لندن

دعت الحكومة البريطانية بلاغ رسمي رقمه 5893 بتاريخ 9/11/1938 العرب واليهود لحضور “مؤتمر فلسطين” في لندن للبحث في قضية فلسطين في اجتماعات منفصلة، والتفاوض مع الحكومة البريطانية على حلها بعد أن طال أمدها، وبعد أن تبين أن تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، كحل للقضية الفلسطينية، لا يمكن تطبيقه لأسباب سياسية واقتصادية وجغرافية (رَ: بيل، لجنة). كانت فلسطين آنذاك في ثورة شديدة (رَ: ثورة 1936-1939) اندلعت عقب اضراب شامل أعلنه الشعب العربي الفلسطيني في 19/4/1936 واستمر ستة أشهر احتجاجاً على الهجرة اليهودية الدفاعية إلى فلسطين. وقد أجبرت الحكومة البريطانية على إرسال مائة ألف جندي لإخمادها، مما جعل فلسطين ساحة حرب تحت حكم عرفي يحكم فيه بالموت على كل عربي يكون في حوزته أي نوع من السلاح مهما صغر. ولما أخفق الجيش البريطاني في إخماد الثورة التجأت الحكومة البريطانية إلى الأعمال النعسفية فقررت نفي اللجنة العربية العليا لفلسطين* إلى جزر سيشل، وأوقفت أعمال جميع اللجان الوطنية في لندن متهمة إياها بإشعال الثورة، ظانة  أنها بهذه الأعمال الاستبدادية تخضع الشعب ونفوذه إلى الاستسلام. غير أن جميع هذه الأعمال انتهت إلى الفشل في المجالين السياسي والعسكري. لم تستطع الحكومة البريطانية القاء القبض على جميع أعضاء اللجنة العربية العليا فنفت أربعة منهم فقط. وأما سائر الأعضاء وعلى رأسهم الحاج محمد أمين الحسيني* فقد فروا إلى بيروت التي صارت مقر اللجنة العربية العليا الجديد. وقد عهد أيضا لهذا المؤتمر المكتب العربي في لندن (رَ: المؤتمر العربي) عن طريق المفاوضات التي أجراها مدير المكتب مع وزير المستعمرات المستر مالكولم ماكدونالد. أرسلت الحكومة البريطانية دعوة رسمية لحضور المؤتمر إلى حكومات المملكة العربية السعودية، والمملكة المصرية، والمملكة العراقية، واليمن، وإمارة شرق الأردن، والجمهورية السورية، والجمهورية اللبنانية. وجميل مدير المكتب العربي في لندن دعوة شفوية إلى اللجنة العربية العليا في بيروت حيث كان رئيسها وأعضاؤها الذين لم ينفوا إلى سيشل. وقد شملت الدعوة أعضاء اللجنة المنفيين في جزر سيشل أيضاً، وتعين موعد انعقاد المؤتمر في أواخر شهر كانون الأول 1928 على وجه التقريب. وصلت إلى لندن في أول أسبوع من كانون الثاني 1939 الوفود العربية باستثناء وفدي سورية ولبنان الذين أوقفتهما الحكومة الفرنسية في باريس ومنعتهما من المضي إلى المؤتمر. استقبلت الوفود العربية استقبالاً رسمياً من قبل أعضاء من رئاسة الوزراء البريطانية ووزارة الخارجية ووزارة المستعمرات، وأعضاء من مجلس العموم، والسفراء العرب، وعشرات من مراسل الصحف البريطانية والأجنبية. بحث وزير المستعمرات مع الوفود العربية موضوع عام تمثيل حزب الدفاع* الفلسطيني في الوفد الفلسطيني للمؤتمر الذي تمثلت فيه جميع الأحزاب الأخرى. فاتضح حينئذ أن استقالة حزب الدفاع من اللجنة العربية العليا في وقت سابق كانت السبب في عدم تمثيله في الوفد. ولما أصرت الحكومة البريطانية على تمثيل جميع الأحزاب الفلسطينية في الوفد الفلسطيني ضم إليه راغب النشاشيبي* رئيس حزب الدفاع ويعقوب فراج* نائب الرئيس. افتتح رئيس الوزراء البريطاني نفيل شمبرلين المؤتمر رسمياً في قصر سان جيمس في 7/2/1939 وألقى خطاباً رحب فيه بالوفود العربية وتمنى للمؤتمر النجاح في أعماله. وفي 9/2/1939 ابتدأ المؤتمر أعماله بحضور الوفد البريطاني والوفود العربية. وقد ترأس الوفد البريطاني المستر مالكوم ماكدونالد وزير المستعمرات، وشارك فيه وكيل وزارة الخارجية نائباً على وزير الخارجية وكان جمال الحسيني* رئيس الوفد الفلسطيني المتكلم عن الوفود العربية جميعها وقام بالترجمة أحد موظفي حكومة فلسطين البريطانيين. بعد أن رحب المستر ماكدونالد بالوفود العربية قرأ بيان الحكومة البريطانية معلناً سياستها الجديدة لفلسطين وخلاصتها: أن الحكومة البريطانية تهدف إلى أن تنشىء في فلسطين وفي أحوال ملائمة، حكومة ديمقراطية مستقلة تمثل الشعب الفلسطيني بكامله من عرب ويهود. وللوصول إلى هذا الهدف يلزم المرور بفترة انتقالية مدتها عشر سنوات. ثم ذكر المراحل التي ستمر فيها القضية الفلسطينية  قبل الوصول إلى الهدف، وبين أن هذه المراحل هي موضوع بحث المؤتمر. وقد أجاب جمال الحسيني باسم الوفود العربية على بيان وزير المستعمرات بيان شامل ابتدأ فيه بتاريخ فلسطين القديم، ثم تناول وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني الذي منى اليهود في وعد بلفور* بوطن قومي غير شرعي وجلب لأهل فلسطين الأصليين الخراب والدمار والاضطهاد وحرمهم حقهم في تقرير المصير. ثم بين كيف سنت حكومة الانتداب المتحيزة القوانين التي تمكن اليهود من إنشاء الوطن القومي اليهودي على حساب الشعب العربي الفلسطيني. وكيف أغرقت البلاد بمئات الآلاف من المهاجرين اليهود من جميع أقطار الأرض وأخرجت الكثيرين من الفلاحين العرب من  أراضيهم، وكيف حثت بعهودها للبلاد العربية، ومنها فلسطين، الأمر الذي جعلها تحجب عن الأقطار مراسلات الحسين – مكماهون* التي أبرمت سنة 1916 وتضمنت هذه العهود. وبعد الانتهاء من تقديم البيانات ابتدأت المفاوضات على ما جاء فيها من نقاط. وفي 10/2/1939، أي بعد ثلاثة أيام من بداية المؤتمر العربي البريطاني، عقد المؤتمر البريطاني – اليهودي فقرأ وزير المستعمرات بيان الحكومة البريطانية عن سياستها الجديدة لفلسطين. ثم أوضح أن الحكومة البريطانية لا تستطيع أن تبقى في فلسطين جيشاً كبيراً لحفظ الأمن، وأن القوة السلحة وما استطاعت – هذا هو الهدف – حفظ الأمن لوقت معين في فلسطين. ولكنها بالتأكيد لا تجلب إليها البلاد. ولهذه الأسباب قررت الحكومة البريطانية أن تبني سياسة  السلام في فلسطين لا سياسة القوة المسلحة. أثار هذا البيان استياء الوفد اليهودي فرفض سياسة الحكومة البريطانية الجديدة رفضاً باتاً وأنهى اجتماعات المؤتمر بالاحتجاج الشديد لأن ما كان يريده هو إنشاء (دولة إسرائيل) الكبرى. أما المفاوضات بين العرب والبريطانيين فقد استمرت واتفق الفريقان على أهم المواضيع، وتناول البحث حتى موضوع مراسلات الحسين – مكماهون، وهي المراسلات التي حجبتها بريطانيا مدة ثلاث وعشرين سنة. وبعد حوار طويل تم الاتفاق على تأليف لجنة مشتركة لنظر في الحالات على تفسير هذه هذه المراسلات وتقرير موقع فلسطين من العهود البريطانية (رَ: موم، لجنة). عقدت اللجنة المشتركة اجتماعاتها في أروقة مجلس اللوردات. وفي أول اجتماع قدم الفريق العربي الفريق البريطاني مذكرة شرح فيها شرحاً وافياً نقطة الخلاف موضحاً بالأدلة الباهظة أن المنطقة الخارجة عن العهود هي لبنان البلد الذي كانت فرنسا ترغب في أن يكون في منطقة نفوذها كما جاء في المراسلات نفسها. وبعد بحث طويل استغرق أربعة اجتماعات تبادل فيها الفريقان عدة رسائل رفض الفريق البريطاني وجهة النظر العربية مصراً على وجهة النظر البريطانية بأن فلسطين هي المنطقة الخارجة عن العهود. ولما وضعت اللجنة تقريرها ذكرت عدم اتفاقها على الخلاف الذي شكلت من أجله، ولكنها ختمت تقريرها بتصريح هام جاء فيه: “حسب البيانات التي قدمت إلى اللجنة، ترى اللجنة أن الحكومة البريطانية لم تكن لها صلاحية التصرف في فلسطين دون رغائب ومصانع جميع سكانها”. وهذا يعني أنه لم يكن لبريطانيا الحق في التصريح بوعد بلفور المنافي لرغائب ومصالح سكان فلسطين العرب الذين يؤلفون أكثر من تسعين مائة من السكان. وقد جعل هذا التقرير وعد بلفور غير شرعي  بكل ما رتبه من آثار ونتائج. استمرت جلسات المؤتمرستة أسابيع اتفق البريطانيون والعرب في أثنائها على أهم المواضيع التي طرحت للبحث كالهجرة اليهودية إلى فلسطين وبيع الأراضي إلى اليهود والدستور. وكانت المواضيع المختلف عليها قليلة العدد والأهمية، كمدة فترة الانتقال والأحوال الملائمة كشرط من الشروط الخ… ومع هذا فقد اتخذت الحكومة البريطانية هذه الاختلافات البسيطة نسبياً سبباً لإنهاء جلسات المؤتمر كي يتسنى لها الانفراد باصدار بيان نتائجه ورسم سياستها الجديدة. وبالفعل أعلنت الحكومة البريطانية سياستها الجديدة بمفردها في (كتاب أبيض) الصادر في أيار 1939 (رَ: ماكدونالد، كتاب – الأبيض 1939).   المراجع:   عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت 1973. محمد عزة دروزة: تاريخ القضية الفلسطينية، بيروت 1966.