شفا عمرو

اجتازت مسيرة نضال الشعب العربي الفلسطيني في أرضه المحتلة عام 1948 عدة مراحل من النمو، ونضجت سياسياً وفكرياً، ولعل خير تعبير عن ذلك ما حدث في 30/3/1976، في يوم الأرض* الذي جاء دليلاً جديداً على إرادة الوجود العربي، والتمسك بالأرض والوطن، ووحدة الصف العربي داخل الوطن المحتل ضد سياسة العنف والاضطهاد العنصري الإسرائيلي. والواقع أنه منذ سنة 1967 تعمق وعي جماهير عرب فلسطين المحتلة عام 1948، أن مصيرها مرتبط بمصير الشعب الفلسطيني كله، حتى نيله حقه في العودة وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة على أرض وطنه، بقيادة ممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية*. وضمن إطار إرادة الوجود العربي، وعلى أساس وحدة الشعب الفلسطيني عقدت اللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية اجتماعاً طارئاً في قرية الرامة يوم 3/6/1980 للتداول في محاولات الاغتيال المجرمة المنظمة ضد كل من رؤساء البلديات بسام الشكعة وكريم خلف وإبراهيم الطويل، وفي إبعاد فهد القواسمة ومحمد ملحم والقاضي رجب يونس التميمي. وقد وجهت اللجنة بياناً إلى الرأي العام في داخل البلاد وخارجها بينت فيه ما يلي: 1) استنكارها لمحاولة الاعتداء على رؤساء بلديات نابلس ورام الله والبيرة. 2) تعذر الاستقرار والأمن ما دام الاحتلال قائماً. 3) المطالبة بإعادة قادة الضفة الغربية المبعدين. 4) دعوة جميع القوى الديمقراطية العربية واليهودية إلى تشديد تصديها للعنف والإجرام والتمييز العنصري. 5) الدعوة لإعلان الاضراب في جميع المجالس المحلية والبلدية العربية في فلسطين المحتلة عام 1948 امتيازاً من يوم 5/6/1980. وقد صدر هذا البيان في شكل “وثيقة قومية” جمعت مئات التواقيع. واستناداً إلى هذا البيان، صدر بيان آخر وزع على جميع الصحف عشية ذكرى الخامس من حزيران ومرور ثلاثة عشر عاماً على الاحتلال العسكري الصهيوني للأراضي العربية، وقد وقع على البيان الذي عرف باسم الميثاق القومي 124 شخصية عربية من ممثلي الرأي العام العربي في (إسرائيل) وأيده خطياً غداة صدوره أكثر من خمسة آلاف مواطن ومواطنه من ممثلي الرأي العام العربي في فلسطين المحتلة عام 1948. ومما جاء فيه: “1) نحن ممثلو أوساط الرأي العام في إسرائيل، ترى لزاماً أن تعلن – بهذا البيان – عن القلق الشديد الذي يسود المجتمع العربي في إسرائيل في هذه الأيام من جراء التدهور الخطير في الوضع في المناطق المحتلة وانعكاساته على الوضع داخل إسرائيل. “2) فطرد الشخصيات الفلسطينية الوطنية من المناطق المحتلة، وجرائم الاعتداء على رؤساء البلديات والاعتداء على المؤسسات التعليمية والهيئات المنتخبة والإرهاب الدموي الأسود ضد أهالي الخليل وغيرهم، كل ذلك يشير أشد القلق والسخط والاستنكار. “3) إننا نحمل الدوائر الحاكمة والرأي العام الإسرائيلي المسؤولية عن الأخطار الناجمة عن استمرار هذا التدهور العنصري الدموي. إن تلك الأوساط الماضية منذ حزيران 1967 في تجاهل وجود الشعب الأخر – الشعب العربي الفلسطيني – لن تجد ولا تجد وسيلة لتحقيق هذا التجاهل سوى العمل على تصفية كيان هذا الشعب أو طرده من بلاده. “4) نحن أهل هذه البلاد، ولا وطن لنا غير هذا الوطن. فيكفي أن نذكر حكام إسرائيل أنهم حين وافقوا على إقامة الدولة اليهودية في فلسطين بموجب قرارات الأمم المتحدة في 1947 كانوا يعلمون أن عدد العرب في إطار هذه الدولة مساو تقريباً لعدد اليهود. “5) لم ننكر، ولا يمكن أن ننكر، حتى لو جوبهنا بالموت نفسه، أصلنا العريق: أننا جزء حي وواع ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني. “6) لم نتنازل ولا يمكن أن نتنازل عن حق هذا الشعب في تقرير مصيره وفي الحرية والاستقلال على ترابه الوطني. “7) إننا لا نكتفي بالاعتراف فقط بكيان الشعب العربي الفلسطيني القومي -فهذا أمر يجب أن يكون مفهوماً بذاته – بل نطالب إسرائيل بأن تعترف عملياً بهذا الأمر على اعتبار أنه الأساس والطريق الوحيد لتحقيق السلام الشامل والثابت، ويعني ذلك عملياً انسحاب إسرائيل الكامل من جميع المناطق المحتلة منذ حزيران 1967 والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة بقيادة ممثله الشرعي المعترف به، منظمة التحرير الفلسطينية، إلى جانب دولة إسرائيل. “8) لذلك كله، واعتماداً مرة أخرى ودائماً، على النضال الديمقراطي المشترك في إسرائيل، اليهودي – العربي نرى لزاماً علينا – في هذه الساعات المصيرية – أن ندعو ممثلي الجماهير العربية كافة في إسرائيل، هذه القوى التي يجب ألا يستهان بها في المعركة من أجل الديمقراطية والسلام العادل، إلى عقد مؤتمر يشارك فيه ممثلو قوى السلام والديمقراطية اليهود”. واستكمالاً لمراحل متابعة التخضير للمؤتمر العام الذي دعا إليه هذا “الميثاق القومي” في السادس من حزيران، اجتمع عدد من الزعماء العرب في فلسطين المحتلة عام 1948 في حيفا* في 24/7/1980 وقرروا تشكيل لجنة تحضيرية مهمتها الإعداد لعقد “مؤتمر الجماهير العربية”. وانتخبت اللجنة التحضيرية لجنة أصغر سمتها “اللجنة المركزة” لمتابعة ترتيبات عقد المؤتمر. وقد أصدرت اللجنة التحضيرية بياناً ذكرت فيه أنها اجتمعت في مدينة حيفا في يوم 24/7/1980 واتفقت على عقد الاجتماع التمهيدي لمؤتمر ممثلي الجماهير العربية كافة في (إسرائيل) بمشاركة قوى السلام والديمقراطية. كما قررت عقد  الاجتماع التمهيدي لمؤتمر “الجماهير العربية” صباح 6/9/1980 في قاعة بلدية شفا عمرو*. ووجهت الدعوة إلى رجال دين، وأعضاء كنيست حاليين وسابقين، ورؤساء سلطات محلية وممثلي اتحادات الطلاب والأكاديميين، واليساريين والمحامين والروابط ونقابات العمال والجمعيات المهنية، ولجنة الدفاع عن الأراضي، والصحفيين والأدباء والشعراء، والنوادي وغيرهم من الشخصيات من الجليل والمثلث والنقب*. وأكدت اللجنة التحضيرية في بيانها أن المؤتمر سيعقد على أساس بيان السادس من حزيران. وفي التحضير لمؤتمر شفا عمرو في 6/9/1980 قررت اللجنة المركزة جدول أعمال المؤتمر. وقد تضمن هذا الجدول تقرير اللجنة المركزة، وكلمة بلدية الناصرة* حول قضايا التعليم والتمييز القومي الذي تمارسه سلطات الاحتلال، وكلمة عرب النقب التي تشرح ما يعانيه عرب هذه المنطقة من أخطار، وكلمة “المثلث” عن أوضاع المجالس المحلية فيه، وكلمة البطوف (منطقة في جبال الجليل) عن قضية الأراضي وتهويد الجليل. شهدت مدينة شفا عمرو في 6/9/1980 المؤتمر المرتقب والذي كان تظاهرة وطنية حقة، فقد شارك فيه: 170 شخصاً يمثلون كافة قطاعات الجماهير في (إسرائيل)، و3 أعضاء كنيست، و20 رئيس مجلس محلي، و34 نائب رئيس وعضو مجلس بلدي ومحلي، 18 كاتباً وأديباً وصحفياً. وقد صدرت على أثر الاجتماع القرارات التالية بإجماع الآراء: 1) أن يتم عقد مؤتمر الجماهير العربية في (إسرائيل) في شهر تشرين الثاني 1980، في مدينة الناصرة في الجليل. 2) الالتزام بمبادىء بيان السادس من حزيران. 3) دعوة قوى السلام والديمقراطية اليهودية في (إسرائيل) للمشاركة على أساس مبادىء من حزيران، وإصدار بيان للرأي العام اليهودي. 4)  تكليف اللجنة التنفيذية المستقلة من هذا الاجتماع بتنفيذ قرارته والتحضير للمؤتمر القادم في الناصرة، وأن تكون حيفا مقراً مؤقتاً لهذه اللجنة. 5) تنظيم حملة تبرعات مالية لتغطية نفقات الإعداد للمؤتمر. 6) المطالبة بتحرير الأوقاف الإسلامية وتسليمها لأصحابها المسلمون ليدبروا شؤونها. وتم في اجتماع شفا عمرو انتخاب اللجنة التنفيذية التي ستكون مسؤولة عن انعقاد المؤتمر العام من 37 عضواً من بينهم أربعة أعضاء في الكنيست. وقد صدر عن اجتماع شفا عمرو بيان هام من أبرز ما جاء فيه الفقرات التالية: “1) ينعكس نهج الليكود* تجاه الشعب العربي الفلسطيني على الوضع الداخلي في إسرائيل فيتعاظم خطر القوى الفاشية وخطر القضاء على الحريات الديمقراطية. ويعمل النهج العنصري تجاه الجماهير العربية. “2) لقد أصبح واضحاً للجميع الآن أن حسن النية حتى الاستخذاء الذي أبداه نظام أكبر دولة عربية هي مصر في اتفاقية “السلام” المصرية – الإسرائيلية، لم يزحزح حكومة إسرائيل الحالية قيد أنمله عن مطامعها وممارساتها التوسعية المعادية للشعب العربي الفلسطيني ولقضية السلام العادل. “3) القلق من تصعيد العدوان الإسرائيلي على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، خصوصاً أن أواصر القربى المباشرة تربط سكان الأرض المحتلة بالعديد منهم. “4) إن مجرد وجود اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات دون السماح لهم بالعودة إلى وطنهم، حتى العودة إلى المناطق المحتلة منذ عام 1967. وهو الخطيئة الأولى. “5) إن دعوتنا إلى عقد المؤتمر أوسع وأطول عمراً من كل معركة انتخابية. إننا نستهدف إقامة أوسع وحدة صف تجمع على قاعدة الالتزام بميثاق وطني ديمقراطي، كل ما حققه هذا اشعب عبر نضاله وتجاربه المريرة. “6) لنهتف لشعارات وثيقة السادس من حزيران حتى تصبح ميثاقنا الوطني. “7) لا للاحتلال والضم، لا للقمع وللعقوبات الجماعية، لا للعنصرية وللفاشية، نعم للسلام العادل الفلسطيني – الإسرائيلي، لا لكامب ديفيد والإدارة الذاتية، نعم لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب دولة إسرائيل”. كان من الطبيعي أن يلقي النجاح الذي حققه مؤتمر شفا عمرو مواقف سلبية تجلت  في تصاعد حدة الإرهاب. وفي مطالبة حكومة إسرائيل وبعض المتعاونين معها بطرد العرب. كذلك كتبت الصحف الإسرائيلية مطالبة بوضع حد لمثل هذه المؤتمرات. ولقد كان من المقرر، بناء على مؤتمر شفا عمرو أن يتم عقد مؤتمر الجماهير العربية في (إسرائيل) في شهر كانون الأول 1980 بمدينة الناصرة. لكن مناحيم بيغن رئيس الوزراء أعلن في اجتماع لجنة الخارجية والأمن في الكنيست (30/11/1980)، أن الحكومة تبحث في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع عقد المؤتمر العربي في الناصرة المقرر في 6/12/1980. وقال إن “مؤتمر العرب الإسرائيليين في الناصرة من شأنه الإعلان عن ميثاق لعرب (إسرائيل)، وهو محاولة منسقة مع منظمة التحرير من أجل تعبيد الأرضية التنظيمية والايديولوجية لدمج عرب (إسرائيل) في نضالات منظمة التحرير الفلسطينية”. ثم أصدر، بصفته وزيراً للدفاع، قراراً بحظر عقد اجتماع مؤتمر الجماهير العربية في 6/12/1980 في الناصرة، وقد جاء في هذه القرار: “إن منظمي هذا الاجتماع بدأوا بالعمل استناداً إلى بيان كان قد ذكر أن السكان العرب في إسرائيل هم جزء من الشعب الفلسطيني، والذي له الحق في تقرير المصير والحرية والاستقلال، وبذلك يكون موقعو البيان قد تضامنوا مع منظمة القتلة. التي تطلق على نفسها اسم منظمة التحرير الفلسطينية – والتي تعتبر منظمة تخريبية، هدفها كما هو معروف القضاء على (دولة إسرائيل)”. من جهة أخرى اعترضت حركة أبناء البلد* على عقد مؤتمر شفا عمرو وبيان السادس من حزيران، وذلك احتجاجاً على تفرد حزب راكاح* بالعمل وإبعاده لممثلي الحركة و”الحركة الوطنية التقدمية”.   ابن الشفيع: رَ: أحمد بن أحمد بن محمد الرملي   شفية (قرية -): رَ: القرى العربية المندثرة