القاهرة

هو المؤتمر الذي انعقد في الأسبوع الثاني من آذار سنة 1921 واستمر أسبوعين برئاسة وزير المستعمرات البريطاني زنستون تشرشل، وبحضور زهاء أربعين موظفاً إدارياً وسياسياً وضابطاً عسكرياً من البريطانيين الذين كانوا يشغلون مناصب هامة في مختلف أرجاء الوطن العربي آنذاك. وقد كانت إدارة السياسة البريطانية في الوطن العربي قد نقلت في مطلع سنة 1931 من وزارة الخارجية إلى وزارة المستعمرات التي تولاها ونستون تشرشل. وقام هذا بإنشاء دائرة لشؤون الشرق الأوسط في 14/2/1921، واستدعى لورنس ليكون مستشاراً رئيساً في الوزارة. وأشار تشرشل في مجلس العموم (21/2/1921) إلى أن الحكومة البريطانية قررت عقد مؤتمرين في القاهرة والقدس وأوائل آذار لعرضين: أولهما خفض النفقات البريطانية التي يتطلبها وجود الادارات والحاميات البريطانية في الشرق، وثانيهما مراجعة الوضع البريطاني في مناطق المشرق العربي ووضع خطط استعمارية موحدة لمستقبل السياسة البريطانية في تلك المناطق وإعداد الطرق الجديدة لإدارتها بمردود أكبر ونفقات أقل، وذلك بعد التبادلات الكبرى اثر مقررات مؤتمر سان ريمو* وتوزيع الانتدابات وما تلا هذا من انهيار الحكم العربي في دمشق ووصول الأمير عبد الله إلى شرقي الأردن وتهديداته بإثارة حرب ضد فرنسا، ثم ثورة العراق وردود الفعل العنيفة في فلسطين ضد سياسة إقامة الوطن القومي اليهودي. لم يجد تشرشل ومستشاروه أي معارضة جدية من أعضاء المؤتمر لقراراتهم حول القضايا الرئيسة. وقد عملت في المؤتمر ثلاث لجان هي: اللجنة المالية واللجنة العسكرية واللجنة السياسية، والأخيرة أهمها: وقد ترأس تشرشل جلساتها ولعب لورنس الدور الرئيس فيها. تضمن جدول الأعمال ثلاثة مواضيع هي: موضوع الالتزامات البريطانية في “ساحل الإمارات المتصالحة على شاطىء الخليج وعدن”، وموضوع العراق، وموضوع فلسطين وفيه شرقي الأردن. هذا إلى جانب مسائل عسكرية ومالية أخرى. بعث الأمير عبد الله رسالة إلى تشرشل الذي كان في القاهرة شرح له فيها الأسباب التي دفعته إلى المجيء إلى عمان وأكد أنه لا يحمل أية نية عدوانية ضد فلسطين، وكلب منه مقابلته في فلسطين أو في أي مكان آخر “ليعبر له عن إيمانه بالصداقة المتبادلة، وليشرح له أماني الشعوب المتعلقة بمستقبل وطنهم”. وقد وعده تشرشل بلقائه في القدس. أدى قرار المؤتمر تأسيس دولة عراقية ومبايعة فيصل ملكاً عليه إلى اتخاذ قرار آخر يعترف بعبد الله أميراً على المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن حيث كان قد فرض نفسه. وقد سيطرت قضية شرقي الأردن على البند المتعلق بفلسطين، ودار محور النقاش حول نقطة واحدة هي وجوب الفصل بين إدارة فلسطين وإدارة شرقي الأردن فلا تكون منطقة شرقي الأردن مشمولة بالنظام الإداري لفلسطين حتى لا تطبق عليها شروط الانتداب وفيها الوطن القومي اليهودي مع الاعتراف بعبد الله أميراً شرعياً على شرقي الأردن يكون مسؤولاً أمام المندوب السامي في القدس. وعلى الرغم من عدم ظهور كلمة “الصهيونية” في جدول أعمال المؤتمر فقد بحث موضوعها فيه. وعد المؤتمر “حكومة صاحب الجلالة” مسؤولة عن إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بموجب شروط الانتداب. وجاء في مذكرة وضعتها دائرة الشرق الأوسط في وزارة المستعمرات البريطانية وقدمتها إلى المؤتمر “أن الإدارة الفلسطينية العامة تلتزم بدقة بشرط الانتداب”. بحث مؤتمر القاهرة في قضايا أخرى تتعلق بفلسطين منها: مستقبل العلاقات بينها وبين الدولة الأجنبية، والجهاز الإداري والسلطات القضائية والمالية في البلاد، وعدد أفراد القوة العسكرية التي يحب أن ترابط فيها وسحب العدد الزائد منها، والعلاقات بين “المجلس الاستشاري” الذي يختار أعضاءه المندوب السامي على أسس تمثيلية و”المجلس التشريعي” الذي يعتزم المندوب السامي إنشاءه في المستقبل القريب. وكانت اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني* الثالث (حيفا، كانون الأول 1920) قد اختارت وفداً يتوجه إلى القاهرة ليعرض على تشرشل ظلامات العرب الفلسطينيين. وقد ترأس الوفد موسى كاظم الحسيني* فاستقبله تشرشل على كره منه ولكنه رفض أن يبحث معه المشكلات السياسية ووعد أعضاء الوفد باستقبالهم في القدس في28/3/1921. وهكذا حددت مقررات مؤتمر القاهرة الخط العام للسياسة الاستعمارية البريطانية في الوطن العربي لسنوات طويلة قادمة ووضعت أساس بناء التجزئة الذي قام على حطام فكرة الوحدة. وقد أدعت بريطانيا أنها قد قامت بالوفاء بتعهداتها لزعماء الحركة العربية أثناء الحرب. وعلق لورنس قائلاً فيما بعد “إن تشرشل قد حقق بتلك الإجراءات وعودنا بنصها وروحها ونفذ تعهدات مكماهون حول فلسطين وشرقي الأردن والجزيرة العربية كلها. وأما فيما بين النهرين فقد مضى إلى أبعد من تلك الوعود، ومنح العرب أكثر، وترك لنا أقل مما رآه السير هنري مكماهون مناسباً”. ثم قال: “يجب أن أعترف بأن انكلترا خرجت من القضية بأيد نظيفة”.   المراجع:   – أنيس صايغ: الهاشميون والثورة العربية، بيروت 1966. – عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت 1970. – خيرية قاسمية (إعداد): عوني عبد الهادي – أوراق خاصة، بيروت 1974. – بوندار يفسكي: سياستان إزاء العالم العربي، موسكو 1975. – وقائع المؤتمر في الوثائق البريطانية تحت رقم 24/126. RPO. Cab – Churchill, W.C.: Great Contemporaires, Glasgow 1962. – Garnett, D. (ed).: Selected Letters of T.E. Lawrence, New York 1939. – Sykes, C.: Cross Road to Israel, London 1965. – Young, H.: The Independent Arab, London 1933.