الجليل (جبال)

كانت تسمية الجليل في الماضي تشمل ما هو اليوم السلسلة الغربية المحاذية لساحل الشام حتى خط عرض حمص (ياقوت: الجليل)، على حين تعني جبال الجليل في الوقت الحاضر مرتفعات شمال فلسطين حتى جبل عامل في جنوب لبنان. وهي تغطي المنطقة الشمالية من فلسطين التي تضم أقضية صفد وطبرية وبيسان وعكا، وتعرف بلواء الجليل (رَ: الإدارة). أ- حدود الجبال: تتألف منطقة (لواء) الجليل من مساحات سهلية وتلية وأخرى هضبية وجبلية، يحدها البحر المتوسط غرباً، وحدود فلسطين مع لبنان شمالاً، والحدود السورية – الأردنية مع فلسطين شرقاً. أما جنوباً فيرسم خط المنخفضات المتتالية عبر وادي نهر جالود* وسهل مرج ابن عامر* ووادي نهر المقطع* حدود منطقة الجليل. وتشغل المرتفعات الجبلية والهضاب معظم أجزاء المنطقة، وتحتل منها أقسامها الوسطى والشمالية. وهي محاطة بوحدات جغرافية طبيعية، وتشمل في الشرق الأجزاء الشمالية من الغور في فلسطين المؤلفة من سهل الحولة* وبحيرة طبرية* ووادي الأردن بين غور بيسان وبحيرة طبرية. وتنتهي مرتفعات وجبال الجليل من جهة الغرب بسهل عكا – حيفا. أما من الشمال ومن الجنوب فحدود المرتفعات والجبال هي نفسها حدود منطقة الجليل الآنفة الذكر. ويبلغ العرض المتوسط للجبال بين وادي الأردن والسهول الساحلية نحو 40 كم حين يصل طولها إلى 60كم. ب- جغرافية جبال الجليل: في جبال الجليل وحدتان تضاريستيان بارزتان هما: جبال الجليل الأعلى، وجبال الجليل الأدنى. وتمتد الحدود الفاصلة بين هاتين الوحدتين شرقاً بغرب محاذية لطريق السيارات الخارجة من مدينة عكا* إلى منطقة صفد عبر الجبال. ويتفق محور الطريق مع محور الأودية والمنخفضات الواقعة عند سفوح سلسلة من الجروف الصخرية والجبال العالية، 750 -1.000م، يشغلها مجرى سيل الشاغور، ومجرى سيل مجد الكروم وسهل الرامة، وأحد الروافد الغربية لوادي عمود* في الشرق. 1)   الجليل الأعلى: إلى الشمال من الحد الفاصل بين الجليلين تبرز كتلة جبال الجليل الأعلى مكونة هضبة ترتفع أكثر من 800م فوق سطح البحر في الوسط والشرق، وأقل من 700م فوق سطح البحر في الغرب، وللكتلة شكل مستطيل تقريباً طوله يمتد من الشرق نحو الغرب بين وادي الأردن والسهول الساحلية. وتتميز في الشرق والجنوب بحدود واضحة ترسمها الجروف والسفوح الجبلية الشديدة الانحدار على أرض سهل الحولة وسهول شمالي غرب طبرية في الشرق، وعلى أودية ومنخفضات الحد الفاصل بيين الجليل الأعلى والجليل الأدنى في الجنوب. في حين لا يلاحظ في الشمال أي انقطاع في استمرار المرتفعات والانحدارات حيث تلتحم كتلة الجليل الأعلى مع كتلة جبل عامل (عاملة) في لبنان. أما في الغرب فإن سفوح الكتلة تنحدر بانخفاض، وبشكل تدريجي، حتى تندمج نهاياتها ومهاميزها التلية بمنبسطات السهول الساحلية دون أي انقطاع في الانحدار اللطيف نسبياً. ونتيجة لهذا الوضع الطبوغرافي – التضاريسي تركزت شبكة تصريف المياه في الجليل الأعلى في الأودية المنحدرة عنه إلى السهل الساحلي فالبحر غرباً وشمالاً غربياً حيث عدد الأودية أكبر وأكثر طولاً من مثيلاتها في الشرق والجنوب الشرقي. الواقع يحتل خط تقسيم المياه بين وادي الأردن والبحر المتوسط موقعاً شرقياً قريباً جداً من وادي الأردن، مما يجعل الأودية والأنهار المنتهية إليه قصيرة جداً وقليلة العدد. إذ يمر الخط المذكور من حدود فلسطين مع لبنان متجهاً إلى جبل عدائر فأراضي قرية سعسع* ومنها إلى جبل الجرمق، ثم عبر المنطقة الواقعة بين قريتي ميرون* وبيت جن حتى موقع الفراضية شمالي قرية المنصورة. وهكذا فإن الانحدارات العامة لكتلة الجليل هي ذات محور شمالي غربي – غربي سائد. ويساعد هذا الانحدار الشمالي الغربي وانخفاض الجبال باتجاه لبنان على تشكل عدد من الأودية الرافدة لنهر الليطاني في لبنان. وتقع أعلى أجزاء الجليل الأعلى في الوسط الشرقي – الجنوبي الشرقي من الكتلة حيث تنهض فوقها بارتفاعات تتجاوز 1.000م في قمة الجرمق 1.208م أعلى قمة في فلسطين كلها، والقمم القريبة منها، وقمة جبل حيدر 1.047م، وجبل عدائر 1.006م. ومن الظواهر التضاريسية المميزة لوسط جبال الجليل الأعلى بروز كتل جبلية صغيرة فوق سطحه العام موزعة توزيعاً غير منتظم على محاور معينة. وتختلف هذه الكتل الجبلية في ارتفاع قممها وأحجامها، وتفصل بينها أودية ومنخفضات استغلتها المياه والسيول وعمقت فيها مجاريها. لكن يلاحظ مع الاقتراب من الأقسام الغربية للجبال ظهور محاور منتظمة واضحة للتضاريس، فتتعاقب أشرطة من المرتفعات تفصل بينها أودية مسايرة لها على امتداد شرقي -غربي مسيطر. ومن أودية الجليل الأعلى الغربي وادي نهر البصة في الشمال، ثم وادي القرن*، الكتلة المحصورة بين سهل الحولة شرقاً ومجرى نهر عمود وجبل عامل على امتداد الحدود بين سهل الحولة ولبنان غرباً. ولا يمكن تفسير هذه الاختلافات في كتل الجليل الأعلى الشرقية والوسطى والغربية بأعمال الحت والتعرية للمياه النهرية والسيلية، أو بأعمال التحلل الضمني للصخور الكلسية وظهور الأشكال (الكارستية) فقط، لأن الحركات البنائية التي ضربت المنطقة أدت الدور الأول في رسم خطوط وملامح التضاريس الأساسية في الجليل الأعلى. وتوضح خريطة فلسطين الجيولوجية – التكتونية أن جبال الجليل، ولا سيما الجليل الأعلى، كانت أكثر تأثراً بالحركات البنائية، خاصة الصدوع والانكسارات، من أية بقعة من بقاع فلسطين الأخرى. فالصدوع تغطي المنطقة بشبكة كثيفة من الخطوط التي تخلعت على جوانبها وامتداداتها التضاريس والطبقات الصخرية. ويغلب على هذه الطبقات الحجر الكلسي والدولوميني العائد للحقبة الثانية الجيولوجية (السينوماني والتوروني) وكذلك (السينوني). ونتيجة لذلك تشوهت تضاريس المنطقة، فارتفعت كتل منها بشكل منفصل عن جاراتها، وانخفضت أجزاء أخرى مشكلة الأحواض والأودية بين النجود المرتفعة، مما جعل فروق الارتفاع كبيرة، على مسافات قصيرة، بين تضاريس الجليل الأعلى. ويغلب على صدوع منطقة صفد والجليل الأعلى الشرقي الاتجاه الشمالي الجنوبي المتأثر باتجاه وادي الأردن الغوري. في حين يغلب على صدوع الجزء الغربي الاتجاه الشرقي الغربي. وبين هذين الاتجاهين المتعامدين قامت المنطقة الوسطى للجليل الأعلى ذات الوضع الانتقالي بين المؤثرات الصدعية الشرقية والغربية حيث تتلاقى خطوط الصدوع وتتقاطع بزوايا مختلفة، مما أدى إلى تطويق وعزل كتل صغيرة من المنطقة ارتفعت، أو انخفضت، حسب القوى المكونة لها. وخير مثال على ما تقدم جبل الجرمق المطوق من جميع أطرافه بالصدوع التي سببت ارتفاعه الكبير عما حوله من الأراضي. وقد اثرت العوامل الخارجية للمناخ* والمياه فزادت تشويه التضاريس وفروق الارتفاع فيها، فقامت السيول والأنهار بحفر أوديتها وتعميقها ضمن الصخور* القاسية بشكل عنيف سيطر فيه الحث الرأسي للأودية على تراجع جوانبها فجعلها غنية بالفجاج والخوانق والانحدارات الشديدة في مجاريها الطولية. ومعظم أودية الجليل الأعلى من النوع المعروف بالأودية البنائية أو المفروضة، أي الأودية التي فرضت عليها الحركات البنائية (هذا الصدوع) محاور سيرها واتجاهاتها الأولى. وتقدم أودية غربي الجليل الأعلى أمثلة نموذجية على توافق خطوط الصدوع ومحاور الأودية والأنهار. وإلى جانب العوامل الداخلية (الحركات الأرضية)، والعوامل الخارجية (المياه الجارية)، ساهمت طبيعة الصخور السائدة في المنطقة (الكلس)، وتفاعلها مع المناخ ذي الأمطار الغزيرة في نشاط الأعمال الكارستية (أي تحتل الصخور بالمياه المطرية)، مما أدى إلى ازدياد تشويه تضاريس الجليل الأعلى. وتظهر أعمال تحلل الصخور الكلسية على السطح في شكل خدوش وميازيب تفصل بينها علوات خطية من الصخور، أو حفر مغلقة خافسة مخروطية الشكل تعرف بالجوية (أو الدولين). وتنتشر في هذه الصخور حفر بالعة (بالوعات) تتسرب المياه من خلالها إلى باطن الأرض. وتقدم أعمال التحلل أشكالاً ضمنية تتمثل بالكثير من المغاور والسراديب المتوغلة في جسم الكتل الصخرية في شتى أنحاء الجليل الأعلى. ولقد كان للمناخ في الماضي والحاضر أثر فعال في رسم الصورة الحالية للتضاريس لما يتمتع به من خصائص غير موجودة في أية بقعة أخرى من بقاع فلسطين. فالأمطار غزيرة لا تنخفض إلى أقل من 600 مم بل تزيد في المرتفعات على 1.000مم سنوياً. والجليل الأعلى هو المنطقة الوحيدة بين مناطق فلسطين التي تسقط الثلوج على مرتفعاتها سنوياً تقريباً. وينخفض أشجار السنوي في أعالي المنطقة إلى أقل من 900 مم، أي أن كمية الأمطار تفوق نسبة التبخر، على عكس بقية مناطق القطر الفلسطيني التي تكون فيها الحصيلة لصالح الجفاف* درجات الحرارة السنوية المتوسطة مع الموقع والارتفاع، فتحوم حول 12 درجة مئوية في المرتفعات العالية، وحول 18 درجة مئوية في الجبال والهضاب المنخفضة. ويؤثر هذا الوضع المناخي في الغطاء النباتي في الجليل الأعلى حيث توجد أكثر كثافة للنبات بالنسبة إلى فلسطين. ويتألف الغطاء النباتي من أشجار وشجيرات غابية – حراجية، وغطاء من أعشاب وأنجم صغيرة ونباتات قصيرة (رَ: النباتات الطبيعية). الغطاء النباتي للجليل الأعلى أنواعاً كثيرة، ومن أكثر الأشجار الغابية المتبقية في المنطقة أنواع الصنوبر المختلفة، ولا سيما الصنوبر المقدسي”، والصنوبر الحلبي، ثم البلوط وأنواع البطميات المتعددة والخرنوب والقطلب (رَ: النباتات الطبيعية). وقد انقرض معظم أنواع النباتات، وخاصة الأشجار الغابية، وحتى اقتصرت على مجموعتي البلوط والبطميات تقريباً. وتنتشر أدغال المالكي الشوكية في الجليل الأعلى الغربي، وكذلك مساحات من الغاريغ، وهما من أدغال البحر المتوسط القزمة 1 – 2.5م. 2)   الجليل الأدنى: يمتد إلى الجنوب من نطاق الأودية والمنخفضات الفاصلة بين الجليلين، من الخط الواصل بين سهل عكا – حيفا في الغرب وبحيرة طبرية وغور الأردن في الشرق، حتى سلسلة منخفضات وادي جالود وسهل مرج ابن عامر ووادي نهر المقطع جنوباً.يختلف عن كتلة جبال الجليل الأعلى المرتفعة المشرفة بحافات جبالها وجروفها الصخريةعلى النطاق الفاصل بين الجليلين. وتسمية هذا الجزء بالأدنى منطبقة على واقع جغرافي يتميز بانخفاض عام واضح للمنطقة. إذ تقع أعلى قمم الجليل الأدنى في حدود 500 – 550م فوق مستوى سطح البحر، أما الارتفاع المتوسط فلا يتجاوز 300 – 350م إذا أخذت المنخفضات والسهول الجليلية في الحسبان. ولا يقتصر التميز بين الجليلين على فروق الارتفاعات وحدها بل على توزيع وانتشار التضاريس أيضاً. فالجليل الأدنى مؤلف من وحدتين تضاريستين متباينتين: الجليل الأدنى الشرقي، والجليل الأدنى الغربي، ويشكل الجزء الشرقي هضبة واسعة من مرتفعات وتلال شمالي غرب وغربي طبرية، واستمرارها جنوباً حتى وادي نهر جالود بعرض متزايد في اتجاه الجنوب يصل إلى 15 كم وارتفاع متوسط لا يتجاوز 300م فوق مستوى سطح البحر. لكن هذا الارتفاع المتوسط يأخذ بالازدياد مع اقتراب من وادي غور الأردن حيث يضاف مقدار الانخفاض دون مستوى سطح البحر في الغور إلى الرقم السابق فيصبح الارتفاع المتوسط للجليل الأدنى الشرقي وهضابه بالنسبة إلى غور الأردن 500 -550م. ولما كانت حافات الجليل الأدنى المشرفة على الغور* ذات سفوح شديدة الانحدار ومجرأة بأودية سيلية كثيرة منتهية في بحيرة طبرية وفي نهر الأردن، الناظر إليها من جهة الشرق يرى فيها جبالاً متوسطة الارتفاع وهضاباً منخفضة تقف عائقاً أمام الاتصال بين الغور وقلب الجليل الأدنى، إلا عن طريق ممرات الأودية، كوادي طابور ووادي جالود. ولقد أدت جيولوجية المنطقة وصخورها أساسياً في رسم الصورة الجغرافية – التضاريسية للجليل الأدنى الشرقي حيث تنخفض كثافة خطوط الصدوع، فيما عدا الأجزاء الشمالية الواقعة غرب وشمال غرب بحيرة طبرية. نقل فروق الارتفاعات الناجمة عن تخلع التضاريس. يضاف إلى ذلك أن معظم الطبقات الصخرية الرسوبية العائدة للأيوسين والنيوجين، والمؤلفة من صخور طرية نسبياً، مغشاة بغطاء من الحمم الاندفاعية البركانية العائدة للحقبة الثالثة الجيولوجية الحديثة (النيوجين) وللحقبة الرابعة الجيولوجية، مما وسم الجليل الأدنى الشرقي بسمة الهضاب المنبسطة التي تتوج الحمم أعاليها. أما تجرؤ الغطاء الاندفاعي إلى قطع هضابية فسببه أعمال الحفر والتعمق الكبيبرة للأنهار والسيول المنحدرة إلى غور الأردن شرقاً، تلك الأعمال التي يغلب عليها الحت والتعمق الرأسيان نتيجة فروق الارتفاع الكبيرة بين بداية ونهاية الأنهار والسيول التي تتجاوز 400م على مسافات لا تتجاوز 20 كم. واضح في وادي عمود ووادي طابور وغيرهما من الأودية السيلية التي اخترق فيها عمل الحت الغطاء الاندفاعي حيثما وجد، وأخذ يتعمق في جسم الصخور القاعدية الرسوبية الطرية بسرعة أكبر. أما في الجليل الغربي فالصورة مختلفة عما تقدم، فهنا تسيطر ظاهرة الأحواض والسهول المنخفضة الفاصلة بيين سلاسل جبلية – تلية متطاولة على امتداد محاور شرقية – غربية عامة. فإلى الجنوب من نطاق الأودية والمنخفضات الفاصلة بين الجليلين ومن وادي مجد الكروم ترتفع سلسلة جبال الشاغور على محور شرقي – غربي مقسم بوادي الشاغور وسلامة إلى ثلاث وحدات جبلية تقع قممها على علو 520 – 570م. وتشرف جبال الشاغور على سهل سخنين وسهل عرابة المسايرين لمحور الجبال من الجنوب. وينحصر منخفض سخنين – عرابة بين جبال الشاغور في الشمال وسلسلة جبال البطوف – سخنين في الجنوب فتصل قممها إلى 26م في جبل البطوف و548م في جبل سخنين. ولهذه الجبال المحور السابق للتضاريس نفسه. وإلى الجنوب من هذه الجبال، وعلى محور غربي -شرقي، مع انحراف نحو الجنوب الغربي، يمتد منخفض سهل البطوف فسيحاً متطاولاً بين سلسلة البطوف – سخنين وجبل طرعان وسلسلته في الجنوب. وأخيراً ترتفع سلسلة جبال الناصرة جنوبي منخفض طرعان الصغير المحصور بين جبل طرعان في الشمال وجبال الناصرة في الجنوب. وترتفع قمة جبل طرعان إلى 548م، وقمة جبل الشيخ أعلى قمة في جبال الناصرة، إلى 573م. جبل الشيخ أعلى قمة في جبال الناصرة، إلى 573م. وتتصل السفوح الجنوبية لجبال الناصرة بأكبر منخفض سهلي في المنطقة ألا وهو سهل مرج ابن عامر، وامتداده شرقاً بجنوب في وادي نهر جالود حيث تنتهي منطقة الجليل لتبدأ منطقة جبال فلسطين الوسطى. إن تعاقب تضاريس الجليل الأدنى الغربي على شكل منخفضات متطاولة تفصل بينها سلاسل جبلية ضيقة يظهر بوضوح في فروق الارتفاع بين المنخفضات التي تقع على مستوى أقل من 100م فوق سطح البحر في سهل مرج ابن عامر، وأعلى من 220م في وادي مجد الكروم، والجبال التي ترقى أعاليها إلى أكثر من 500م فوق مستوى سطح البحر. وتتفق الجبال الفاصلة بين المنخفضات بتدرجها في الانخفاض باتجاه الغرب حتى تنتهي بتلال تلتحم بالسهل الساحلي شرقي خليج عكا*. أما في الشرق فتندمج في جسم الجليل الأدنى الشرقي وهضابه التي سبق الحديث عنها دون أي انقطاع في اتصال التضاريس. وهكذا تصبح المنخفضات مطوقة من الشمال والجنوب والشرق بمرتفعات بارزة فوق أرضها السهلية – المنبسطة، إن معظم سفوح السلاسل الجبلية الفاصلة تسقط على حافات المنخفضات بانحدارات شديدة تويد في وضوح الفروق التضاريسية. وأما في الغرب فإن هذه المنخفضات مفتوحة على السهل الساحلي* بفتحات ضيقة على الغالب تشغلها أودية سيلية تصرف مياه المنخفضات والسفوح المطلة عليها، ابتداء من وادي مجد الكروم في الشمال وانتهاء بوادي نهر المقطع في الجنوب. ولما كانت أرض المنخفضات ضعيفة الانحدار تخترقها خطوط الأودية السيلية، فإن مياه الفيضان في الشتاء تحتل في أكثر الأوقات مساحات منها تغرقها وتشكل مستنقعات فيها. كذلك جرى استغلال الأجزاء المنخفضة منها تكون خزانات وأحواضاً مائية، كخزان البطوف وخزان طرعان. ولا يمكن تفسير الوضع التضاريس في الجليل الأدنى الغربي، كما هي الحال في الجليل الأعلى، دون معرفة الأسس الجيولوجية والحركات الأرضية التي أثرت في المنطقة. فالصخور السائدة في هذا الجزء من فلسطين رسوبية يغلب عليها الكلس والدولوميت والحوار في السلاسل الجبلية، في حين تملأ المواد اللحقية والفضية أرض المنخفضات والأحواض وبطون الأودية. ولقد ضربت الحركات الأرضية المنطقة فشوشت وضع الطبقات الرسوبية السابقة التي كانت تشكل كلا متماسكاً، مما سبب نهوض أجزاء منها كونت السلاسل الجبلية مقابل انخفاض أجزاء أخرى شكلت المنخفضات والأحواض بينها. وجرى ذلك على امتداد محاور الصدوع والانكسارات التي سيطر عليها الاتجاه الشرقي – العربي العام. فالجليل الأدنى الغربي منطقة نموذجية للتضاريس الصدعية التي تتعاقب فيها النجود والأغوار الصغيرة البنائبة الأصل التي جاءت الأعمال المناخية من حت وتعرية وترسيب، لتبرز فيما بعد الفروق بينهما، وتقدم الصورة الحالية لطبيعة تضاريس المنطقة. ويرافق اختلاف الوضع التضاريس في الجليل الأدنى عن شبيهه في الجليل الأعلى اختلاف وتعبير في المناخ والغطاء النباتي، إذ تنخفض كميات الأمطار السنوية إلى 500 – 600مم وترتفع درجات الحرارة السنوية المتوسطة إلى 19 درجة مئوية – 20 درجة مئوية ويتجاوز مقدار التبخر 1.000 – 1.100 مم سنوياً. أما الغطاء النباتي فإنه، وإن كان امتداداً لأدغال وشجيرات وأعشاب الجليل الأعلى من حيث الأنواع والأصناف، ذو كثافة أقل تزداد في السلاسل الجبلية والمرتفعات، وتكاد تنعدم في سهول المنخفضات المستغلة للزراعة. ج – الجليل عبر التاريخ: الجليل من الجلجال، والجلجال لفظ سامي يرجح أن يكون كنعاني الأصل، ومعناه الحجر المستدير الشكل. أقدم من سكن بقاع فلسطين، ومنها بلاد الجليل، هو إنسان العبيدية قبل 1.750.000 سنة. وقد وجدت بقايا هيكله العظمي وآلاته الحجرية في تل العبيدية بالقرب من بحر الجليل (رَ: العصور القديمة)، ووجدت في مغارة الزطية شمال غرب الجليل،(رَ: الزطية، كهف -) وفي كهوف جبل الكرمل آثار إنسان نياندرتال الذي عاش قبل 100.000 سنة، ووجدت في مغارة الأميرة بالقرب من بحر الجليل آثار الإنسان العاقل في العصر الأوريغناشي قبل 30.000 سنة. ومن المدن التي نشأت في شمال فلسطين في عصور ما قبل التاريخ مجدو (اللجون*) التي شهدت في عصورها التاريخية معارك طاحنة بين الكنعانيين والمصريين زمن الفرعون تحتمس الثالث* عام 1480 ق.م. وتأسست بديار الجليل في عصور ما قبل التاريخ مدينة بيسان. ولما نزل الكنعانيون هذه المنطقة بنوا فيها مدينة سموها بيت شان، نسبة للاله شان. وتوجد آثار هذه المدينة اليوم بتل الحصن القريب من مدينة بيسان. ونزلت قبيلة الجرجاشيين* الكنعانية بجوار بحر الجليل، ولذلك سمي البحر باسمهم. ونزلت قبيلة الحويين* الكنعانية شمال البلاد حتى جبل الشيخ وجبل لبنان، وسكن الفينيقيون (الكنعانيون) السواحل الفلسطينية واللبنانية أيضاًً. وفي عام 722 ق.م. احتل الأشوريون منطقة الجليل، ونقلوا منها بعض الأسرى، وخضعت بلاد الجليل بعد ذلك لحكم الفرس والسلوقيين*. وفي عام 63 ق.م. احتل الرومان فلسطين، وأصبحت ديار الجليل تابعة لهم. وبعد أن أحرق الإمبراطور فسباسيانوس* القدس عام 70م منع اليهود من الإقامة فيها، فأصبح الجليل في فترة من الزمن مركزاً للدراسات التلمودية بعد أن انتقل إليه المجمع الديني اليهودي الأعلى المعروف بالسنهدرين. للجليل ذكريات خالدة في أذهان المسيحيين لأن السيد المسيح نشأ وتربى فيه، وقضى أكثر أيامه بمدينة الناصرة حيث بشر بمعظم رسالته، وكان يعرف بيسوع الجليلي (متى 69:26). وفي الجليل نشأ بعض الحواريين الذين آزروا المسيح. واختار المسيح بعض أصدقائه مثل القديس بطرس* من أهل الجليل. وفي الجليل اليوم كنائس وأديرة كثيرة بنيت تخليداً لذكرى يسوع الناصري. وكان الجليل في التنظيم الإداري الروماني جزءاً من فلسطين الثانية التي شملت شمال فلسطين وشمال شرق الأردن ودرعا وصور. وبعد الفتح العربي الإسلامي أصبحت ديار الجليل من جند الأردن، وكانت قضيتها طبرية. وظلت كذلك مدة أربعة قرون ونصف. ونزلت بالجليل بعد الفتح العربي قبائل عربية كثيرة أهمها قبيلة عاملة* التي نزلت الجبل الذي نسب إليها في جنوب لبنان وشمال فلسطين، وقبيلة جدام* التي نزل فخذ منها فيما يلي طبرية إلى اللجون وعكا، وقبيلة الأشعريين وكانوا الغالبية في طبرية، والغساسنة* ومنهم جماعة استقرت في الأردن، وبنو عامر الذين نزلوا المرج الفلسطيني الذي عرف باسمهم (رَ: مرج ابن عامر، سهل -)، والجرامقة الذين استقروا بجبل جرمق بصفد وجنوب لبنان قبل الفتح العربي. والمعروف أن جميع هذه القبائل قحطانية. شهدت ديار الجليل أحداثاً كثيرة أثناء الحروب الصليبية. وبعد أن طرد منها الصليبون اهتم بها المماليك* وازدهرت في عهدهم. ولما سيطر العثمانيون عليها عام 1516م أصبحت عكا قصبة الجليل. وتأسست في العهد العثماني بالجليل إمارة الشهابيين، ثم إمارة ظاهر العمر الزيداني*. وظلت عكا عاصمة الجليل حتى الاحتلال البريطاني عام 1918م وذلك حينما أصبحت حيفا أعظم مدن الشمال. وينسب إلى منطقة الجليل بحر الجليل (بحيرة طبرية) وهو بحيرة عذبة تستمد مياهها من نهر الأردن، وقد سمي بهذا الاسم لأول مرة في العهد الجديد (متى 18:4، لوقا 1:5، يوحنا 1:6) وكان في السابق يعرف باسم بحر كنروت وبحر كنارة (العدد 11:34) وبحر جنيسارت. وهو، حالياً، بحيرة طبرية. وينسب إلى منطقة الجليل الجليليون، وهم أتباع يهودا الجليلي الذي ظهر قبل الميلاد وكان يقول إن لا ملك لليهود غير الله. ويظهر أن هذه الطائفة الدينية انصرفت إلى الشؤون الدينية ورفضت العنف. احتل فخر الدين المعني مكانة هامة في الجليل في القرن السابع عشر، واتخذ صفد حصناً لحماية أملاكه، ولكن الأتراك قضوا عليه. وفي القرن السابع عشر تأسست في الجليل إمارة للشهابيين. وفي أواخر ذلك القرن عين الشهابيون عمر بن زيدان شيخاً على صفد لمساعدتهم، وفي عام 1750م استقل ولده الذي أخذ من عكا مقراً له. وفي عهده نشطت الزراعة والتجارة، وشعر الناس بالأمان. د- النشاط البشري والاقتصادي: انتشرت التجمعات السكانية في الجليل على شكل قرى أو مزارع صغيرة تتخللها الخرب القديمة المهجورة (رَ: الخرب والأماكن الأثرية). وتتبع هذه التجمعات السكانية مراكز صفد أو طبرية* أو بيسان* أو عكا. لكن مدينة صفد هي عاصمة بلدان جبال الجليل الأعلى، لموقعها الجبلي، على عكس طبرية أو بيسان أو عكا الواقعة في السهول والمنخفضات. وأما في جبال الأدنى فمدينة الناصرة هي أكثر مركز بشري يشرف على سهل مرج ابن عامر والعفولة* في الجنوب. يغلب على قرى الجليل قيامها في مواقع تلتقي فيها سفوح الكتل الجبلية بأطراف سهول المنخفضات ومخارج الأودية من الجبال. وفي هذا توفير للأرض الزراعية، وابتعاد عن مناطق الفيضان والمستنقعات في السهول، وعن الغطاء النباتي الغابي في المرتفعات وسفوحها. ويعتمد السكان على بعض الينابيع أو الآبار* المحفورة لتأمين مياه الشرب والاستعمال المنزلي. وقد مددت أنابيب مياه الشرب إلى معظم التجمعات السكانية في الجليل. أما الزراعة*، وهي النشاط البشري – الاقتصادي الأول لسكان الجليل، فاعتمادها الأساسي على الأمطار التي تسمح كمياتها السنوية بقيام زراعة بعلية دون خوف. ولم يكتف الفلاح الفلسطيني في الجليل بزراعة السهول وبطون الأودية والسطوح المرتفعة ذات الانحدار والتربية* المناسبة، بل بذل جهوداً جبارة في إقامة المدرجات الزراعية على سفوح التلال والجبال، وغرس أشجار الزيتون* وغيرها من الأشجار المثمرة فيها. ومن المحاصيل الهامة في جبال الجليل ومنخفضاتها الحبوب، وعلى رأسها الحنطة، ثم البقول، والذرة، والبطيخ، والعنب*، والتين، والزيتون، واللوز، والخضر بأنواعها وتحتل تربية المواشي، وفي مقدمتها الغنم والبقر، المرتبة الثانية بعد الزراعة في ريف الجليل. وأما المعز فقد تناقصت أعداده مقابل تزايد العناية بتربية الدواجن للحمها وبيضها. ومن أوجه النشاط الأخرى العمل في الصناعات المحلية التقليدية، كصناعة الحصر والبسط والمنسوجات البيتية القليلة الانتشار (رَ: النسيج، صناعة -)، إلى جانب الصناعات الغذائية المعتمدة على المواد الأولية المحلية (رَ: المواد الغذائية، صناعة -) وكذلك صناعة أدوات العمل الزراعي في المراكز السكانية الكبرى، كالناصرة أو صفد وغيرها. ومنطقة جبال الجليل عامة ذات نشاط بشري – اقتصادي قديم في فلسطين، يضاف إليه طبيعة المرتفعات وغاباتها وطيب هوائها، مما يجعلها منتجعاً صيفياً لسكان المنخفضات والسهول يزيد في دخل السكان (رَ: السياحة). أما طرق المواصلات في جبال الجليل فتقتصر على طرق السيارات (رَ: الطرق). وهي تسير متفقة مع محاور التضاريس الرئيسة. فهناك محور شمالي جنوبي محاذي لسفوح وأطراف الجليل في الشرق، أي محاذي لوادي غور الأردن، وآخر محاذ له يبدأ في الشمال من الحدود الفلسطينية – اللبنانية مخترقاً الجليلين ومارا بحطين* وجبل طابور حتى العفولة في سهل مرج ابن عامر. وتتقاطع مع المحاور المذكورة محاور طرقات ذات اتجاه شرقي غربي، وهي أكثر عدداً وأجود نوعاً، وتمر عبر السهول والمنخفضات والأودية لتصل بين الساحل في الغرب وسهل الحولة وحوض بحيرة طبرية وغور الأردن في الشرق. المراجع:   –         محسن الأمين: خطط جبل عامل، بيروت 1961. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج6، ق1، وج2، ق1، بيروت 1974. –         العهد الجديد: انجيل متى، انجيل لوقا، انجيل يوحنا. –         العهد القديم: سفر العدد، سفر الملوك الثاني. –         المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن 1877. –         فيليب حتى: لبنان في التاريخ (مترجم)، بيروت 1959. –        Beals, R. and Hoijar, H.: An Introduction to Anthropology, New York 1971. –        Chard, C.: Man in Prehistory, New York 1969. –        De Vaux, R.: Ancient Israel, Its Life and Institutions, London 1961. –        Fitzgerald, G.: Ancient Earliest Pottery of Beth-Shan, The Museum University of Pennsylvania, XXIV, 1935. –        Garrod, D. and Bate, D.: The Stone Age of Mount Carmel, Oxford 1937. –        Gordon, C.: The Ancient Near East, New York 1965. –        The Interpreter’s Dictionary of the Bible, E-J, New York 1962. –        Kohler, H.: Rome and Her Empire, London 1963. –        Neuville, R.: Jabal Qafze: The Quaterly of the Department of Antiquities in Palestine, Vol. IV, 1934. –        Rowe, A.: The Topography and History of Beth-Sahn, Philadelphia 1936. –        Smith, G.: The Historical Geography of the Holy Land, London 1896. –        Truville-Petre: Researches in Prehistoire Galilee, London 1927. الجليل (قوات-): رَ: طلائع حرب التحرير الشعبية