لندن

خلال الحرب العالمية الثانية اشتد الصراع العربي- الصهيوني حول مستقبل فلسطين وكلف كل من الطرفين جهوده السياسية لتغليب وجهة نظره فالعرب، ممثلين بحكوماتهمم وهيآتهم، طالبوا بريطانيا بالوفاء بوعودها التي وردت في الكتاب الأبيض لعام 1939 (رَ: ماكدونالد – كتاب – الأبيض ) وأكدت وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين والسير في إنشاء دولة فلسطينية مستقلة. وأما الصهيونيون، ممثلين بهيئاتهم وأنصارهم، فقد بذلوا جهود كبيرة تحمل بريطانيا على إلغاء الكتاب الأبيض وفتح أبواب الهجرة أمام اليهود الراغبين في استعمار فلسطين لتسهيل إنشاء الدولة اليهودية فيها. وامتد نشاط اليهود إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتمكن الزعماء الصهيونيون وأنصارهم من الوصول إلى الرئيس ترومان الذي بذل جهده في تأييد مطالبهم بعامة ومطلبهم العاجل بفتح باب الهجرة إلى فلسطين بخاصة. وقد امتثلت حكومة بريطانيا للنفوذ الأمريكي فوافقت على تأليف لجنة تحقيق أمريكية – إنكليزية مشتركة رغم احتجاج العرب العارم عليها. وجاء تقرير اللجنة متحيزاً لليهود (رَ: الانكلو أمريكية، لجنة التحقيق) فقد أوصت في تقريرها بالسماح بدخول مئة ألف يهودي إلى فلسطين فوراً، وبفتح باب الهجرة إليها وتسهيلها، وبعدم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وأخيراً بإبقاء فلسطين تحت الوصاية أمداً طويلاً. وقد احتج العرب بغضب على نتائج تقرير اللجنة وأثاروا السلطات البريطانية بالثورة ما لم تلتزم بالوفاء بوعودها وتبدأ المفاوضات لوضع تفصيلات تنفيذ هذه الوعود. ولامتصاص هذه النقمة العربية الجارفة جنحت بريطانيا لمسايرة العرب وقررت دعوتهم هم واليهود إلى مؤتمر في لندن. انعقد مؤتمر لندن في دورتين استمرت أولاهما من 10/9/1946 إلى 2/10/1946، واستمرت الثانية من 26/1/1947 إلى أواسط شباط من السنة نفسها. وكان المؤتمر في دورته الأولى ثنائي الاجتماعات، أي كان عربياً – انكليزياً ويهودياً – انكليزياً، لأن العرب رفضوا أن يكون ثلاثياً يضم العرب والانكليز واليهود معاً. وقد مثلت العرب في هذه الدورة وفود من دول جامعة الدول العربية (سورية، ولبنان، ومصر، والعراق، والأردن، والسعودية، واليمن). ولم توجه دعوة إلى الهيئة العربية العليا لفلسطين*، وبالتالي لم تكن فلسطين بحد ذاتها ممثلة في المؤتمر. وأما اليهود فمثلهم وفد من الوكالة اليهودية*. وفي هذا الاغفال للفلسطينيين والاهتمام باليهود ما فيه من مدلولات سياسية تنسجم مع موقف السلطات البريطانية من مطالب الفريقين بدءاً بصك الانتداب*. افتتح “اتلي” رئيس الوزراء البريطاني هذه الدورة وتقدم بمشروع عرف بمشروع موريسون*نسبة الى نائبه. ويقوم المشروع على الأسس التالية: 1) تقسيم فلسطين إلى منطقة عربية ومنطقة يهودية. وأما منطقة النقب* ومنطقة القدس (التي تشمل مدينتي القدس* وبيت لحم* وما يتبعهما) فلهما وضع قانوني خاص. 2) يكون لكل من المنطقتين العربية واليهودية حكومة محلية لها سلطتا الإدارة والتشريع في الأمور المحلية البحتة. ويكون لكل منهما مجلس تشريعي، كما تكون الهجرة منوطة بحكومتهما. 3) تكون حكومة مركزية لفلسطين برمتها تختص بالدفاع والشؤون الخارجية والجمارك، وذلك برئاسة مندوب سام بريطاني يعاونه مجلس تشريعي ومجلس تنفيذي. 4) يكون لمنطقة القدس مجلس بلدي ينتخب قسم من أعضائه ويعين المندوب السامي القسم الآخر. 5) أما منطقة النقب فتبقى تحت إدارة الحكومة الحكومة المركزية وحدها. رفض العرب واليهود معاً مشروع موريسون هذا، وتقدم كل منهما بمشروع بديل. فأما المشروع العربي فيمكن إجمال أسسه في الآتي: 1) إنهاء الانتداب وإعلان فلسطين دولة واحدة ديمقراطية بموجب دستور تضعه جمعية تأسيسية. 2) إنشاء حكومة انتقالية فوراً برئاسة المندوب السامي لتضم سبعة وزراء عرب وثلاثة وزراء يهود لتنفيذ ذلك. 3) وقف الهجرة اليهودية فوراً وترك أمرها مستقبلاً للحكومة الفلسطينية المقبلة. 4) وضع ضمانات دستورية الحقوق الأقليات واليهود. 5) عقد معاهدة تحالف بين الدولة الفلسطينية وبريطانيا. 6) ضمان حرية ارتياد الأماكن المقدسة والعبادة فيها. أما المشروع اليهودي فقد قام على الأسس التالية: 1) إنشاء دولة يهودية مستقلة في مساحة تبلغ 65% من فلسطين وتشمل النقب والخليل والسهود العربية. 2) عقد معاهدة بين الدولة اليهودية وبريطانيا تمكن الأخيرة من التمتع بقواعد في الدولة اليهودية وتضمن مصالح بريطانيا. 3) منح الأماكن المقدسة صفة دولية. في ضوء هذا التضارب البين بين الفريقين العربي واليهودي علقت بريطانيا المؤتمر لمدة شهرين بحجة حلجتها لإعادة تقويم موقفها في ضوء المشروعين المقدمين. وفي الدورة التالية للمؤتمر التي استمرت من 26/1/1947 إلى أواسط شباط 1947 نجح الفلسطينيون في إرسال وفد من الهيئة العربية العليا لتمثيلهم بعدما وجهت الدعوة الرسمية إليه لحضور هذه الدورة إلى جانب الوفود التي اشتركت في الدورة الأولى من المؤتمر. وفي هذه الدورة لم يحضر الوفد اليهودي رسمياً لأن اليهود رفضوا المشاركة في أعمال المؤتمر إلا على أساس قيام دولة يهودية في فلسطين. غير أن الاتصالات الجانبية بين الوفدين البريطاني واليهودي استمرت عبر الدورة. وقد أعلنت بريطانيا في هذه الدورة رفضها للمشروعين العربي واليهودي وقدمت مشروعاً بريطانياً جديداً معدلاً عرف بمشروع بيغن (نسبة إلى وزير خارجيتها آنئذ). يقوم المشروع البريطاني الجديد على الأسس التالية: 1) وضع فلسطين تحت الوصاية البريطانية لمدة خمس سنوات بإشراف مندوب سام بريطاني. 2) منح مناطق الكثافة العربية واليهودية سلطات واسعة في الحكم المحلي. 3) تجري في نهاية السنة الرابعة للوصاية انتخابات لجمعية تأسيسه لوضع دستور لفلسطين. فإذا اتفقت أكثرية العرب واليهود على قيام دولة واحدة وضع الدستور منسقاً مع ذلك. وإذا لم تتحقق هذه الأكثرية أحيل الأمر على مجلس الوصاية في منظمة الأمم المتحدة (التي قامت اعتباراً من 24/10/1945) ليتقدم بالحل المناسب. 4) يسمح خلال السنتين الأولين من الوصاية بدخول 96 ألف يهودي إلى فلسطين. ثم توقف الهجرة إلى أن يتقرر مصير البلاد بالدستور الجديد، أو برأي مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة. لا يحتاج المرء لكثير تأمل حتى يدرك أن المشروع البريطاني الجديد إنما هو ترجمة للأفكار التي تضمنها تقرير اللجنة الأمريكية البريطانية المشار إليها أعلاه وجاءت متوافقة مع المطالب الصهيونية شكلاً ومضموناً. فلا عجب بعد ذلك أن يرفض العرب المشروع البريطاني جملة وتفصيلاً. وأما اليهود فقد رفضوا أيضاً في ضوء الآمال التي بدأوا يعقدونها على الولايات المتحدة الأمريكية كحليف بديل لبريطانيا يمكنهم من تحقيق كافة مطامعهم في الاستعمار الاستيطاني لفلسطين كما حدث فعلاً. أعلنت بريطانيا، بناء على موقف الطرفين، فض المؤتمر وأحالت قضية فلسطين على منظمة الأمم المتحدة اعتباراً من 2/4/1947 فدخلت القضية في طور جديد.   المراجع:   محمد عزة دروزة: حول الحركة العربية الحديثة، صيدا 1950-1951. محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، بيروت، 1959. أحمد طربين قضية فلسطين. محاضرات في التاريخ السياسي دمشق 1968.