإسرائيلية النار على أهالي القرية في الشوارع والبيوت، ودفنوهم في قبور جماعية. وتؤكد الدراسة أنه تم إحصاء أكثر من 200 قتيل من ضحايا المذبحة الذين دفنوا في قبور جماعية في مقبرة القرية التي حولتها الحكومة الإسرائيلية لتصبح الآن ساحة وقوف سيارات مرفق بشاطىء استحمام للإسرائيليين على البحر المتوسط يدعى شاطى “دور” نسبة إلى بلدة “دور” الكنعانية الأثرية الواقعة على مسافة 24 كيلو متراً إلى الجنوب من حيفا. أعد الباحث الإسرائيلي كاتس (56 عاماً) وهو عضو كيبوتس “مغيل” ويعمل في الحركة الكيبوتسية الموحدة اليسارية – البحث في إطار تقدمه للحصول على الماجستير من جامعة حيفا، وقد عمل وتجول طوال سنتين بهدف الوصول للأشخاص الذين كانوا ليلة 23 أيار/ مايو عام 1948 في القرية ولولا بحثه لظلت مجزرة الطنطورة طي الكتمان، واندثرت تحت التراب مع جثث ضحاياها. وخلص الباحث إلى أن كتيبة 33 التابعة للواء الكسندروني هاجمت القرية واحتلتها بعد عدة ساعات من تبادل لإطلاق النار كان ضارياً جداً في قسم من مناطق القتال ولكن في ساعات الصباح الباكر كانت القرية كلها قد سقطت في يد الجيش الإسرائيلي. وحسب إفادات الشهود فقد انهمك الجنود لعدة ساعات في مطاردات دموية شرسة لرجال بالغين بهدف قتلهم. وفي البداية أطلقوا عليهم في كل مكان في البيوت والساحات وحتى في الشوارع، ثم أخذوا يطلقون النار بصورة مركزة في مقبرة القرية، ويقول أحد الشهود، فوزي محمود طنجي: “لقد أخذونا إلى مقبرة القرية وهناك أوقفونا في صفوف ثم جاء قائد اليهود وقال لجنوده خذوا عشرة فاختاروا منا عشرة واقتادوهم قرب شجيرات الصبار وأطلقوا عليهم النار، ثم عادوا وأخذوا عشرة آخرين، وتكرر ذلك تباعاً”. ويقول رزق عشماوي: “ذهبت مع جندي يهودي لجمع الخبز، وعندما عدنا إلى شاطىء البحر مررنا بجثث قتلى في الشارع، وصلب الجنود مجموعة أخرى حوالي 40 – 50 شخصاً على امتداد الجدران حيث أطلقوا النار عليهم فخروا قتلى، وحاولت الأمهات أن يحفظن أطفالهن من القتل قدر الإمكان وقد نادى أحد الأطفال على أمه مستنجداً لكن الجنود أطلقوا النار عليها واردوها قتيلة. “ويتابع” “ذلك المشهد خلف حوالي 90 قتيلاً دفنوا في حفر كبيرة، حفرتان للشباب وحفرة صغيرة للفتيات”. وقال أبو أنس، أحد الشهود: “جمعوا كل الرجال في المقبرة ثم اخذوهم في مجموعات تتكون كل منها من ستة إلى سبعة أشخاص، وأرغمت كل مجموعة على حفر حفرة في الرمال وفي اللحظة التي أنهوا فيها عملية الحفر قام الجنود بإطلاق النار عليهم فسقطوا قتلى داخل الحفر، بعدها انتقل الجنود إلى مجموعة أخرى، وهكذا دواليك”. وإضافة إلى قتل الناس في المقبرة والشوارع فقد قتل آخرون داخل بيوتهم خلال البحث عن السلاح. وروى شهود أن كل فتى القي القبض عليه خضع للتحقيق حول سلاح موجود بحوزته وقد أدخل الجنود مع المعتقلين إلى البيوت لجمع الأسلحة وخرج الجنود من المنازل لكن الشباب لم يخرجوا أبداً. وتواصلت المذبحة لساعات طويلة وكانت لحظة إيقافها بمثابة المعجرة، حيث جاء سكان “زخرون يعقوب” فجأة وأنقذوا من تبقى من الأهالي في اللحظات الأخيرة دار قبلها جدل حامي بينهم وبين الجنود وأصروا على أن لا يمس الجنود واحداً من السكان المحليين. وفي اليوم التالي شوهدت عشرات الجثث ملقاة في أنحاء القرية، وحفرت حفرة كبيرة (قبالة السكة الحديدية في خابية الزجاج) حيث وضعت فيها الجثث، لم يكن هناك تسجيل للقتلى، ولكن العدد قارب إلى 230 جثة تقريباً. البحث الذي أجراه كاتس عن المذبحة جعل ذكراها السنوية تحظى بالكثير من الاهتمام والاحياء، واضطر كاتس للدفاع عن نفسه في دعوى رفعها جنود لواء “الكسندروني”. ويتوقع الكثيرون أن تصبح “قضية مجزرة الطنطورة” التي عرضت على المحاكم إحدى القضايا الأكثر حساسية وإثارة في تاريخ إسرائيل وسيصعد الشهود إلى منصة المحكمة تباعاً، لاجئون من الطنطورة كي يرووا أمام القضاة كيف نفذ الجنود الإسرائيليون المذبحة الجماعية في العشرات من مواطني القرية، وكيف طردوا البقية بعد أن نكلوا بهم. وقد رفضت المحكمة طلب كاتس برد الدعوى كونه أعد بحثاً أكاديمياً ارتكز فيه على الحقائق الكاملة من إفادات شهود عيان، وألزمته المحكمة بدفع 17.500 شيكل كمصاريف محامين وقررت تعجيل النظر في القضية نظراً لتقدم من المدعي عليه والمدعين الذين أدعوا في شكواهم أن الباحث تعمد القذف والتشهير بهم واتهموه بالعداء للصهيونية والكذب واختلاق الإفادات، وطالبوه بتعويضهم بمليون و100 ألف شيكل والاعتذار إليهم. ورفض كاتس الاتهامات التي وجهها له أفراد الوحدة، وتفرع الدفاع عنه عدد من المحامين اليهود وممثلون عن المركز القانوني للدفاع عن حقوق المواطنين العرب في الدخل (عدالة) وجمعية حقوق الإنسان العربية، كما تبنت قضيته اللجنة القطرية للدفاع عن حقوق المهجرين الفلسطينيين.