القاهرة

استغل الصهيونيون الخلاف الذي نشب بين مصر من جهة والأردن والعراق من جهة أخرى بسبب الهدنة الثانية (19/7/1948) وقضية حكومة عموم فلسطين*، استغلوه لضم الأراضي التي بقيت خارج نطاق احتلالهم، ولا سيما منطقة النقب التي كان قرار التقسيم منحها إياهم بعد أن كانت تحت سيطرة الجيش المصري. إزاء هذا الوضع الناشىء عن خرق الصهيونيين للهدنة الثانية منذ أسبوعها الأول، وإزاء ما وقع من ضغط عسكري إسرائيلي على الجيش المصري في النقب، بدأت الحكومات العربية تهيء لمجابهة عسكرية فعقد في أواخر تشرين الأول 1948 مؤتمر في عمان حضره الملك عبد الله والوصي على عرش العراق الأمير عبد الاله ورؤساء حكومات مصر وسورية والعراق والأردن. وقد تم الاتفاق في هذا المؤتمر على القيام بحركات عسكرية مشتركة لتخفيف الضغط الإسرائيلي. ولكن التجزئات الإسرائيلية توقفت بعد مدة قصيرة من الزمن فجمدت التحركات العربية المقررة. ثم عادت القوات الإسرائيلية إلى سابق عهدها فتصدت لها القوات المصرية واتسع نطاق القتال. واستطاع العدو الإسرائيلي أن يحقق تفوقاً فارتفعت الأصوات العربية من كل مكان نادي بعمل عسكري جماعي رادع يعيد التوازن على الأقل، وكان من أعلاها صوت الوفود العربية في دورة الأمم المتحدة التي كانت ترى أكثر من غيرها أثر التحركات الصهيونية وانعكاس نجاحها على الأوساط الدولية. اجتمعت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في القاهرة في الأسبوع الثاني من شهر تشرين الثاني 1948 وسط هذا الخبر المثير. ونقل إليها أحمد الشقيري* آراء الوفود العربية في الأمم المتحدة، وكانت مماثلة لما كان يتردد في كل مكان من الوطن العربي. على أثر ذلك دعي رؤساء أركان حرب الجيوش العربية إلى القاهرة حيث عقدوا مؤتمراً تدارسوا فيه الموقف ورفعوا إلى اللجنة السياسية حصيلة ذلك في تقرير جاء فيه. 1) إن القوات الإسرائيلية متفوقة في العدد والسلاح والذخيرة والطيران فضلاً عن أنها تخضع لقيادة عليا واحدة. 2) إن حال القوات العربية من حيث العدد والذخيرة والمهمات لا تتحمل غير اتخاذ خطة الدفاع. إن الأسباب الرئيسة لسوء الموقف هي: (1) لم تكن الجيوش العربية مستعدة استعداداً كافياً لخوض غمار حرب طويلة بسبب ما كان ينقصها من سلاح وعتاد. (2) عدم حشد القوات الكافية لإحراز نصر خاطف. (3) عدم استخدام الدول العربية إمكانياتها ومواردها لأغراض الحرب. (4) عدم تأليف قيادة عامة موحدة لإدارة القوات والحركات والسيطرة عليها. (5) عدم استطاعة الحكومات العربية استكمال نواقصها في فترة الهدنة الأولى وبعد الهدنة الثانية خلافاً للصهيونيين الذين استفادوا من كل دقيقة وحصلوا على كميات كبيرة من كل نوع من أنواع السلاح والعتاد والطائرات والمقاتلين والطيارين والقادة ذوي الخبرة. 4) إن معالجة الموقف الذي هو على جانب كبير من الخطورة تتطلب: (1) أن تبذل الحكومات العربية فوراً كل مجهود في سبيل تدارك ما تحتاج إليه القوات من سلاح وعتاد وطائرات مهما كلفها ذلك من تضحيات. (2) أن تستغل جميع الموارد والإمكانيات الذاتية ولو بإعلان التعبئة العامة. (3) أن تترك حرية العمل للعسكريين وتكون الاعتبارات العسكرية فوق جميع الاعتبارات وتنحصر جهود الحكومات في تأمين احتياجات القوات وتلبية مطالبها. (4) أن تنشأ قيادة عامة تسيطر فعلياً على جميع القوات والحركات. (5) ألا يتخذ السياسيون أي قرار عسكري قبل إحاطة العسكريين بالموقف كي تكون القرارات متناسبة مع إمكانيات القوات ومقدرتها. كان أعضاء اللجنة السياسية للجامعة يصرحون بأن وجهات نظرهم تتطابق مع ما جاء في تقرير رؤساء الأركان، حتى لقد أشبع يومئذ أن اللجنة قررت التوصية باستئناف القتال الجماعي ضد العدو الإسرائيلي في جميع الجبهات. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.   المرجع:   محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، بيروت 1959.   القائمة الشيوعية الجديدة: رَ: راكاح (حزب -)