بلودان

كانت الحكومتان البريطانية والأمريكية شكلتا لجنة تحقيق مشتركة تتحرى المشكلة اليهودية الأوروبية (رَ: الأنكلو – أمريكية، لجنة التحقيق) وتعيد النظر في القضية الفلسطينية. وقد أتمت اللجنة تقريرها وقدمته في 22/4/1946 إلى كل من رئيس الحكومة البريطانية ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية. أثار تقرير اللجنة غضب العرب لما فيه من شذوذ وبعد عن النزاهة والمنطق والعدل، وجعلهم يندمون لأنهم تعاونوا مع اللجنة المذكورة ولم يقاطعوها. ودعي مجلس جامعة الدول العربية إلى عقد دورة استثنائية في بلودان بسورية في 8/5/1946 لبحث الوضع الناشىء من صدور تقرير اللجنة، وإعلان موقف العرب منه، ولكن هذه الدورة تأجلت بسبب انعقاد مؤتمر قمة أنشاص بمصر يومي 27 و28 أيار (رَ: أنشاص، مؤتمر). ثم دعي مجلس الجامعة إلى عقد هذه الدورة الاستثنائية في مطلع حزيران 1946 في بلودان. ونظراً لخطورة الأوضاع وهياج الشعب العربي بسبب تقرير لجنة التحقيق المشتركة وقيام موجة من الدعايات ضد الجامعة العربية نفسها رأت الدول العربية، إحياء لآمال العرب بالجامعة، إسباغ مظهر القوة والعزم على مجلس الجامعة، فقررت أن تبعث إلى مؤتمر بلودان برؤساء الوزارات ووزراء الخارجية والدفاع، وبعدد من كبار الزعماء والقيادة. وكان من أبرز الشخصيات التي اشتركت في المؤتمر حمدي الباجه جي (العراق) وسعد الله الجابري وفارس الخوري ولطفي الحفار وجميل مردم بك (سورية) وصائب سلام وحبيب أبو شهلا (لبنان) واشترك جمال الحسيني* في الدورة بوصفه ممثلاً لفلسطين. وبعد اجتماعات تمهيدية وجانبية افتتحت الدورة رسمياً في 8/6/1946 في جو سادته الحماسة، وقرر المجلس تركيز بحوثه وجهوده على قضية فلسطين وشؤون شعبها السياسية والداخلية. ناقش المجلس تقرير لجنة التحقيق المشتركة فانتقده المجتمعون انتقاداً شديداً واستنكروا اتجاهات السياسة الأمريكية خاصة، والغربية عامة، وتنافس أعضاء الوفود في الدعوة إلى التأهب والاستعداد ومواجهة الأخطار بجد وعزم. واقترح رئيس الوزارة العراقية (حمدي الباجه جي) أن تبادر الدول العربية إلى تخصيص مبالغ كبيرة من المال لتسليح الفلسطينيين وتنظيمهم، وأعلن استعداد حكومة العراق للمساهمة بالمال والسلاح والرجال لإنقاذ فلسطين. وألهب هذا الموقف شعور المجتمعين فاقترح عدد منهم مقاطعة العرب لبريطانيا والولايات المتحدة وقطع النفط عنهما. وبعد ذلك شكل المجلس لجنة من أعضائه سميت اللجنة السياسية برئاسة الأمين العام للجامعة لدرس المقترحات المقدمة للمجلس وتنسيقها، ولوضع رد الجامعة العربية على تقرير لجنة التحقيق. ثم بحث مجلس الجامعة شؤون فلسطين السياسية والداخلية، ومواضيع أخرى تتناول إعداد الفلسطينيين وتنظيمهم وتوحيد صفهم، وقرر تشكيل لجنة من أعضائه سميت اللجنة الداخلية للنظر في هذه الأمور، وتقديم المقترحات والتوصيات إلى المجلس بهذا الشأن. وبعد أن عقدت اللجنة الداخلية سلسلة من الاجتماعات، حضرها بعض رؤساء الوفود والأمين العام للجامعة رفعت إلى مجلس الجامعة التوصيات التالية: 1)   تشكيل هيئة فلسطينية عليا تعرف باسم الهيئة العربية العليا لفلسطين* تعترف بها الجامعة وتعتمدها ممثلة للشعب العربي الفلسطيني وناطقة باسمه. وتكون هذه الهيئة “حكومة” للشعب الفلسطيني من ناحية، ومن ناحية ثانية تكون بالنسبة إلى الفلسطينيين مثل الوكالة اليهودية* بالنسبة إلى اليهود”. 2)   تولي هذه الهيئة أعمال الدعاية ومقاطعة الأعداد اقتصادياً وتجارياً وتنشيط الشعب الفلسطيني (أي تنظيمه وإعداده وتسليحه). 3)   تخصيص الدول العربية مبلغ مليون جنيه فلسطيني سنوياً للهيئة لتستطيع القيام بواجباتها. 4)   تشكيل لجنة فلسطينية مركزية تابعة للهيئة للعمل على إنقاذ أراضي فلسطين والحيلولة دون تسربها إلى اليهود. 5)   تخصيص مبلغ مليون جنيه فلسطيني أخرى سنوياً للجنة إنقاذ الأراضي. 6) 7) تمتأأ ووافق مجلس الجامعة على توصيات اللجنة الداخلية وفوض إليها العمل على تنفيذها. واتخذ مجلس الجامعة عدة مقررات سياسية بعضها سري وبعضها علني. ومن المقررات العلنية الرد على تقرير لجنة التحقيق المشتركة، ومفاوضة الحكومة البريطانية للوصول إلى حل لقضية فلسطين، ورفع قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة في حال فشل المفاوضات. أما المقررات السرية فقد عرف منها قطع الدول العربية للنفط عن بريطانيا والولايات المتحدة، وتزويد الفلسطينيين بالخبراء والعسكريين العرب لأغراض التدريب وتحصين القرى والمناطق العربية، وإدخال الجيوش العربية النظامية إلى فلسطين في الوقت المناسب، وتنفذ هذه القرارات (السرية) في حال استمرار بريطانيا والولايات المتحدة على سياستيهما وموقفيهما. وخلال اجتماعات الدورة الاستثنائية لمجلس الجامعة هبط بلودان العميد كلايتون رئيس استخبارات الجيش البريطاني في الشرق الأوسط، والمستر براينس مساعد مدير الاستخبارات البريطانية في فلسطين، وعدد آخر من البريطانيين والأمريكيين انتحلوا لأنفسهم صفة الصحافيين. وجعل هؤلاء، ولا سيما كلايتون، يجرون اتصالات مكثفة بالوفود العربية لإبطال مفعول بعض قرارات مجلس الجامعة. في حين كانت الحكومتان البريطانية والأمريكية تمارسان ضغوطاً شديدة على العواصم العربية لتعديل مقررات بلودان وتخفيفها إلى الحد الذي يجعلها مقبولة للندن وواشنطن. والواقع أن هذه المساعي البريطانية والأمريكية، واتصالات كلايتون بالوفود العربية، أثرت في نفوس بعض القادة العرب فخبت الحماسة العظيمة التي كانت تسيطر على مجلس الجامعة، وجاءت مقررات الدورة النهائية غير ما توقعه العرب. ففيما يتعلق بالقرارات التي وافق عليها مجلس الجامعة جرت تعديلات وتغييرات أساسية أفقدتها الكثير من مزاياها وفوائدها. إذ ألغى المجلس في قراراته الختامية توصية اللجنة الداخلية بتخصيص الدول العربية مبلغ مليون جنيه فلسطيني سنوياً، واستعاض عنها بتوصية أخرى تنص على “أن تقدم الدول العربية والمساعدات المالية للهيئة العربية العليا لفلسطين حسب ما تقرره في ميزانياتها”. كذلك ألغى المجلس في قراراته النهائية توصية اللجنة الداخلية بتخصيص مليون جنيه فلسطيني سنوياً لإنقاذ الأراضي. وخلال هذه الدورة، وبعد إجراء مشاورات مع زعماء مختلف الأحزاب الفلسطينية الذين جاؤوا إلى بلودان، تم إنشاء الهيئة العربية العليا لفلسطين من: جمال الحسيني، وأحمد حلمي عبد الباقي*، وحسين فخري الخالدي*، وإميل الغوري. وترك منصب رئاسة الهيئة شاغراً ليشغله الحاج محمد أمين الحسيني* عندما يستعيد حريته. وقدمت الأمانة العامة للجامعة مبلغ عشرة آلاف جنيه فلسطيني للهيئة لتباشر أعمالها فور عودتها إلى القدس. البناء (أحجار-): رَ: المعادن                   رَ: مواد البناء (صناعة-) البنّاء المقدسي: رَ: أبو بكر البنّاء المقدسي