اللامركزية الإدارية

هو واحد من الأحزاب العربية العلنية التي تكونت قبل الحرب العالمية الأولى بعد أن توضحت سياسة جماعة الاتحاد والترفي* المركزية العنصرية. وقد أنشأ هذا الحزب في القاهرة أواخر سنة 1912 بعض الشباب السوريين المثقفين المقيمين هناك. ومنهم رفيق العظم ورشيد رضا وفؤاد الخطيب ومحب الدين الخطيب وسليم عبد الهادي* وحافظ السعيد* ونايف تلو وعلي النشاشيبي*. حدد برنامج الحزب أهدافه في الدعوة إلى تطبيق اللامركزية الإدارية في الولايات العثمانية العربية والمطالبة بالاصلاح ونقل السلطة إلى السكان المحليين وضمان مركز اللغة العربية في الإدارة والتعليم. أوكل أمر الاشراف على جهاز الحزب إلى لجنة من عشرين عضواً اختيرت من بينهم هيئة إدارية من ستة أعضاء. وكان رئيسها رفيق العظم، وسكرتيرها حقي العظم. وأمين سرها محب الدين الخطيب. وقد أنشئت للحزب فروع في جميع أنحاء سورية (الطبيعية). جرى اتصال وثيق بين حزب اللامركزية والأحزاب والجمعيات السياسية العربية الأخرى في سورية والعراق. وقد نجم عن إلقاء حزب اللامركزية وجمعية العربية الفتاة* السرية في باريس فكرة عرض القضية العربية في الخارج فكان أن عقد في باريس (نيسان 1913) المؤتمر العربي القومي* الأول الذي أكدت قرارته مبادىء حزب اللامركزية. أبدى مثقفو فلسطين وزعماؤها منذ الحركة الاصلاحية اهتمامهم بها لأنها سبيل الوقوف بوجه الأطماع الصهيونية. وقد انتشرت هذه الحركة الاصلاحية في مدن فلسطين بتأثير حرب اللامركزية في القاهرة من جهة وجمعية بيروت الاصلاحية من جهة ثانية. وغدا الخطر الصهيوني وحقوق مواجهته مادة البحث في أوساط المثقفين العرب داخل فلسطين وخارجها، ولا سيما بعد ازدياد النشاط الصهيوني اثر تغير نظام الحكم في الدولة العثمانية سنة 1908. وكان رفيق العظم ورشيد رضا، وهما من مؤسسي حزب اللامركزية، من الذين نبهوا إلى خطر التغلغل الصهيوني في أوساط الحكم العثماني ودانوا تساهل الاتحادين مع الصهيونية. لكن تقدير خطورة المسألة الصهيونية اختلف. فقد كان التخوف من الخطر الصهيوني الشاغل الأساسي للعرب داخل فلسطين لاحتكاكهم به ورؤيته خطراً سياسياً ومادياً هدفه استيطان الأرض تمهيداً لهدف أبعد هو إنشاء الدولة. وأما رأي جماعة حزب اللامركزية فلم يكن بهذا القدر من التخوف من الصهيونية. فقد كان الخطر في نظرها ينحصر في بقاء اليهود على التابعية الأجنبية، الأمر الذي يخلق مشكلات للدولة العثمانية. وفي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية المادية بالدرجة الأولى. ويرجع السبب في ذلك إلى أن معظم رجالات حزب اللامركزية كانوا قد ابتعدوا عن سورية فانقطعت صلتهم المباشرة بما يجري وانصرف معظم هممهم إلى قضية بل الحقوق العربية داخل الدولة العثمانية. ولذلك اكتفى هؤلاء باشتراط أحد ضمانات كافية ضد الأخطار المادية. وتنازل اليهود الأجانب عن جنسياتهم ليتساووا بالمواطنين كخطوة تمهيدية لقبولهم والاستفادة منهم. وقد تطورت هذه الفكرة في أذهان بعض زعماء حزب اللامركزية إلى حد البحث عن حل بالتوصل إلى تفاهم مع الصهيونية. وقد قدم عرض التفاهم في جريدة الأهرام (18/2/1913) على شكل نصيحة مئوية بالانذار للصهيونيين تطالبهم بقطع صلتهم بالاتحاديين مادياً وأدبياً وتدعوهم إلى التفاهم مع “اخوانهم العرب” لأنهم أصحاب البلاد وجيرانهم، و”ولاء الجار القريب أولى من ولاء البعيد القريب”، وإلا فستنشب عداوة تقضي على مصالح الصهيونيين وآمالهم. منذ ذلك التاريخ بدأ حوار مفتوح على صفحات جريدتي الأهرام والمقطم المصريتين. وتمت لقاءات ومحادثات سرية بين قادة حزب اللامركزية والحركة الصهيونية. وبدأ السعي لوضع قواعد أساسية يبنى عليها بين الصهيونيين والعرب بصورة تضمن مصالح ومنافع الطرفين. ويقال في تبرير فكرة الاتفاق ان بعض الزعامات العربية كانت ترى حتمية الصدام بين الاتراك والعرب فرأت من باب “التكتيك” أن تنزع من الأتراك الاتحادين سلاح الصهيونية العالمي وتكسب إلى صفها حلفاء  أقوياء قد يقفون في طريقها أثناء صراعها المقبل مع الأتراك. وقد يكون بعض هؤلاء الزعماء خدع ببريق القدرات الاقتصادية للصهيونية وادعائها أن على العرب إذا أرادوا تطوير بلادهم أن يستعينوا باليهود. وكانت الحركة الصهيونية قبل ذلك قد أغفلت العرب. أما وقد ظهرت أدلة على قيام حركة نهضة عربية فقد اتجهت الصهيونية إلى الحركة الجديدة الناشئة وحولت أنظارها إلى بعض القادة الاصلاحيين ممن لا يرون في الصهيونية الخطر الذي يراه من هم داخل فلسطين. ومال الرأي العام بين أوساط الصهيونيين إلى الاستجابة لعرض التفاهم وتأكيد مصلحة الشعبين. وهكذا سعى الصهيونيين إلى رصد الحركة العربية عن قرب والاتصال المستمر بقادتها. وكان ذلك سبباً في أن يصبح نسيم ملول – وهو يهودي مصري من أصل تونسي انتقل إلى يافا ليعمل في الظاهر مراسلاً لجريدة المقطم وكان في الحقيقة مبعوثاً بمهمة سرية من المنظمة الصهيونية – من العاملين النشيطين في حرب اللامركزية وموضع ثقة القيادات فيه. وللغرض نفسه قام الصهيوني سامي هوغبرغ رئيس تحرير جريدة “جون ترك” كانت النفوذ- وكانت تصدر بالفرنسية في الآستانة وتمولها المنظمة الصهيونية – بزيارة بيروت والقاهرة في أواخر نيسان 1913 للتعرف على الحركة الإصلاحية وموقفها من الصهيونية. وقد أطلعه رفيق العظم على قرار لجنة حزب اللامركزية العليا بشأن حقوق الأقليات في الولايات العربية – وفيهم اليهود – دون تمييز بسبب العرق أو الدين. وبين له موقف الحزب المحتفظ من الاستيطان اليهودي وشروطه لتحديد الهجرة اليهودية ومساحة الأراضي. وقد نجم عن هذه الزيارة اتفاق شفهي تتولى بموجبه “جون ترك” مقالات تؤيد الحركة العربية ويقابلها حزب اللامركزية ودعاة الاصلاح بمقالات تبدد المخاوف من الاستيطان اليهودي وتهيىء الرأي العام العربي للتقارب والتفاهم. ثم أوكلت المنظمة الصهيونية الى هوغبرغ مهمة متابعة المؤتمر العربي الأول الذي دعت لعقده في باريس (1913) اللجنة التنفيذية العليا لحزب اللامركزية بالتنسيق مع جمعية العربية الفتاة* وعلى الرغم من أن المؤتمرين تجاهلوا بحث المسألة الصهيونية أو الهجرة اليهودية فإنه لم يرد أي قرار لصالح استيطان يهودي يرتقي بالأقاليم العربية مادياً ومعنوياً كما كان هوغبرغ والصهيونيون يأملون. ووسط الرفض المطلق للصهيونية في فلسطين تجددت محاولات الاتفاق بين الصهيونيين وحزب اللامركزية بناء على قرار المؤتمر الصهيوني* في فيينا (أيلول 1913)، وجدد زعماء الصهيونيين عرض التفاهم مع كل ما يغلفه من مغريات تقفز فوق نقاط الخلاف الجوهرية وتزعم أن مسألة فلسطين هي جزء من المسألة العربية، وأنه لو اتفق الجانبان على الاستيطان وشراء الأراضي لقدمت الصهيونية مقابل ذلك المساعدات المادية والمعنوية للعرب وتعاونت معهم لعمران فلسطين. وبدأ الاستعداد لعقد مؤتمر مشترك بين زعماء اللامركزية والزعماء الصهيونيين لوضع قواعد الاتفاق. وسعى رجال اللامركزية قبل المؤتمر إلى إظهار قوة حزبهم بكتابة مقالات صحفية تتحدث عن المسألة الصهيونية وسبل دفع خطرها، وللو بالقوة. إذا أخفق الاتفاق، “والكي آخر العلاج”. وكان مقصدهم من أسلوب التهديد والانذار هذا أن يبينوا للصهيونيين قوة الحركة العربية التي يمثلها الحرب لينقادوا إلى عقد اتفاق معه وينصرفوا عن مقاومة الحكومة العثمانية. لكن الموقف داخل فلسطين وخارجها تحول إلى غير صالح المؤتمر المشترك وانتهى إلى رفض مبدأ الاتفاق مع الصهيونية في أية صورة من صورها بعد أن بدا من أعمال الصهيونيين ما يناقص دعوتهم إلى التقارب. وقد وجهت الصحف العربية – ولا سيما صحف فلسطين- اتهاماتها لزعماء اللامركزية. وعبر أقطاب جمعية العربية الفتاة في بيروت عن رفض فكرة الاتفاق حتى دون شروط “لأن حياة الأمم فوق كل نفع مادي”. وحاول رفيق العظم شرح الملابسات التي تحيط بعناية حزب اللامركزية بالمسألة الصهيونية وتعهد بذل جهده لحل المسألة على الوجه الذي ينفع العرب وفلسطين. لم ينعقد المؤتمر المشترك على الرغم من أن جماعة حزب اللامركزية ظلوا يتحسسون عقده ويرون أنه لمصلحة الوطن. ويعود السبب في عدم انعقاده إلى اللجنة الصهيونية التنفيذية التي ترددت في عقده خشية إثارة غضب الأتراك، ولأنها لم تكن تنوي عقد اتفاق مع العرب ولا كان لديها اقتراحات عملية يمكن أن تهدىء مخاوفهم. أصبح التراجع عن الاتفاق واضحاً وقاطعاً. وأخذت الصحف العربية تنشر المقالات التي تبين مقاصد الصهيونيين وأطماعهم التوسعية وما يهدد الشعب العربي من قوتي “الكيد والمال”. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى أصيب أعضاء اللامركزية في سورية (ومنها فلسطين) بضربة شديدة، شأنها في ذلك  شأن سائر الجمعيات والأحزاب العربية التي طالتها سياسة القمع العثمانية. وقد دفع ذلك إلى أن يأخذ حزب اللامركزية اتجاهاً بعده من الدولة العثمانية ويصرفه إلى التفكير في مستقبل البلاد العربية مستقلة بالاعتماد على الجهود الخاصة أو بمساعدة أجنبية. وقد انضم بعض رجال الحزب إلى الشريف حسين بعد اعلان الثورة وظلت المجموعة الكبرى من زعمائه في القاهرة التي كانت مركز نشاطهم خلال الحرب لأنهم كانوا يعارضون السيادة الشريفة. ولكنهم جميعاً شغلوا عن متابعة المسألة الصهيونية. وتمهيداً لإصدار وعد بلفور* جاء مارك سايكس إلى القاهرة (نيسان 1917) ممثلاً لبريطانيا في البلاد الانكليزية – الفرنسية الملحقة بالجنرال أللنبي. وقد اتصل بلجنة من السوريين المقيمين في القاهرة ومعظمهم من جماعة حزب اللامركزية وأطلعها على الخطوط العريضة لاتفاقية سايكس – بيكو* حول سورية وأفهمها أن كل ما يطلبه الصهيونيون هو أن تنضم فلسطين على أساس نظام الملة العثماني، أي الحكم الذاتي. وبدأ سايكس يهيىء الجو لعلاقات عربية –صهيونية. ولكن الزعماء السورين ظلوا يتخوفون من اليهود لأنهم ينوون تولي الحكم وتجريد السكان من الملكية وطردهم تدريجياً. وكانت وجهة نظرهم مبنية على معارضة فصل فلسطين عن سورية ووضعها تحت الاشراف الصهيوني. وعلى معارضة سيادة الشريف حسين. وعلى المطالبة بإنشاء دولة سورية المتكاملة التي تضم فلسطين. وقد حاول سايكس أن يبعد عن أذهانهم فكرة ضم فلسطين إلى سورية بحجة أن الأولى نقطة اهتمام عالمي من أتباع الديانات السماوية الثلاث – وأن دولة سورية ناشئة لا تستطيع التغلب على المشكلات الفلسطينية. وقد قدم هؤلاء الزعماء السوريون مذكرة إلى مندوب الحكومة البريطانية في القاهرة (29/3/1918) اقترحوا فيها الخطوط الرئيسة التي يمكن أن تقوم عليها سياسة التحالف والتفاهم المتبادل ودرسوا جميع احتمالات الخطر وبينوا الضمانات الكافية لسلامة أهل البلاد. حدث شيء من التحول وخفت حدة المعارضة المتصلبة من قبل زعماء حزب اللامركزية. وقد سعت بريطانيا تذليلاً للصعاب إلى إرسال لجنة سورية تألفت من رفيق العظم وسليمان ناصيف ومختار الصلح وصلت إلى يافا في 19/5/1918 لللتأثير على الشعب الفلسطيني والتعارف على أحواله السياسية والاقتصادية وإزالة التخوف الطبيعي الذي يشعر به السكان من الأهداف الصهيونية. وتمكن الموقف داخل فلسطين ظل على حاله. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الأتراك وإعلان الحكومة العربية في دمشق أصبحت هذه مركزاً للفكرة الاستقلالية ويقظة الشعور القومي. والتحق كثير من العاملين في الحركة العربية قبل الثورة، وفيهم أفراد من جماعة حزب اللامركزية كرشيد رضا ومحب الدين الخطيب. بالحكومة الجديدة في دمشق. وعطف الزعماء السوريون الباقون في مصر هذه الحكومة ورأوا في استقلال سورية فجراً قومياً. وقد شكل هؤلاء السوريون تنظيمات سياسية كانت امتدادا لتنظيمات ما قبل الثورة العربية. كما تشكلت داخل سورية تنظيمات سياسية أخرى أهمها حزب “الاتحاد السوري”، وكان رئيسه ميشيل لطف الله ووكيله رشيد رضا. ويتبين من منهاجه واشتراك فريق من زعماء وأعضاء حزب اللامركزية السابق فيه أنهم ظلوا في نشاطهم الجديد متأثرين بأفكار حزبهم القديم. ولكن بعد أن كان الحزب القديم يهدف إلى استقلال البلاد العربية ووجدتها تحول إلى فكرة إيجاد سورية المستقلة عن الحجاز.   المراجع: خيرية قاسمية: النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداه 1908 – بيروت 1973. محب الدين الخطيب: المؤتمر العربي الأول: القاهرة 1913. مجموعة أوراق محب الدين الخطيب الشخصية. نسيم ملول: سورية ومصر – مجموعة مقالات نشرت في جريدة النصير”، بيروت 1913. أوراق الكتاب العربي في القاهرة Arab Bureau Papers 1916-1918، ومجلة Arab Bulletin  وهي مصنفة في وثائق وزارة الخارجية البريطانية تحت رقم O.882. G.: The Arab Awakening, London 1939. A.: Israel and the Arab World. London 1970.   لودر ميلك (مشروع -): رَ: الأردن (استثمار مياه نهر – وروافده)