القدس (جبال)

تحتل سلسلة جبال وسط فلسطين موقفاً متوسطاً بين مجموعة جبال الجليل* في الشمال ومرتفعات النقب في الجنوب، وبين الغور والبحر الميت* في الشرق والسهل الساحلي الفلسطيني* في الغرب. وتتألف هذه السلسلة من ثلاث كتل جبلية أساسية هي: جبال الخليل* وجبال القدس وجبال نابلس*. وتقع جبال القدس في وسط هذه الكتل فتشغل قلب فلسطين بصورة عامة. ويتبع جبال القدس مرتفعات رام الله التي تعد امتداداتها الشمالية صلة الوصل بينها وبين جبال نابلس. وتتفق جبال القدس مع بقية جبال وسط فلسطين بكونها منطقة تقسيم المياه بين غور الأردن والبحر الميت ووادي عربة* من جهة، والبحر المتوسط من جهة أخرى. ولكنها تفترق عنها بكونها أخفض من الكتلتين الأخريين إذ تتجاوز القسم في جبال القدس أكثر من 875 م في جبل النبي صموئيل. فجبال القدس تشبه سرحا منخفضاً بين الكتلتين وتسمح بالمرور والاتصال بين البحر والغور، وبالتالي بين الأردن وما وراء الغور شرقاً. وتزايد الارتفاعات بالابتعاد شمالاً في مرتفعات رام الله حيث ترقى قمة تل _جبل) عاصور* إلى 1.016م وكما تتزايد جنوباً باتجاه الخليل. وأهم شبكة مياه وأودية تصرف مياه السفوح الغربية لهذه الجبال هي شبكة وحوض نهر روبين – الصرار*. وأما السفوح الشرقية فتصرف مياهها مجموعة من الأودية السيلية الأقل أهمية كوادي النار* وغيره. والسفوح الشرقية لهذه الجبال أقصر وأشد انحداراً من السفوح الغربية المنتهية بالسهل الساحلي الفلسطيني. أ- التكوين والبنية: تبرز مظاهر وطبوغرافية السطح الآنفة الذكر الوضع والأصل البنائيين لهذه الكتلة الجبلية. فقد تكونت نتيجة الحركات البنائية التي أثرت في هذا الجزء من فلسطين. وهي حركات اتصفت بنهوضين التوائيين هما البقية السنامية لجبال نابلس في الشمال والقبة السنامية لجبال الخليل في الجنوب. ويقع الالتواءان المذكوران على محور شمالي – جنوبي ويحصران بينهما خفساً بنائياً تلتقي عنده نهايات الالتواءين (رَ: البنية والبناء الجيولوجي). ولم يقتصر الأمر على هذا الخفس البنائي الالتوائي الأصل بل زادت الحركات الصناعية في خفس هذه المنطقة فظهرت ثلاثة خطوط للصدوع الهامة تتجه من الشرق نحو الغرب وتعامد على محاور الالتواءات وتقطعها بشكل واضح في تضاريس جبال القدس. وكانت النتيجة انخفاض الكتلة الجبلية المحصورة بين التوائي الخليل ونابلس وتكوين هذا الممر الشبيه بالبرج الذي تشغله جبال القدس اليوم. وهذه الحركات البنائية الالتوائية والصدعية هي في خطوطها العامة جزء من كل يتمثل  ببنية وبناء شرقي البحر المتوسط بأكمله. فقد تعرض شريط الأراضي هذا لعمليات طي والتواء واسعة رفعت طبقات الصخور* الرسوبية. ثم أعقبتها عمليات تصدع واتهامات عنيفة رافقت تكوين الصدع السوري – الأفريقي الممتد لأكثر من 6.000 كم من أقصى شمال سورية ومنطقة مرعش إلى وادي نهر الزامبيزي في افريقيا الشرقية. وجبال القدس الواقعة بين الغور السوري – الافريقي شرقاً والبحر المتوسط غرباً هي جزء من السلاسل الجبلية المكونة للجناح الغربي من جبال شرقي البحر المتوسط. وهذا يفسر قصر انحدار السفوح الشرقية لجبال القدس وجميع جبال فلسطين التي تطل على غور الانهدام والبحر الميت ووادي عربة* وشدته. أما صخور هذه الجبال فتعود في عمرها إلى الحقيبتين الثانية والثالثة الجيولوجيتين. وتكتشف على السطح صخور عائدة إلى السينوماني والتوروني، ثم إلى السينوني الثنائي والباليوسيني الثلاثي العمر بشكل عام. وتشغل الأخيرة السفوح الشرقية للجبال في حين تعم الصخور الثنائية الحجر الكلسي والدولوميتي. وهي صخور قاسية مقاومة لعمليات الحت والتعرية العادية في الأحوال الطبيعية. ولكن هذه الصخور، ولا سيما الكلسية، ضعيفة المقاومة لعمليات التحلل والذوبان الكيميائية في المناخ* الرطب السائد في هذه المرتفعات. فهي لذلك غنية بالتضاريس الناشئة عن عمليات التحلل المعروف بالكارستي، أو عن عمليات تحلل وذوبان الصخور الكلسية بالأحماض التي تحملها مياه الأمطار الجارية على السطح وللتربة ضمن الصخور. فجبال القدس ومرتفعات رام الله حافلة بالحوات (الدولينات) والكهوف والمغاور والخدوش والبالوعات التي تضيع فيها المياه السطحية وببعض المنخفضات السهلية الصغيرة كسهل الجيب بين القدس ورام الله. ولكن الصخور الكلسية – الدولوميتية تتعاقب مع طبقات من الصخور الحوارية أو مع راقات من الصوان، مما يسيي تباينا في أعمال الحت والتعرية. فهي تضعف في الصخور القاسية وتشتد في الطرية فينشأ على ذلك تدرج في جوانب وسفوح الجبال المطلة على الأودية المتعمقة فيها وفي السفوح الغربية والشرقية. وتتميز هذه المدرجات الطبيعية يخلوها من الغطاء الترابي أو بتغشيتها بغطاء رقيق من التربة* والأحجار المعرضة للانجراف بالأمطار الغزيرة (بحدود 600 مم سنوياً) التي تقوم بغسل المرتفعات الوسطى من فلسطين من المواد الناعمة على ظهورها وسفوحها. وقد أكمل الانسان الذي عمر هذه البقاع منذ القدم وزرعها وغرس فيها الأشجار على الطبيعة في كثير من المواقع ببنائه المدرجات الاصطناعية لإيقاف انجراف التربة والاستفادة منها في الزراعة*. وتتميز السفوح الشرقية لجبال القدس بالوعورة والجفاف* نتيجة تضافر عدة عوامل طبيعية. فالانحدارات الشديدة الناجمة عن فارق الارتفاع الكبير بين أعالي الجبال والأجزاء الواقفة دون مستوى البحر سببت ازدياد عمل الحت الرأسي في المجاري المائية المنتهية في البحر الميت وغور الأردن الأدنى وكانت النتيجة تحدد السفوح الشرقية بأودية عميقة وخوانق متوغلة في جسم الجبال من دون أن تصل إلى محورها أو تخرقه كوادي العوجة* ووادي مكوك ووادي القلط* وادي مكلك ووادي النار ووادي المشاش*. وتقلل الانحدارات من إمكان تشكل التربة على هذه السفوح. ولذا كانت معظم صخورها جرداء عارية. فإذا أضيف إلى ذلك وقوع هذه السفوح في ظل الأمطار التي تتناقص كمياتها إلى أقل من 100 مم مع ارتفاع الحرارة في حضيض هذه الجبال على امتداد البحر الميت وانعدام المجاري المائية الدائمة أو العيون الغزيرة المياه عرفت أسباب البيئة الوعرة والجافة لهذا الجناح من جبال القدس. ويظهر أثر ذلك في انخفاض الكثافة السكانية وقلة القرى والتجمعات السكانية الأخرى على امتداد شريط شمالي جنوبي بعرض متوسط قدره 10-12 كم فلا يشاهد نشاط وعمران ملموسان إلا على شريط غور الأردن الملاصق لأقدام جبال القدس حيث انبثقت بعض الينابيع التي سمحت بنشوء تجمع سكاني وحياة زراعية قليلة على شكل واحة غورية. وأحسن الأمثلة على ذلك واحة أريحا التي تتبع غور الأردن عملياً (رَ: عيون الماء). وتأخذ القرى بالظهور مع الاقتراب من السطوح العليا لمنطقة تقسيم المياه كقرى رامون ودير ديوان* ومخماس وجبع* وحزما وعناتا وأبو ديس وغيرها من التجمعات السكانية القليلة العدد الصغيرة المساحة. وفيما عدا ذلك تظل الأراضي شرقي شريط القرى هذا مواطن تجوال قطعان أمام عرب السواحرة والتعامرة وغيرهم من بدو الجبال. وأما سكان القرى فيمارسون الزراعات البعلية، ولا سيما الحبوب، وبعض أنواع البستنة وغرس الأشجار إلى جانب قيامهم بتربية المواشي في جرود سفوح جبال القدس. وتختلف الصورة على السفوح الغربية حيث تكون الأمطار أغزر والحرارة أكثر اعتدالاً والانحدارات ألطف وفروق الارتفاع بين السفوح والسهل الساحلي أقل. ولكن تحدد هذه السفوح بالأودية المتعمقة فيها يكاد يشبه ما على السفوح الشرقية بالإضافة إلى كون أودية السفوح الغربية أمثال وادي الصرار والمجاري العليا لأودية الكبير وعجور – صقرير أطول وأكثر نشاطاً لطول السفوح وكثرة الأمطار وجريان السيول فيها. والمساحات الفاصلة بين الأودية فقيرة بالتربة العميقة. وهي تشبه في ذلك نظريتها على السفوح المقابلة ولكنها هنا ذات مساحات أوسع ومغطاة بتربة تسمح بقيام زراعات أجود انتاجا وأكثر تنوعاً. ويرجع ذلك إلى انجراف التربة وغسلها بالأمطار، مما يعري الصخور ويدفع السكان إلى بناء المدرجات الاصطناعية لحفظ التربة على قلتها وفقرها. وقد كان للصخور المنفذة للمياه ولتعمق وقد كان للصخور المنفذة للمياه ولتعمق الأودية فيها أثر في ظهور الكثير من الينابيع وفي توفر امكانات الوصول إلى المياه الجوفية عن طريق الآبار*. وأدى ذلك إلى انتشار السكان في تجمعات أكثر عدداً وأكبر حجماً على هذه السفوح الغربية. ولكن المياه لم تكن كافية في كثير من الأحيان فدفع ذلك السكان إلى الحصول عليها بآبار الجمع المطري المنتشرة في الجبال الوسطى في فلسطين والمعروفة باسم “البرك”. ب- الأوضاع المناخية: تعد جبال القدس ومرتفعات رام الله مع مرتفعات نابلس وجبال الجليل والخليل أعلى بقاع فلسطين. وهي تتصف بمناخ جبلي متوسطي يتميز رطوبة وأمطار زائدة على أمطار البقاع السهلية الواقعة غربي المرتفعات المذكورة وأمطار غور الأردن وسواحل البحر الميت شرقيها. وتقل أمطار جبال القدس ومرتفعات رام الله عن أمطار الجليل لموقعها الجنوبي أولاً ولارتفاعها الأقل ثانياً. ويؤثر هذان العاملان في بقية عناصر مناخ جبال القدس. وتراوح حرارات جبال القدس – رام الله في معدلاتها السنوية المتوسطة بين 17 درجة مئوية في الأعالي و21 درجة مئوية في الأقدام الشرقية، وبين 19 درجة مئوية و20 درجة مئوية في النهايات الغربية للجبال. وأما متوسط أشد الأشهر حرارة (آب – وتموز) فيحوم حول 24 درجة مئوية في الأعالي و يرتفع إلى 30 درجة مئوية في السفوح الشرقية و26 درجة مئوية – 27 درجة مئوية في السفوح الغربية. وتنخفض متوسطات أشد الأشهر برودة (كانون الثاني) إلى 8 درجة مئوية – 9 درجة مئوية في الأعالي و 12 درجة مئوية – 13 درجة مئوية في السفوح الشرقية و 12 درجة مئوية – 13 درجة مئوية في السفوح الشرقية و12 درجة مئوية في السفوح الغربية. وتنخفض الحرارات الدنيا في هذه الجبال إلى ما دون الصفر وتسقط الثلوج على القسم في كثير من أيام الشتاء الباردة. وأما كميات أمطار الجبال السنوية فتراوح بين 600 و700 مم في الأعالي، وبين 450 و500 مم على السفوح الغربية، وبين 200 و350 مم على السفوح الشرقية. ولكن أمطار جبال القدس غير منتظمة على مدى مجموعات من السنوات تراوح بين 7 و12 سنة إذ تمر بها سنوات خير مطيرة تصل فيها الكميات السنوية إلى 800 – 1.200 مم وتتعرض لسني جفاف تراوح أمطارها بين 100 و400 مم. إن أرقام التبخر في جبال القدس مرتفعة على مدار السنة. فهي تحوم حول 1.600 مم ولكنها تنخفض في فصل الشتاء إلى ما بين 550 و600 مم، مما يجعل الموازنة المائية الشتوية إيجابية ويساعد على تشكل السيول التي تملأ بطون الأودية المنتهية إلى البحر المتوسط بصورة خاصة ووادي الأردن والبحر الميت بمقياس أضعف. ولكنها لا تشكل أنهاراً مستمرة الجريان على مدار السنة نظراً لتدخل عنصر طبيعي سلبي آخر في الهملية هو كون الصخور الكلسية السائدة في هذه الجبال منفذة للمياه تغذي خزانات المياه الجوفية التي تنبثق على شكل عيون وينابيع في بطون الأودية أو عند أقدام هذه الجبال. ج- النشاط البشري – الاقتصادي: تتناثر في جبال القدس – رام الله عشرات التجمعات السكانية وأكبرها تجمع مدينة القدس* ثم تجمع المدينة المزدوجة رام الله* – البيرة* ثم تجمع بيت لحم* – بيت جالا* – بيت ساحور*. ويلاحظ أن القرى قليلة وصغيرة على الشريط الشمالي الجنوبي المساير للسفوح الشرقية في حين أنها أكثر وأكبر على ظهور المرتفعات والسفوح الغربية. وينسجم هذا التوزيع مع الشروط والظروف الجغرافية الطبيعية الآنفة الذكر من حيث الانحدار متوفر التربة والرطوبة والأمطار والمياه. ومما تجدر الإشارة إليه أن كثافة القرى والمدن في هذه الجبال هي أعلى بكثير من إمكانيات الأرض الاقتصادية الطبيعية. وبالرغم من ذلك تشهد المنطقة ازدحاماً سكانياً لا مثيل له في فلسطين إلا في السهل الساحلي الفلسطيني الأوسط. حتى إن مدينة القدس لا تتصف بأية ميزة طبيعية تشجع على نشوء مدينة كبيرة كهذه وتطورها. ولكن القدس كانت وما زالت السبب الذي يجذب إليها وإلى جبالها وقراها السكان من شتى الأرجاء لاعمارها والاستيطان فيها رغم تجشمهم عناء الحصول على الأرض الصالحة للاستثمار والمياه الضرورية لا للزراعة فحسب بل وللشرب أيضاً. والتفسير المقبول هذه الظاهرة البشرية – السكانية يتجلى في الخلفية التاريخية – الدينية الموغلة في القدم لمدينة القدس. وهكذا أدت الوظيفة الدينية – التاريخية إلى بقاء القدس قائمة حتى الآن (رغم ما تعرضت له من أحداث وتخريب) وساعدت على تطورها واتساعها على النحو الذي وصلت اليه اليوم. أما المدن الأخرى فإنها وإن نشأت في الأصل توابع تدور في فلك القدس قد تطورت وأصبح لها وجودها المتميز واستقلت بوظائفها الخاصة بها. وقد اكتسبت مدينة رام الله – البيرة شهرتها في الاصطياف وبعض الصناعات وارتكز تطور مدينة بيت لحم على الظيفة الدينية بالدرجة الأولى، وعلى بعض الصناعات المحلية بالدرجة الثانية. هذا إلى جانب الوظيفة الزراعية التي تمارسها المدن المذكورة، وتعد الوظيفة الأساسية إلى جانب مهنة الرعي* البسيطة بالنسبة إلى جميع قرى جبال القدس – رام الله بصورة عامة. وقد فرضت الأوضاع الطبيعية نمط الزراعة ونوع المزروعات في هذه الجبال اذ لا يسمح المساحات الصغيرة من الأراضي الصالحة للاستثمار بقيام زراعات واسعة كزراعة الحبوب بأنواعها المختلفة. ولذا فإن أهم أنواع الزراعات السائدة هي زراعة الأشجار المثمرة وفي مقدمتها شجرة الزيتون التي تكاد لا تخلو منها أرض قرية ما، ثم أشجار التين والكرمة التي اشتهرت  بها بعض قرى السفوح الغربية كقرية أبو عوش المعروفة بقرية العنب أيضاً. وهناك أنواع أخرى من الأشجار المثمرة التي تناسب نمط زراعة السفوح المدرجة وأسلوبها. وتخصص مساحات من أراضي القرى لزراعة الخضر* للاستهلاك المحلي أو التصدير، وتزرع مساحات صغيرة بالحبوب لتأمين المادة العذائية الأساسية من مشتقات القمح. ويمارس سكان الريف تربية المواشي وفي مقدمتها الأغنام والمعز، وتربى الأبقار والدواجن بقلة (رَ: الحيوانات الأليفة). إن منطقة جبال القدس – رام الله التي كان معظمها ضمن أراضي الضفة الغربية قد أصبحت بعد عام 1967 تواجه أخطار الاستيطان الصهيوني وإقامة المستعمرات التي تجاوزت أعدادها العشرات عدا خطر المخطط لإقامتها في المستقبل على حساب العرب وأراضيهم (رَ: الاستيطان الصهيوني بعد 1967). المراجع:   صلاح الدين بحيري: جغرافية الأردن، عمان 1973. مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج8، ق2، بيروت 1974.   القدس (جوامع -): رَ: الجوامع والمساجد   القدس (الخوانق والربط والزوايا في -): رَ: الخوانق والربط والزوايا