مؤتمر مدريد للسلام/ 1991

عقد “مؤتمر السلام في الشرق الأوسط” في العاصمة الاسبانية مدريد، في 30 تشرين أول / أكتوبر 1991، بعد أشهر قليلة من أنتهاء حرب الخليج الثانية، إلا أن فكرة عقد المؤتمر، جاءت بعد خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش، أمام الكونجرس الأمريكي، في 6 آذار/ مارس 1991، حيث قال “آن الآوان لانهاء النزاع في الشرق الأوسط على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، ومبدأ الانسحاب مقابل السلام، الذي ينبغي أن يوفر الأمن والاعتراف بإسرائيل واحترام الحقوق المشروعة للفلسطينيين”. وطلب الرئيس الأمريكي من وزير خارجيته جيمس بيكر، القيام بالاتصالات مع العواصم العربية وتل أبيب، والاتحاد السوفييتي والاتحاد الأوروبي، تمهيدا لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، على أرضية المبادرة الأمريكية التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي بوش في خطابه. البيئة الدولية والاقليمية لمفاوضات مدريد كانت  فكرة إجراء مفاوضات بين الدول العربية و(إسرائيل) مرفوضة لفترة طويلة، من الجانب العربي، في الوقت الذي كانت فيه أحد المطالب الرئيسة لإسرائيل. واكبر مثال على ذلك اللاآت الثلاثة (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف)، التي وافق عليها مؤتمر القمة العربي الرابع المنعقد في الخرطوم 29/8- 1/9 بعد أشهر على حرب حزيران 1967. ولكن حدثت تطورات دولية واقليمية اسهمت في خلق بيئة مواتية للبدء في هذه المفاوضات، مثل الأوضاع الدولية الجديدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وحرب الخليج الثانية، والانقسام العربي، والضغوطات الأمريكية. أ- الأوضاع الدولية: فقدت الدول العربية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي، الخليف الرئيسي الذي كانت تعتمد عليه في المحاف الدولية وفي الحصول على السلاح واتجهت روسيا الاتحادية،نحو تطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة، الحليف الكبير (لإسرائيل). مما أثر على الدول العربية التي لم تعد تستطيع أن تحدث سلاحها، بعكس (إسرائيل) التي حافظت على مستوى تسليحها بأحدث الأسلحة الغربية. وأسهم انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، في إعادة صياغة جديدة للنظام العالمي الجديد، مما أفقد الدول العربية الدور الذي كانت تستطيع أن تقوم به خلال الحرب الباردة، والاستفادة من التناقضات بين المعسكرين المتصارعين. وفي ضوء إعادة بناء خريطة التحالفات الدولية، وجدت الدول العربية نفسها مجبورة على التحرك باتجاه عدم الظهور بمظهر المعادي للمعسكر الغربي، حتى لا تظهر (إسرائيل) بمظهر الصديق الوحيد في المنطقة للدول الغربية، وبالذات للولايات المتحدة. كما خلق الانفراج الدولي الذي حدث بعد انتهاء الحرب الباردة، مناخاً سياسياً جديداً في العلاقت الدولية، من حيث التوجه نحو حل الخلافات بين الدول المتصارعة عن طريق طاولة المفاوضات وليس عن طريق الحرب. مما اثر على موقف الدول العربية التي كانت ترفض في السنوات السابقة، التفاوض بشكل مباشر مع (إسرائيل)، وبدأت تغير موقفها باتجاه الموافقة على التفاوض. ب- حرب الخليج الثانية: أحدثت حرب الخليج الثانية في عام 1991، انقسماً حاداً في الساحة العربية، وأثر على التأييد الجماهيري في الأقطار العربية للقضايا العربي المصيرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بعد أن انقسم الشارع العربي بين مؤيد ومعارض لما حدث. وأثر ضرب قوات التحالف الغربي للعراق وتسير قوته العسكرية التي كان يحسب لها الحساب الكبير في أي مواجهة عربية مع (إسرائيل)، وعمق العراق الاستراتيجي، على القوة العربية العسكرية ضد (إسرائيل). وهذا يعني أن الخيار العسكري أصبح مستبعداً عند الجانب العربي، وزاد في المقابل الخيار التفاوضي السلمي مع (إسرائيل) لحل الصراع العربي – الصهيوني. كما أن تدمير القوات العسكرية العراقية خلال الحرب وبعدها، حسب قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالعراق والحصار الجائر المفروض عليه، قد أسهم في إزالة الحجج الإسرائيلية نحو رفض (إسرائيل) الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، بحجة الخوف من الخطر العراقي على الأمن الإسرائيلي. إن اصرار الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، على تطبيق العراق للقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، قد أحرجها لأن (إسرائيل) لم تطبق القرارات الدولية المتعلقة بانسحابها من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، وبدأت الأصوات تعلو في الدول العربية باتهمام المنظمة الدولية والدول الغربية بأنهم يكيلون بمكيالين مع القرارات الدولية التي تتعامل مع العراق و(إسرائيل)، وتطالب بالضغط الدولي على (إسرائيل) لتنفيذ القرارات الدولية أيضاً. وهذا الأمر أحرج الولايات المتحدة مع حلفائها، وجعلها تعمل على عقد المؤتمر الدولي. ج- الموقف العربي: بعد خروج مصر من مساحة المواجهة مع (إسرائيل) نتيجة التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة التسوية مع (إسرائيل) في عام 1979، وبعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان بعد غزو القوات الإسرائيلية لبيروت في عام 1982، بدأ الخطاب السياسي العربي وكذلك الفلسطيني يتغير في سياسته نحو (إسرائيل). وبدأ يقترب أكثر باتجاه التفاوض والبحث عن حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي. وبدلاً من اللاآت الثلاثة لقمة الخرطوم الرافضة للتفاوض، وافقت القمة العربية في مؤتمر فاس عام 1982 على مشروع سلام عربي، (مشروع الأمير فهد) يدعو إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة مقابل الاعتراف العربي (بإسرائيل). وكذلك الأمر بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي بدأت تدعو إلى الاعتراف المتبادل، ونبذ العنف. وتوجت تلك المواقف باعلان المنظمة مبادرة التسوية الفلسطينية خلال انعقاد دورة المجلس الوطني الفلسطيني التاسعة عشر في الجزائر عام 1988، التي أسفرت عن اعلان دولة فلسطين مقابل الموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي 242، والاعتراف (بإسرائيل). بدأت بعض الدول العربية ومنظمة التحرير، تعلن عن استعدادها للمشاركة في مؤتمر دولي والتفاوض مع (إسرائيل) من أجل انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة، مقابل اعتراف عربي (بإسرائيل). وهو ما كانت الولايات المتحدة قد أعلنته في مبادرة بيكر من قبل، وكذلك ما جاء في خطاب الرئيس الأمريكي بوش بعد حرب الخليج، أي الأرض مقابل السلام مما مهد الطريق أمام المفاوضات التي انعقدت في مؤتمر مدريد. د- الضغوط الأمريكية: بعد حرب الخليج الثانية التي تزعمتها الولايات المتحدة ضد العراق، بدأ الرئيس الأمريكي جورج بوش، التحرك في الشرق الأوسط من أجل ايجاد حل سلمي للصراع العربي – الصهيوني. خاصة وان العراق كان قد ربط خلال الحرب، بين الانسحاب من الكويت مع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة. وأعلن الرئيس الأمريكي عن مبادرة جديدة في الشرق الأوسط، وبدأ وزير الخارجية بيكر، جولات في الشرق الأوسط لتذليل العقبات أمام نجاح المبادرة الأمريكية، ومن أجل ذلك، مارست الإدارة الأمريكية ضغوطات كبيرة على الدول العربية و(إسرائيل) من أجل عقد مؤتمر دولي في مدريد. إلا أنه بعد أكثر من ثمانية أشهر على التحركات الأمريكية، لم ينجح الوزير الأمريكي في مهمته، بسبب التعنت الإسرائيلي، وليس الرفض العربي. ولكن حزم الرئيس بوش وتصميم الوزير بيكر، كانا وراء نجاح المبادرة الأمريكية، بعقد مؤتمر مدريد، وذلك بعد تهديد الإدارة الأمريكية بوقف إعطاء ضمانات بنكية أمريكية (لإسرائيل) بقيمة عشرة مليارات دولار مما دفع حكومة الليكود الإسرائيلية برئاسة اسحق شامير للموافقة على عقد المؤتمر الدولي، بعد أن فرضت عدة شروط قبل الموافقة النهائية، سنأتي على ذكرها لاحقاً. انعقاد مؤتمر مدريد: لم يكن الطريق لانعقاد مؤتمر مدريد سهلاً، بسبب تعنت (إسرائيل) ورفضها مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في المؤتمر، وشروطها التعجيزية من أجل حضور المؤتمر، والرفض الفلسطيني والعربي لوجهة النظر الإسرائيلية. إلا أن اصرار الولايات المتحدة على عقده، كان أحد الأسباب الرئيسية في انعقاده. كان الموقف الفلسطيني من المفاوضات، قد عبر عنه المجلس الوطني الفلسطيني في بيانه الخامس الصادر عن دورة انعقاده العشرين التي انعقدت في الجزائر في 28/9/1991، والذي أيده 256 عضو و عارضه 68 عضواً وامتنع عن التصويت 12 عضواً، وجاء فيه: الموافقة على المشاركة في المؤتمر الدولي بشرط أن ينعقد على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 ، أي الأرض مقابل السلام. أن يعرف المؤتمر بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وحقه في تقرير المصير والاستقلال والسيادة، وحق اللاجئين في العودة. أن تتعهد (إسرائيل) بالانسحاب من القدس الشرقية. أن توقف (إسرائيل) إنشاء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية. أن يعطى لمنظمة النحرير الحق في تعيين أسماء الوفد الفلسطيني المفاوض. وأما الموقف الإسرائيلي فقد ركز على النقاط التالية: أن يؤدي المؤتمر إلى عقد مفاوضات مباشرة ثنائية بين (إسرائيل) والدول العربية. أن لا تؤدي عملية التسوية إلى قيام دولة فلسطينية، وأن يكون الوفد الفلسطيني من شخصيات من سكان الضفة الغربية وغزة، وأن توافق (إسرائيل) على أسماء الوفد الفلسطيني، وعدم مشاركة فلسطينيين من القدس الشرقية. ترفض (إسرائيل) أي حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية. أن يكون قرار مجلس الأمن الدولي 242 هو أساس التفاوض. أن تكون المرحلة الأولى من المفاوضات مع الفلسطينيين، على أساس الحكم الذاتي، وبعد ثلاث سنوات تبدأ مفاوضات نهائية حول الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة. أن يعيد الاتحاد السوفيتي علاقاته الدبلوماسية المقطوعة منذ عام 1967 مع (إسرائيل). وافقت الولايات المتحدة في نهاية اتصالاتها على إرسال رسائل تعليمات للجانبين الإسرائيلي والفلسطيني قبل انعقاد المؤتمر، على أساس التعهدات التالية: التسوية يجب أن تكون على أساس قراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338، ومبدأ الأرض مقابل السلام. الهدف الأساسي من المفاوضات هو ارساء سلام حقيقي وتوقيع اتفاق سلام وإقامة علاقات دبلوماسية بين (إسرائيل) والدول العربية. المفاوضات بين الأطراف سوف تكون مباشرة. أي طرف لن يجبر على التفاوض مع من لا يرغب في التفاوض معه. الولايات المتحدة لا تؤيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة. الولايات المتحدة لا تؤيد الربط بين المفاوضات في المسارات المختلفة، تتم المفاوضات بسرعة من أجل التوصل إلى اتفاقيات. تؤيد مشاركة الفلسطينيين في المؤتمر عن طريق وفد أردني – فلسطيني مشترك، بشرط أن يكون الفلسطينيون من الداخل. استطاع بيكر أن يقرب من وجهات نظر الأطراف المتنازعة، فعقد المؤتمر الدولي بحضور الرئيس الأمريكي جورج بوش والسوفيتي ميخائيل غورباتشوف، ووفد أردني – فلسطيني مشترك برئاسة وزير الخارجية الأردني كامل أبو جابر والفلسطيني د. حيدر عبد الشافي، ووزراء خارجية كل من مصر وسوريا ولبنان، و(إسرائيل) برئاسة رئيس الوزراء اسحق شامير (ومع أن الدعوة الأمريكية والسوفيتية وجهت لوزراء خارجية الدول لحضور مؤتمر مدريد، إلا أن شامير أصر على حضور المؤتمر بدلاً من وزير خارجيته ديفيد ليفي) وشاركت وفود من مصر ودول الخليج العربي والمغرب العربي والاتحاد الاوروبي، وشهد المؤتمر حضوراً إعلامياً كبيراً. افتتح المؤتمر بخطاب ترحيبي من رئيس الوزراء الاسباني فيليب غونزاليس، قال فيه “إن العالم كله سوف ينصت إلى ما يدور الحديث عنه هنا، وما يتم ايداؤه من إرادة. ونحن مدركون تعقيدات العملية لكننا كاسبان نعرف أن التعاون بين الثقافات وتوحيد الجهود الجماعية، يمكن أن يولدا تعاشياً سلمياً. فالسلام هو الشرط الأساسي”. وحدد الرئيس الأمريكي بوش ، في خطابه الذي ألقاه في الافتتاح أهداف المؤتمر بقوله “نجيء إلى مدريد بمهمة أمل لبدء العمل من أجل حل عادل ودائم وشامل للصراع في الشرق الأوسط. لقد جئنا هنا سعياً لاحلال السلام في منطقة من العالم ظلت طويلاً في ذاكرة البشرية، عنواناً لكثير من الكراهية والمعاناة والحرب. يجب أن يكون هدفناً واضحاً ومحدداً، فهو ليس انهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط فحسب وايدالها بحال عدم الاعتناء، ان هذا ليس كافياً ولن يدوم. لكننا نسعى للسلام، السلام الحقيقي واعني بالسلام الحقيقي المعاهدات والأمن والعلاقات الدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية والتجارة والاستثمار والتبادل الثقافي وحتى السياحة، وما نعمل من أجله هو شرق أوسط لا تكرس موارده الضخمة للتسلح. شرق أوسط لا يكرس شبابه حياتهم – وغالباً ما يمنحونها معظم الوقت – القتال. شرق أوسط لا يكون ضحية للخوف والارهاب، شرق أوسط يعيش فيه رجال ونساء عاديون حياة عادية”. وعن تصوره لطبيعة المفاوضات، قال بوش “ما نتصوره هو عملية مفاوضات مباشرة تتقدم في مسارين: أحدها بين (إسرائيل) والدول العربية، والثاني بين (إسرائيل) والفلسطينيين. ويجب أن تجري المفاوضات على أساس قراري بمجلس الأمن الدولي 242 و338”. وطالب أن تحقق المفاوضات شبئا مقبولا للفلسطينيين والاسرائيليين والأردن “ويمنح الشعب الفلسطيني سيطرة ذات معنى على حياته وبصيره ويوفر الأمن (لإسرائيل) والقبول بها”. وقال انه من دون عدل لن تكون هناك شرعية ولا استقرار. وعن المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، قال “تبدأ بمناقشات حول الترتيبات لحكم ذاتي مؤقت، يستمر لخمس سنوات اذا تم الاتفاق. وابتداء من السنة الثالثة، ستبدأ المفاوضات على الوضع النهائي”. وألقى الرئيس السوفيتي غورباتشوف، كلمة وصف فيها الصراع في الشرق الأوسط بأنه من أقدم الصراعات في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، مما يجعل وجود أسباب “قوية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وعلينا أن ننظر إلى النتيجة التي خرجنا بها من حرب الخليج، فإن مشاركتنا قد قامت على الرغبة في أن نحقق هذا السلام من الداخل وليس من خارج المنطقة”. واعترف بأن المؤتمر الدولي لن يحقق أي نجاح، اذا “حاول كل شخص أن يحقق مكاسب على حساب الآخر. ويجب أن ننظر اليه كعملية التغلب على الماضي، وخلق سلام دائم يقوم على أساس احترام الشعب الفلسطيني وحقوقه”. وتحدث وزير خارجية هولندا، هانس فان دن بروك، في المؤتمر الدولي، باسم دول المجموعة الأوروبية الاثنتي عشرة، وأكد على ضرورة أن تكون المبادى التي توجه المفاوضات مبنية على قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، والأرض مقابل السلام، والحدود الآآمنة والمعترف بها، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. كما طالب بتجميد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبإنهاء المقاطعة العربية (لإسرائيل) وعن الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة قال الوزير الهولندي “من المهم أن يتحلى الطرفان الآن بضبط النفس، وأن تمثل (إسرائيل) لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، ونحن نتطلع الى تحسن ملموس في الوضع السائد في الأراضي المحتلة، وذلك حتى قبل تنفيذ الترتيبات المؤقتة أو غيرها من الترتيبات”. وطالب بانشاء شبكة من المصالح الاقتصادية المتبادلة بين الدول العربية و(إسرائيل) وتوثيق التعاون مع المجموعة الأوروبية. وقال وزير خارجية مصر عمرو موسى في خطابه “إن العرب لم يأتوا للتنازل عن حقوقهم التي حظيت بالقبول والاقرار والتأييد في ظل قواعد القانون الدولي ومبادىء العدالة وميثاق الامم المتحدة وقراراتها والاجماع الدولي. ولا هم أتوا للتخلص من التزاماتهم طبقا لنفس هذه القواعد والمبادىء، وأنما أتوا ليبحثوا وبالنوايا الحسنة والثقة المتبادلة عن أرضية مشتركة وعن صياغات مقبولة تستجيب للشواغل وتوفق بين مختلف المطالب”. وطالب أن يجري التعامل مع الفلسطينيين على أساس أنهم أمة “الشعب الفلسطيني ليس مجرد سكان أو قاطنين في أراض مفتوحة، بل شعب له تاريخ وحضارة، وشخصية قومية بسبب اتخاذهم القرار الصعب والشجاع، وهو قرار قبول خيار السلام، وعن تصور مصر للسلام قال موسى “إن السلام الذي نسعى لارساله وتعزيزه وضمانه، لا بد وأن يؤسس على صيغة الأرض مقابل السلام، الذي تمثل في قرار مجلس الأمن 242 الذي أكد دون لبس. المبدأ الراسخ في ميثاق الأمم المتحدة بعدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، وضمان حق كل الدول في العيش في أمن وسلام” وطالب بانسحاب (إسرائيل) الكامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية. وتكلم شامير في اليوم التالي للمؤتمر، واقترح على العرب (السلام مقابل السلام) بدلاً من ( الأرض مقابل السلام). وتجاهل في خطابه، قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 وكذلك المستوطنات. وكان خطابه تاريخياً – أيديولوجيا أكثر منه دعوة للسلام مع العرب. واستغل شامير المؤتمر الدولي لكي يظهر (إسرائيل) بأنها دولة مهددة من الدول العربية “اننا نعد أربعة ملايين، وتعد الدول العربية من المحيط الأطلسي حتى الخليج 170 مليوناً. ونحن نسيطر على ثمانية وعشرين ألف كيلومتر مربع فقط، بينما يسيطر العرب على مناطق تبلغ مساحتها 14 مليون كيلو متر مربع”. وادعى أن الصراع في الشرق الأوسط ليس صراعاً من أجل الأرض، بل هو “قضية وجودنا، وسيكون من المؤسف أن تتركز المحادثات أولاً وقبل كل شيء على الأرض، وتجاهل شامل الأسباب الرئيسية للصراع العربي – الصهيوني، وهي قضية الشعب الفلسطيني، بل انه تحاشى ذكر الفلسطينيين بالاسم، وركز على أساس أن الصراع بين الدول العربية وبين (إسرائيل). وطالب المؤتمر بالدعوة “إلى نبذ الجهاد ضد (إسرائيل)، ندعوكم إلى إدانة ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية الذي يدعو إلى القضاء على (إسرائيل). اننا ندعوكم إلى إدانة التصريحات التي تدعو إلى القضاء على (إسرائيل). وتلاه وزير الخارجية الأردني د.كامل أبو جابر، الذي ركز على أهمية السلام، انطلاقاً من القرارات الدولية بخصوص أزمة الشرق الأوسط واحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وعدد في كلمته الثوابت الأردنية للسلام والتي تتفق مع المواقف العربية المعلنة في القمة العربية في فاس عام 1982. وذكر بأن “الأردن لم يكن يوماً فلسطين ولن يكون كذلك” إلا أنه قال بأن” قضيتنا وقضية اخواننا الفلسطينيين قضيتان مترابطتان بحكم أواصر التاريخ والتراث والدين واللغة والديمغرافيا والجغرافيا. مثلما هما متسابكتان بالمعاناة الانسانية والأماني القومية” وشدد الوزير الأردني على أن تستند المفاوضات على قراري مجلس الأمن الدوليين 242 و338، وعلى مبدأ عدم جواز احتلال أراضي الغير بالحرب. وألقى رئيس الوفد الفلسطيني  د. حيدر عبد الشافي كلمة فلسطين، تحدث فيها عن معاناة الشعب الفلسطيني منذ الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. وقال “على مدار هذا القرن وقع شعبنا ضحية لأسطورة تقول: “هناك أرض بلا شعب” ووصفنا بكل صلافة، أننا “الفلسطينيون المرئيين” ولكننا وقبل هذا العمى المتعمد، رفضنا أن نختفي، ورفضنا تشوية هويتنا وجاءت الانتفاضة شهادة على صمودنا وتصميمنا” واستعرض عبد الشافي تطورات القضية الفلسطينية، وقال “إنا نرفع الشعب الفلسطيني واحد صهره العيش قرونا من التاريخ على أرض فلسطين وتشده معا ذاكرة جماعية من الأحزان والأفراح المشتركة، وتجمعه وحدة الهدف والرؤية”. وانتقد بشكل غير مباشر الدعوة التي وجهت للفلسطينيين المشاركة في المؤتمر لأنها استبعدت جزءا من الفلسطينيين الموجودين خارج فلسطين على الرغم من وحدة الشعب الفلسطيني الوطنية” لقد جئنا إلى هنا بعد أن  تم فصلنا قسرا عن أوخوتنا وأخواتنا في المنفى والشتات، لنقف أمامكم نحن الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال، الا أننا نؤكد أن كل واحد منا يمثل حقوق ومصالح كل شعبنا. وبالرغم من حرماننا من حقنا في الاعلان عن ولائنا لقيادتنا ونظام حكومتنا، على أن الولاء والانتماء لا يمكن  لرقابة الرقيب أن تشطبه أو تقطع أواصره. ان قيادتنا المعترف بها هي أكثر من كونها القيادة التي اخترها  ديمقراطيا كل شعبنا، انها رمز هويتنا ووحدتنا الوطنية، انها الوصية على ماضينا وحامية حاضرنا ومستقبانا”. وتحدث رئيس الوفد الفلسطيني عن قضية القدس وأهميتها للفلسطينيين والعرب والمسلمين. وطالب بأن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة. ودعا (إسرائيل) إلى وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإلى وقف الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. ثم خاطب الإسرائيليين قائلاً “نحن مستعدون للعيش جنبا إلى جنب على هذه الأرض ولمستقبل واعد”. وتحدث عن مبادرة السلام الفلسطينية لعام 1988 التي طالبت بحل القضية الفلسطينية عن طريق إنشاء دولتين (إسرائيل) وفلسطين، وحل قضية اللاجئين ومسألة القدس وايقاف بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي، لأنه “لا يمكن تصور اجراء محادثات للسلام فيما الأراضي الفلسطينية مصادرة، ووضع الأراضي المحتلة تقرره الجرافات الإسرائيلية والأسلاك الشائكة”. وقال عبد الشافي، أن الفلسطينيون مستعدون للقبول بالمرحلة الانتقالية شرط ألا تتحول الترتيبات المؤقتة إلى وضع دائم ودعا إلى وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت الوصاية الدولية، في انتظار الحل النهائي. ورفض وزير الخارجية اللبناني فارس بويز في كلمته، الربط بين القرار 425 الخاص بلبنان، وبين القرارين 242 و338 المتعلقين بالأراضي العربية المحتلة في حرب 1967. كما طالب بانسحاب (إسرائيل) الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وحذر من كل محاولة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وأعلن الوزير اللبناني تضامن بلاده مع الموقف العربي الرامي إلى تنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338, واعترف بأن “القضية الفلسطينية هي لب النزاع في الشرق الأوسط، فحلها حلاً عادلاً وشاملاً من شأنه أن يسمح لهذه المنطقة أن تنعم بما تستأهله من استقرار وأمن وطمأنينة”. وطالب وزير خارجية سوريا فاروق الشرع في كلمته أمام المؤتمر من (إسرائيل) الانسحاب من كل شبر من الأراضي العربية المحتلة، واحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتحرير القدس العربية ووقف بناء المستوطنات، وقال “إن تشريد ملايين العرب من فلسطينيين وسوريون ولبنانيين خارج ديارهم ما كان لبحث لو كانت توجهات السياسة الاسرائيلية منذ عام 1948 انسانية ولما كانوا حرموا من حق العودة اليها حتى يومنا هذا. ولو لم تكن سياسات (إسرائيل) استعمارية استيطانية لما حرم الفلسطينيون الرازحون تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 من جميع حقوقهم الأساسية وفي مقدمتها حقهم في تقرير المصير”. وانتقد الوزير السوري سياسة (إسرائيل) العدوانية تجاه العرب، وطالبها بوقف عدوانها اذا ارادت أن تحقق السلام مع الدول العربية. برزت عقبتان في وجه المؤتمر بسبب اصرار (إسرائيل) على اجراء المفاوضات الثنائة بالتناوب في (إسرائيل) والدول العربية، أو في منطقة الشرق الأوسط، بينما طالت الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية على اجرائها في مدريد أما العقبة الثانية فقد كانت بسبب طلب الجانب السوري أن يحضر مندوبون أمريكيون وسوفيات المحادثات السورية – الإسرائيلية، بينما رفضت (إسرائيل) ذلك. وتم الاتفاق في النهاية، أن تعقد الجولة الثانية من المفاوضات في العاصمة الأمريكية واشنطن. وحددت بعد أسبةعين للبدء في المفاوضات، الا أن الخلافات بين الأطراف المتصارعة سرعان ما ظهرت من جديد، مما أجل عودة المفاوضات في واشنطن إلى 10/12/1991، حيث عقدت الجولة الثانية من المفاوضات الثنائية التي استمرت اسبوعا بين (إسرائيل) ووفد أردني – فلسطيني مشترك، وبين (إسرائيل) وكل من سوريا ولبنان. وكانت مفاوضات اجرائية أكثر منها سياسية، فقد رفضت (إسرائيل) التفاوض مع وفد فلسطيني مستقل عن الوفد الأردني. وعقدت الجولة الثالثة من المفاوضات في واشنطن في الفترة ما بين 13-16/1/1992، وهيمن عليها قضايا الاستيطان الإسرائيلي في سلوان بالقرب من القدس، وطرد 12 فلسطينياً، إلى أن تم التوصل إلى الاتفاق على أن تصبح المفاوضات على مسارين: المسار الفلسطيني – الإسرائيلي، ويكون الوفد مكونا من 9 أشخاص فلسطينيين وأردنيين (أغلبية أردنية) برئاسة د. عبد السلام المجالي. وقدم الجانب الفلسطيني في المفاوضات، مسودة جدول أعمال تتعلق بالمنظور الفلسطيني للحكومة الذاتية خلال الفترة الانتقالية. ومن جهة ثانية، عقدت في موسكو، الجولة الأولى من المحادثات المتعددة الأطراف في 28/1/1992، وقاطعتها سوريا ولبنان، وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية، على الرغم من وجود الوفد الفلسطيني في موسكو، وذلك بسبب عدم احراز أي تقدم في المحادثات الثنائية في واشنطن. وشكلت في اجتمعات موسكو خمس لجان هي: * لجنة البيئة ومنسقها اليابان. * لجنة الأمن ومراقبة التسلح ومنسقها الولايات المتحدة وروسيا. * لجنة اللاجئين ومنسقها كندا. * لجنة التنمية الاقتصادية ومنسقها الاتحاد الأوروبي. * لجنة المياه ومنسقها الولايات المتحدة. واتفق على أن تدير هذه اللجان الخمس لجنة التوجيه برئاسة الولايات المتحدة. وعقدت الجولة الرابعة من المفاوضات في واشنطن في الفترة ما بين 24/2/1992، تم فيها تبادل وثيقتين رسميتين، احداهما فلسطينية بعنوان (خطة موسعة: ترتيبات فترة الحكومة الذاتية الانتقالية، تصورات اجراءات تمهيدية وكيفية الانتخابات). شدد فيها الجانب الفلسطيني على ضرورة أن يكون قرار مجلس الأمن الدولي 242 هو المرجعية الرئيسية للمفاوضات وأن تطون سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية في الفترة الانتقالية، طورا مرحليا على طريق تطبيق القرار الدولي تطبيقا كاملا، وممارسة  الشعب الفلسطيني الحق في تقرير المصير.والوثيقة الثانية إسرائيلية، بعنوان (افكار من أجل التعايش السلمي في الأراضي خلال الفترة الانتقالية). وعقدت الجولة الخامسة من مفاوضات واشنطن في الفترة ما بين 27/2 -3/4/1992، قدم فيها الوفد الاسرائيلي اقتراحا للوفد الفلسطيني باجراء انتخابات بلدية في الأراضي الفلسطينية، وقدم الوفد الفلسطيني اقتراحا بالغاء الأمر العسكري الاسرائيلي رقم 291، الصادر في عام 1968، الذي علقت بمقتضاه عمليات تسجيل العقارات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعقدت الجولة السادسة من المفاوضات في العاصمة الأمريكية في الفترة ما بين 24/8- 24/9/1992، بعد وصول اسحق رابين لرئاسة الحكومة الإسرائيلية خلفا لشامير. وقدم الجانب الاسرائيلي وثيقة جديدة بعنوان (المجلس الإداري لترتيبات الحكومة الذاتية الانتقالية: نظرة عامة) لم تختلف في مضمونها عن مضمون الوثيقة التي قدمتها حكومة شامير في الجولة الخامسة. ولهذا فقد رفضها الوفد الفلسطيني، وأصر على أن يكون قرار مجلس الأمن الدولي 242، هو المرجعية الأساسية لمفاوضات الوضع النهائي والفترة الانتقالية. وفي الجولة السابعة التي انعقدت في واشنطن في الفترة ما بين 21/10-30/11/ 1992، أصر الجانب الفلسطيني على الحصول على تعليمات اسرائيلية في شأن تنفيذ القرار رقم 242، ولكن الوفد الاسرائيلي طالب ببدء المفاوضات في شأن تريبات الحكم الذاتي فقط، من دون البحث في الوضع النهائي للضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. وقدم الوفد الإسرائيلي في الجولة الثامنة والأخيرة، التي انعقدت في واشنطن في الفترة ما بين 7-17/12/1992، وثيقة جديدة بعنوان (توليف غير رسمي بالأفكار الإسرائيلية في شأن تصور ترتيبات فترة الحكومة الذاتية الانتقالية)، رفضها الوفد الفلسطيني لأنها بحثت في الفترة الانتقالية والحكم الذاتي الانتقالي، ولم تتطرق لمصير الأراضي الفلسطينية في المرحلة النهائية. ولم تحرز مفاوضات واشنطن التي استمرت عامين، أي تقدم، الا أن الوفد الفلسطيني استطاع أن يستقل في مفاوضاته مع الاسرائيليين عن مظلة الوفد الأردني. وبينما كانت المفاوضات جارية في واشنطن جرت اتصالات سرية عبر قناة أوسلو في النرويج بين المنظم وشخصيات اسرائيلية رسمية، اسفرت عن توقيع اتفاقية أوسلو* في البيت الأبيض في 13/9/1993.   المراجع:   خليل حسين: المفاوضات العربية – الإسرائيلية، (وقائع ووثائق) بيروت، بيسان للنشر والتوزيع ، 1993. عمر مصالحة: السلام الموعود، الفلسطينيون من النزاع إلى التسوية، بيروت، دار الساقي، 1994. محمد حسنين هيكل: سلام الأوهام، أوسلو – ما قبلها وما بعدها، الكتاب الثالث، القاهرة، دار الشروق، 1996. مجلة الدراسات الفلسطينية، وثائق مؤتمر مدريد، العدد 8، خريف 1991، بيروت، مركز الدراسات الفلسطينية، ص 185.