المؤتمر اليهودي العالمي

منظمة يهودية عالمية طوعية تأسست في سنة 1936 وأطلق عليها اسم المؤتمر اليهودي العالمي. وتنتسب إلى المؤتمر اليوم الهيئات الرئيسة للجاليات والتنظيمات اليهودية الرئيسة في نحو 60 بلداً. وكان الهدف من تأسيس المؤتمر كما تحدد في دستوره “ضمان بقاء الشعب اليهودي وتعزيز وحدته”. وهو يسعى إلى ما يلي: “1) تنسيق جهود الهيئات المتتسبة إلى عضويته والمتعلقة بالمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب اليهودي. 2) ضمان حقوق اليهود والجاليات اليهودية وسكانهم ومصالحهم والدفاع عنها في أي مكان يكون فيه انكار أو خرق لهذه الحقوق أو تعرض للخطر. 3) تشجيع ودفع التطور المبدع للحياة اليهودية الاجتماعية والثقافية في جميع أنحاء العالم. 4) تمثيل المنظمات المنتسبة إلى عضوية المؤتمر العام أمام الهيئات الحكومية والمراجع الدولية، والسعي لديها في كل ما يتعلق بالشؤون التي تعني الشعب اليهودي بأسره”. تعود نشاة المؤتمر اليهودي العالمي إلى ما بعد تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية* فقد اتجه بعض قادتها البارزين في تفكيرهم إلى ضرورة انشاء منظمة يهودية عالمية موازية” لضمان الحقوق المدنية والدينية والسياسية لليهود في المنفى”. وفي حقيقة الأمر شاء بعض القادة الصهيونيين منذ البداية لتأسيس منظمة ذات طابع يهودي شامل موازية للمنظمة الصهيونية العالمية لاتاحة الفرصة أمام الفئات اليهودية التي ترفض الصهيونية للانضواء تحت راية منظمة يهودية الهوية صهيونية المضمون، وأن تكون هذه المنظمة الجديدة مقبولة عند الذين يرفضون المنظمة الصهيونية أو لا يقبلون التعامل معها. كان من أبرز القادة الصهيونيين الذين سعوا إلى انشاء المؤتمر اليهودي العالمي ماكس نورداو وستيفن وايز وناحوم سوكولوف وليو موتسكين وناحوم غولدمان، ومن بعدهم بتسحاق بن تسفي (رئيس سابق لإسرائيل) ويوسف شرينسال (أول رئيس للكنيست الإسرائيلي) وغيرهم من القادة اليهود في دول أوروبا الشرقية. وكما كانت محاكمة درايفوس في فرنسا وأعمال الاضطهاد والتفرقة العنصرية ضد اليهود في روسيا القيصرية ورومانيا من الدوافع التي عجلت بانشاء منظمة صهيونية عالمية وكانت أوضاع يهود أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الأولى دافعا للقادة الصهيونيين الذين فشلوا في استقطاب جميع اليهود ووضعهم تحت سيطرة المنظمة الصهيونية على استغلال هذا الوضع من أجل انشاء هيئة لها صبغة يهودية عالمية وتعمل تحت شعار “معالجة المشكلات الخطيرة المتعلقة بحقوق اليهود والجاليات اليهودية وحريتهم في المستقبل”. وفي الولايات المتحدة استغل القادة الصهيونيين الأوضاع التي خلفتها الحرب العالمية الأولى وبذلوا جهوداً لتوحيد الجاليات اليهودية الأمريكية وانشاء هيئة لها تستطيع – على حد تغير ستيفن وايز – “التعبير عن معتقدات الشعب اليهودي، ومعالجة احتياجاته ومطاليبه”. ففي سنة 1916 أنشىء”المؤتمر اليهودي الأمريكي”، ولكنه بسبب الحرب لم يعقد اجتماعه الأول إلا في منتصف كانون الأول سنة 1918. وبعد اعلان السلام مباشرة قرر المؤتمر اليهودي الأمريكي أنه “سيشكل وفده الأوروبي ليتخذ الخطوات الضرورية والفعالة بالتعاون مع ممثلي الهيئات اليهودية في بلدان أخرى لعقد المؤتمر اليهودي العالمي”. وانتخب المؤتمر اليهودي الأمريكي وفداً ليسافر إلى باريس قبيل انعقاد مؤتمر باريس للسلام العالمي. وفيما كانت اللجنة تتحرك بين اليهود في شتى أقطار العالم كما تعرضة التهديد أو تقييد لحقوقهم كانت تبذل أيضاً جهوداً مضنية لانشاء منظمة يهودية على نطاق عالمي يعترف بها اليهود وغير اليهود على حد سواء “كهيئة يهودية تمثيلية تعنى بمعالجة مشكلات الشتات*”. وتحت تأثير ظهور النازية بذلت الجهود الرامية إلى إنشاء مثل الك الهيئة أكبر نجاعة. ففي آب 1932 دعا بعض القادة اليهود، ومعظمهم من الصهيونيين البارزين، إلى عقد مؤتمر تمهيدي في جنيف حضره 130 وفداً يمثلون منظمات الجاليات اليهودية في 20 بلداً للنظر والتخطيط لتشكيل “هيئة يهودية تمثيلية دائمة”. وعقدت مؤتمرات شبيهة في جنيف في سنة 1936 فأعلنت المنظمات المشاركة فيه بـ 280 وفداً من 22 بلداً بصورة رسمية عن تأسيس الهيئة المذكورة وتبني مبادىء دستورها. وأطلقت عليها اسم “المؤتمر اليهودي العالمي”. وانتخب ستيفن وايز من الولايات المتحدة رئيساً للجنة التنفيذية للمؤتمر، وناحوم غولدمان رئيساً للجنة الإدارية، ولويس ليسكي رئيساً للمجلس العام، وجوليان ماك رئيسة شرف. وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية في سنة 1939 والاحتلال النازي لقسم من أوروبا نقل المقر الرئيس للمؤتمر اليهودي إلى نيويورك، وأنشىء له في الوقت نفسه مقر مواز في لندن لأن العاصمة البريطانية كانت في ذلك الحين ملجأ للحكومات الأوروبية في المنفى. واستطاع المؤتمر اليهودي أن يجمع في مقري نيويورك ولندن قادة يهود أوروبا والخبراء القانونيين والسياسيين للقيام بحملة مكشفة ضد النازية.وقد تم وضع هذه الحملة موضع التنفيذ في اجتماع طوارىء عقده المؤتمر اليهودي العالمي في اتلانيتك سيتي في الولايات المتحدة في شهر تشرين الثاني من سنة 1944. كان أكبر عمل قام به قادة المؤتمر اليهودي العالمي اضلاعهم بالدور الحاسم في حمل حكومة ألمانيا الاتحادية على أن توقع في سنة 1952 اتفاقية لوكسمبورغ التي أسفرت عن موافقة الحكومة الألمانية على دفع بلايين الماركات للحكومة الإسرائيلية تعويضاً على اليهود الذين تضرروا من النازية. الا أن الحكومة الإسرائيلية استخدمت معظم هذه الأموال في مشاريعها الاقتصادية وخططها العسكرية وفي جلب اليهود من مختلف أنحاء العالم للاستيطان في فلسطين (رَ: ألمانيا الاتحادية). ولعب المؤتمر اليهودي العالمي مباشرة، أو عبر “مؤتمر المطالب المادية اليهودية من ألمانيا”، دوراً بارزاً في إعادة تأهيل الجاليات اليهودية الأوروبية المشتتة، “وإعادة بناء الحياة الروحية والثقافية للمساجين اليهود الذين هاجروا في مختلف أنحاء العالم”. ومنذ الحرب العالمية الثانية وفر الطابع الدولي الذي اكتسبه المؤتمر اليهودي العالمي أهمية خاصة وفعالة لكثير من أعماله السياسية والدبلوماسية “لتثبيت حقوق اليهود وحرياتهم في دول عديدة”. وأنشأ المؤتمر جهازاً للأبحاث والعمل ضد المنظمات الوطنية والعالمية النازية الجديدة والمنظمات المعادية للسامية التي ظهرت أو نشطت بعد الحرب العالمية الثانية. وخلال الستينات أصبح موضوع يهود الاتحاد السوفييتي الشغل الشاغل للمؤتمر. استطاع المؤتمر اليهودي العالمي التغلغل في بعض المؤسسات الدولية فكان أول تنظيم يهودي يمنح امكانية استشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة وفي اليونسكو*.كما أنه حصل على تمثيل منظمة العمل الدولية*. وفي حزيران 1961 اقيمت “علاقات للتعاون العام” بين منظمة الدول الأمريكية والمؤتمر اليهودي العالمي. ويتمتع المؤتمر بمكانة استشارية من الدرجة الأولى في المجلس الأوروبي. وفي أواخر سنة 1969 كان المؤتمر اليهودي العالمي برئاسة ناحوم غولدمان يتألف من جاليات ومنظمات يهودية في أكثر من 60 بلداً. ويدير شؤون المؤتمر اليهودي خلال اجتماعات المجلس لجنة تنفيذية عالمية مكونة من 120 ممثلاً. وتجتمع اللجنة التنفيذية على مستوى اقليمي في فروعها الأربعة (أمريكا الشمالية وأوروبا واسرائيل وأمريكا الجنوبية). ثم تجتمع بكامل هيئتها من حين إلى آخر. ويدير شؤون المؤتمر بين اجتماعات اللجنة التنفيذية العالمية هيئة مصغرة تدعى “المجلس الحاكم”. وذلك نيابة عن اللجنة التنفيذية. وتحت ستار المكانة الدولية المستقلة التي اكتسبها المؤتمر لأن يضم جميع التنظيمات الحربية برفع شعار عدم الولاء أو الالتزام تجاه أية دولة أو حكومة أو عقيدة سياسية. ولكنه يجاهر في خدمة أهداف (إسرائيل) والصهيونية*، ولا سيما في مجال تشجيع الهجرة والضغط على الحكومات المختلفة للسماح لليهود بالهجرة إلى (إسرائيل). وقد حقق المؤتمر نجاحا في هذا المضمار في كثير من الدول. ويقيم المؤتمر علاقات وثيقة مع الدوائر الحكومية المعنية في (إسرائيل) بشأن “القضايا التي تتسم بالمصالح المشتركة فيما يتعلق باليهود في البلاد الأخرى”. عقدت الادارة العالمية للمؤتمر اليهودي العالمي دورة خاصة في تل أبيب بين 23/6 و4/7/1973 بمناسبة مرور 25 سنة على قيام (إسرائيل). واشترك في الاجتماعات نحو 150 مندوباً من 35 بلداً. وقد سيطر على جو المناقشات الخلاف في وجهات النظر حول تحديد الأدوار الرئيسة وتقسيم العمل بين الهيئات الصهيونية الثلاث (إسرائيل) والمنظمة الصهيونية العالمية والمؤتمر اليهودي العالمي، وحول “مركزية” دور (إسرائيل) وطبيعة العلاقة بين الهيئات الثلاث ويهود العالم. لقد برز خلال المناقشات التي أجرتها الإدارة العالمية للمؤتمر اليهودي المشار اليها اجماع كامل على ضرورة استمرار المؤتمر وقيامه بمهامه لأن أكثر من 80% من يهود العالم موزع في الشتات وأقل من 20% يعيشون في (إسرائيل). وقد دعت مقررات الادارة العالمية إلى حرية التنقل والاتصال بين الأشخاص والمنظمات والمؤسسات في أوروبا لتسهيل اتصال الجاليات اليهودية بعضها ببعض في مجالي الثقافة والدين، وللمحافظة على الحضارة والقومية اليهوديتين. وناشدت يهود العالم الاستمرار في دعم (إسرائيل) والنضال من أجل هجرة يهود الاتحاد السوفييتي والعراق وسورية إلى “إسرائيل”. وطالب المؤتمر حكومة ألمانيا الاتحادية بتمكين جماعات يهودية متضررة من النازية من الحصول على تعويضات. وطالب كذلك حكومة ألمانيا الديمقراطية بدفع تعويضات مماثلة. وأعرب المؤتمر عن القلق من تغلغل الدعاية المحادية للسامية في بعض البلاد بصورة دعاية معادية للصهيونية  (وإسرائيل). وعقدت الجمعية العمومية للمؤتمر اليهودي العالمي دورتها السادسة في القدس من 3 إلى 10/2/1975. وقد حضر الدورة 612 مندوباً يمثلون الجاليات والمنظمات اليهودية في 65 بلداً بينهم مندوبون عن يهود رومانيا ويوغسلافيا. وكانت آخر جمعية عمومية للمؤتمر قد عقدت منذ تسع سنوات. وهذه أول مرة ينعقد فيها المؤتمر في أرض تحتلها (إسرائيل). وقبل افتتاح الدورة أذاع المؤتمر اليهودي العالمي بياناً صحافياً عرض فيه الأعمال التي انجزت منذ الدورة الماضية، ومنها “تنمية العلاقات بين المسيحيين واليهود” والدور الذي لعبه المؤتمر في “المناقشات التي أدت إلى صدور توجيهات الفاتنيكان* للكاثوليك”. وأشار البيان إلى دور الدكتور غولدمان بالنسبة إلى التعويضات من ألمانيا الاتحادية خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة. وأضاف البيان: “استخدم قادة المؤتمر اليهودي العالمي في كثير من الأحيان علاقاتهم بالمؤسسات الدولية. وكذلك بهيئات عالية مثل مجلس الكنائس البروتستانية ومؤسسات الفاتيكان، لكي يحظوا بتأييدها للمحافظة على أمن اليهود في العالم، وخصوصاً معاملة أسرى الحرب الإسرائيليين وضع اليهود في البلاد العربية، وكذلك الكفاح من أجل حق يهود الاتحاد السوفييتي في الهجرة”. وقد افتتح الدكتور غولدمان دورة الجمعية العمومية محذراً من أن “يهود العالم الحر قد يزجون في خلافات مكشوفة مع حكوماتهم بسبب سياستها في الشرق الأوسط”. وحذر أيضاً من أن “شهر العمل” بين (إسرائيل) والعالم اليهودي قد وصل إلى نهايته لأن “نتاج تعاطف العالم مع إسرائيل تغير تماماً”. وحدد غولدمان المبادىء التي يجب أن تقوم عليها العلاقات بين (إسرائيل) ويهود العالم بأنها “وحدة الشعب بأسره، والمساواة بين جميع فئاته، واعتراف يهود المنفى بسيادة اسرائيل، وخفها في اتخاذ قرارات ملزمة بالنسبة إلى سياستها، واعتراف اسرائيل بالاستقلال الذاتي ليهود المنفى دون محاولة السيطرة على سياساتهم الداخلية، واتاحة الفرصة لهم للادلاء بآرائهم في إسرائيل”. ولكنه دعا في الوقت نفسه إلى “الوقوف إلى جانب إسرائيل مهما كانت التضحيات السياسية التي علينا أن نقدمها”. كان من أبرز نتائج دورة الجمعية العمومية للمؤتمر اليهودي العالمي هذه انتصار ناحوم غولدمان “المشروط” وإعادة انتخابه رئيساً للمؤتمر اليهودي العالمي بأكثرية كبرى من مجموع 612 مندوباً اشتركوا في التصويت ضد 35 مندوباً. وكان غولدمان المرشح الوحيد. وقد وافقت “حركة العمل الصهيونية على تأييد انتخاب غزلدمان بثلاثة شروط قبلها غولدمان نفسه، وهي: “أن يتولى الرئاسة فترة زمنية محددة، وأن ينتخب وريثه بالتنسيق مع المنظمة الصهيونية، وأن يلزم نفسه في تصريحاته السياسية”. وقبل التصويت على انتخاب غولدمان اتخذت الجمعية العمومية خطوات اعتبرت مقدمة لاحتواء المنظمة الصهيونية العالمية للمؤتمر اليهودي العالمي ووضع حد لسلطة رئيسة. فقد أقرت تغييرات بعيدة المدى في نظام تركيب المؤتمر وألغت مكانة الدكتور غولدمان “كشخصية مركزية وحيدة في قيادته”. وأقامت قيادة مشتركة مع المنظمة الصهيونية العالمية التي تم الاعتراف بها كعضو كامل في المؤتمر اليهودي بدلاً من صفة مراقب، على أن يكون لها 4 مقاعد في المجلس الإداري و5 مقاعد في المجلس العام. وبالنسبة إلى تعريف أهداف المؤتمر اليهودي العالمي فقد تم تقريبها من أهداف المنظمة الصهيونية العالمية”. وتقوم لهذه الهداف على “تعميق الارتباط بدولة إسرائيل”. وعدل كذلك البند الأول من نظام المؤتمر لينص على “توثيق العلاقة بين يهود العالم ودولة إسرائيل بصفتها القوة الخلافة المركزية في الحياة اليهودية”. وانتخبت الجمعية العمومية إدارة جديدة من 15 عضواً برئاسة غولدمان وأصدرت إعلاناً أطلقت عليه اسم “إعلان القدس” أكدت فيه تصميم “الشعب اليهودي بأسره” على “المحافظة على وحدة القدس عاصمة لدولة إسرائيل”. كما أكدت في قراراتها “تماثل يهود العالم التام وغير المتحفظ مع دولة إسرائيل”، والرفض القاطع لاقامة ما يسمى بـ “دولة علمانية فلسطينية لا هدف لها سوى القضاء على دولة إسرائيل”، والسعي إلى “إلغاء قرارات اليونسكو المعادية لإسرائيل”.   المراجع:   عبد الوهاب محمد المسيري: موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية، القاهرة 1975. نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت أعوام1972 و1973 و1975.