المؤتمر البرلماني العربي العالمي

لما تفاقمت الأعمال العدوانية البريطانية ضد فلسطين وشعبها وظهر من بريطانيا* مزيد من التصميم على تهويد البلاد المقدسة بعثت اللجنة العربية العليا لفلسطين* بوفود فلسطينية إلى العواصم العربية والاسلامية لتعرض عليها ما يجري في فلسطين والمؤامرة الميتة لتهويدها. كما وجه الحاج محمد أمين الحسيني* بوصفه رئيسا لمؤتمر العالم الاسلامي نداء مثيرا إلى الدول العربية والاسلامية وزعماء شعوبها وعلمائها وهيئاتها الدينية ومجالسها النيابية والتشريعية استصرخهم فيه إلى المبادرة لانجاد فلسطين وشعبها بصورة جدية فعالة. وترك هذا النداء وجهود الوفود الفلسطينية الآنف ذكرها أثراً عميقاً في البلاد العربية والاسلامية فازدادت اهتماما بقضية فلسطين، وظهرت بوادر التأييد السياسي والمادي للثورة الفلسطينية. واندفعت المجالس النيابية والتشريعية والمنظمات الأخرى التي تتمتع بصفة تمثيلية تعقد دورات خاصة بشأن فلسطين والدفاع عن قضيتها. وبعثت اللجنة العليا لفلسطين بكتب شكر وتقدير إلى هذه المجالس لمواقفها، كما اقترحت عقد مؤتمر عام لهذه المجالس في احدى العواصم العربية أو الاسلامية للنظر في قضية فلسطين ووضع المخططات والأسس لمساندة الفلسطينيين وتأييدهم. وقد لاقى هذا الاقتراح قبولاً حسناً في العواصم العربية والاسلامية. واجتمعت في القاهرة لجنة فلسطين في مجلس الشيوخ المصري ولجنة فلسطين في مجلس النواب المصري فأيدنا الاقتراح وقررنا أن توجه مصر الدعوة إلى المجالس النيابية والتشريعية في البلاد العربية والاسلامية لعقد مؤتمر لها في القاهرة في خريف 1938. وفوض إلى محمد علي علوية عضو مجلس الشيوخ المصري ورئيس لجنة وادي النيل العليا لمساعدة فلسطين توجيه هذه الدعوة باسم البرلمان المصري. ولاعتبارات هامة، ورغبة في اسباغ من مظاهر القوة والنفوذ على المؤتمر القادم. اقترحت اللجنة العربية العليا لفلسطين على علوية والمسؤولين المصريين توجيه الدعوة أيضاً إلى عدد من كبار علماء الدين المسلمين والمنظمات الاسلامية ذات الصفة التمثيلية للاشتراك في المؤتمر، وإلى اللجنة العربية العليا نفسها بوصفها الممثلة للشعب الفلسطيني. وأقر اقتراح اللجنة فوجهت الدعوة بصورة رسمية إلى الشخصيات والمنظمات الاسلامية المقترحة بالاضافة إلى المجالس النيابية والتشريعية في البلاد العربية والاسلامية. عقد هذا المؤتمر في القاهرة في شهر تشرين الأول عام 1938. وقد اشترك فيه ممثلون عن المجالس النيابية في مصر وسورية والعراق ولبنان والأردن وايران، وعن مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية، وعن المجلس التشريعي في ولاية البنغال في الهند. وعن الرابطة الاسلامية لعموم الهند، واللجنة العربية العليا لفلسطين. واشترك في هذا المؤتمر كذلك عدد من كبار العلماء والمفتين وزعماء المؤسسات الاسلامية المختلفة من تونس والمغرب وبرقة والسودان والهند وأفغانستان واليمن وبلاد أخرى. وترأس المؤتمر فارس الخوري رئيس مجلس النواب السوري. استمرت جلسات المؤتمر أسبوعاً، واتخذت سلسلة من القرارات بشأن قضية فلسطين نصت على تأييد مطالب الفلسطينيين وميثاقهم الوطني، وعلى وجوب قيام العرب والمسلمين بالدفاع عن فلسطين ومساندة ثورتها وتزويد الفلسطينيين بالمساعدات المالية وغيرها. وبعث المؤتمر برقيات إلى جميع البرلمانات في العالم يستصرخها المتدخل لانصاف عرب فلسطين وتحقيق مطالبهم العادلة الحقة، والعمل على وقف المجازر والمذابح التي كان لانكليز واليهود يقترفون آثامها ضد الشعب الفلسطيني. شكل المؤتمر لجنة متبعة برلمانية مقرها القاهرة، وقرر كذلك وجوب الاتصال مباشرة بالحكومة البريطانية في لندن ومباحثها بشأن قضية فلسطين ووضع حل عادل لها يرضى عنه العرب والمسلمون. وتشكل هذا الوفد من محمد علي علوية وعبد الرحمن صديقي وجودي خليف الزمان. وقضى الوفد في لندن نحو شهر اجتمع أثناءه بعدد كبير من أعضاء مجلس العموم. كما اجتمع بوزير المستعمرات المستر مالكولم مكدونالد،ثم بعدد من أعضاء مجلس اللوردات فكانت له مقابلات مع اللورد جورج لويد واللورد لامنجتون واللورد ونترتون. وكثيرا ما كان يشترك المكتب العربي في لندن (رَ: المركز العربي) مع الوفد في هذه اللقاءات وفي القاء الخطب في النوادي السياسية والجمعيات. غير أن الصحافة البريطانية بقيت تعتم على كل هذه الجهود والنشاطات. وأخيراً قرر الوفد أن ينشر مذكرة يشرح فيها وجهة نظر مؤتمر القاهرة من القضية الفلسطينية. وبعد أن انتهى من تحضيرها أعلن عنها في الصحف البريطانية بواسطة اعلانات دفع أجرتها مبالغ طئيلة، ثم اتصل بعدة مطابع في لندن لطبعها، ولكنه لم يجد هناك مطبعة واحدة تقبل طبع هذه المذكرة، وكانت جميعها تردها إلى الوفد مع الاعتذار.