المؤتمر السوري العام

قرر مؤتمر السلم الأعلى المؤلف من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا، في آذار سنة 1919، ايفاد لجنة استفتاء إلى سورية تمثل الدول الأربع المذكورة. وكان ذلك بناء على اقتراح تقدم به الرئيس الأمريكي ويلسون بعد احتدام النقاش داخل المؤتمر حول مصير هذه البلاد. ولكن بريطانيا وفرنسا وايطاليا نكلت ولم ترسل مندوبين عنها. فبعث الرئيس الأمريكي ممثليه وحدهم للقيام بالمهمة والاستماع إلى رغبات الناس. عندئذ دعت الحكومة العربية التي كان يرأسها الأمير فيصل إلى مؤتمر سوري عام يعقد في دمشق للتعبير عن رغبات أهل سورية أمام لجنة الاستفتاء. وقد تمثلت في المؤتمر مناطق سورية الطبيعية كلها، أي ما يعرف اليوم بسورية ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن. جرى اختيار المندوبين في منطقة الحاكم العربي (سورية الداخلية وشرقي الأردن) بطريقة الانتخابات حسب الأقضية. وبلغ عددهم نحو 60 مندوباً. وأما المناطق المحتلة من قبل الانكليز (فلسطين) والفرنسيين (لبنان والسواحل السورية – منطقة اللاذقية) فقد اختير ممثلوها بطريقة المضابط والتوكيلات من الهيئات والشخصيات البارزة. وراوح عدد هؤلاء الممثلين بين 50 و60 ممثلا لأن منهم من كان يذهب فلا يعود، ويأتي آخرون جدد، أو باقي بعضهم بعد بعض. عقد المؤتمر اجتماعاته في (دورة الاستفتاء) في النادي العربي بدمشق واختار فوزي العظم للرئاسة وعبد الرحمن اليوسف لنيابة الرئاسة ومحمد عزة دروزة للسكرتارية العامة. ووضع قراراً معللا طالب فيه باستقلال سورية التام بحدودها الطبيعية ورشح الأمير فيصل ملكا عليها، على أن يكون الحاكم دستورياً نيابياً ى مركزياً، وأن تصان فيه حقوق جميع الطوائف مع وحدة عربية. ورفض القرار الحماية والوصاية ووافق على مساعدة فنية بريئة من أمريكا أو من انكلترا الا من فرنسا، وأكد كون فلسطين جزءا من سورية الطبيعية، ورفض وعد بلفور* والهجرة والمزاعم اليهودية رفضاً باتاً. قدم وفد عن المؤتمر القرار إلى لجنة الاستفتاء الأمريكية. ثم تقرر بالاتفاق مع الحكومة العربية وبمعرفة المؤتمر اختيار لجنة برئاسة هاشم الأتاسي لوضع مشروع دستور للملكة السورية العربية. وعلق المؤتمر جلساته في أواخر حزيران 1919. وقد دعي المؤتمر إلى اجتماع طارىء يمكن تسميته (دورة الدفاع) بسبب الاتفاق الانكليزي- الفرنسي على احتلال القوات الفرنسية لأقضية راشيا وحاصبيا وبعلبك والبقاع التابعة للحاكم العربي. وقرر المؤتمر رفض هذا الاتفاق والاحتجاج عليه وأوجب على الحكومة مقاومته بالقوة، ثم علق جلساته. وقد انعقدت هذه الدورة برئاسة نائب الرئيس عبد الرحمن اليوسف لأن الرئيس كان قد توفي. وبقي محمد عزة دروزة بشغل منصب سكرتارية المؤتمر. ودعي المؤتمر إلى دورة ثالثة عرفت بـ (دورة الاستقلال) في آذار 1920، وذلك بسبب انفراد فرنسا وبريطانيا في تقرير مصير سورية تنفيذ لاتفاقية سايكس – بيكو*بدون مراعاة رغبات أهلها. وتم الاجتماع في النادي العربي واختار المؤتمر هاشم الأتاسي رئيساً جديداً وأقر محمد عزة دروزة في السكرتارية. وقد قدمت لجنة الدستور مشروع دستور المملكة السورية العربية إلى هذا المؤتمر. ثم استمع المؤتمرون إلى خطاب الأمير فيصل وتقرر بعده اقامة حكم نيابي دستوري لا مركزي. وكرر المؤتمر رفض الوصاية أو الحماية واستنكر فصل فلسطين ورفض وعد بلفور والهجرة اليهودية. ووقع أعضاء المؤتمر هذا القرار المعطل المطول وقدموه إلى الملك فبويع على أساسه. وقد تلا سكرتير المؤتمر قراراته من شرفة البلدية على الجماهير المحتشدة في ساحة المرجة (ساحة الشهداء بدمشق) صباح يوم الثامن من آذار. واستمر المؤتمر بعد ذلك قائما بالاتفاق مع الحكومة وأصبح ذا مهتمين، مهمة مجلس تأسيسي لمناقشة واقرار مواد الدستور، ومهمة مجلس نيابي لمراقبة الحكومة. وظل يمارس مهمتيه المذكورتين إلى 19/7/1920. وفي غضون ذلك اختير هاشم الأتاسي لرئاسة الوزارة فاختير رشيد رضا خلفا له في رئاسة المؤتمر. وانبثق داخل المؤتمر حزبان برلمانيان للمحاورة والمناقشة، أحدهما كان يمثل الأكثرية واسمه حزب التقدم، وثانيهما يمثل الأقلية واسمه الحزب الديمقراطي. في تموز 1920 أخذت الأزمة تشتد بين الحكم العربي وفرنسا التي كانت تتحين الفرصة لفرض انتدابها وسيطرتها على سورية الداخلية بالاضافة إلى لبنان والسواحل. وبلغت الأزمة ذروتها الخطيرة في 19 تموز قرأت الحكومة تعليق جلسات المؤتمر وأعلن وزير الدفاع يوسف العظمة ذلك. وكان في هذا نهاية المؤتمر لأن القوات الفرنسية ما لبثت أن غزت سورية واحتلتها وأسقطت الحكم العربي الفيصلي في 24/7/1920. وقبل الانفضاض أقر المؤتمر بياناً أعلن فيه للشعب أن لا شرعية لأي فرض أو اتفاق يحل بقرار الاستقلال التام. وكان ذلك خاتمة أعمال المؤتمر السوري العام. وكان واضحاً من قرارات المؤتمر السوري العام الذي ضم ممثلين عن فلسطين أنه كان يرى هذا القطر العربي جزءا من سورية الطبيعية لا يقبل الانفصال أو التجزئة، ولهذا رفض وعد بلفور وما انبنى عليه من مزاعم يهودية في فلسطين وما ترتب عليه من هجرة يهودية إليها. وقد اختتمت أعمال المؤتمر بسبب الاحتلال الفرنسي لسورية.   المراجع:   محمد عزة دروزة: حول الحركة العربية الحديثة، بيروت 1959. خيرية قاسمية: الحكومة العربية في دمشق بين 1918-1920، بيروت 1982.