الإصلاح

مؤسسة في عام 1934 هو الدكتور حسين فخري الخالدي* الذي كان  موظفاً في دائرة الصحة العامة في فلسطين أيام الانتداب. وفي عام 1928 شغل منصب كبير الأطباء في الدائرة المذكورة. وكان يتحلى بروح وطنية قوية. وفي سنة 1929 وقع حادث سياسي بعيد المدى رفع الدكتور خالدي إلى مركز الصفوة الممتازة من الموظفين، وأوجد تقارباً ملموساً بينه وبين الجبهة الوطنية. ففي 23 آب من ذاك العام نشبت في القدس* الثورة التي عرفت بثورة البراق (رَ: ثورة 1929)، واستمرت أكثر من أسبوع وعمت سائر أنحاء فلسطين، وبصورة خاصة مدينتي الخليل* وصفد* حيث وقعت اصطدامات مسلحة عنيفة بين العرب واليهود. وزعم الانكليز والصهيونيون أن أهل مدينة الخليل مثلوا بجثث اليهود الذين قتلوا في الثورة. وتركت هذه الدعاية رد فعل سيء ضد العرب في الخارج، فطلب الحاج محمد أمين الحسيني* واللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني* السابع إجراء تحقيق رسمي في هذا الموضوع ونبش القبور وإخراج جثث القتلى اليهود للمعاينة والتحقيق. ولكن الحكومة البريطانية، ومن خلفها الوكالة اليهودية*، عارضت هذا الطلب بقوة. ظل الوطنيون يصرون على تحقيق مطلبهم هذا، فأمر الدكتور حسين فخري الخالدي رئيس الأطباء في دائرة الصحة العامة آنذاك، بإجراء التحقيق متحدياً بذلك الحكومة نفسها، وعين لجنة من الأطباء العرب البريطانيين للقيام بهذه المهمة. وعند إتمام مهمتها ومعاينة الجثث أصدرت اللجنة المذكورة بياناً رسمياً نفت فيه اتهامات البريطانية واليهود، وأكدت أنه لم يجر أي تشويه أو تمثيل بأي من القتلى الصهيونيين. فغضب البريطانيون واليهود على الخالدي لهذا الموقف المشرف، وشنوا عليه حملات مضللة قاسية، ولكنه لم يكترث لموقفهم في حين سارع زعماء الجبهة الوطنية في البلاد إلى الإعراب عن شكرهم وتقديرهم للدكتور الخالدي. ونتيجة لهذا الموقف الممتاز الذي وقفه الخالدي ازداد التقارب بينه وبين الوطنيين، وانطلق الدكتور الخالدي يسدي ما يستطيع من الخدمات والمساعدات للحركة الوطنية. وفي عام 1934 قررت الحكومة البريطانية إجراء انتخابات عامة للمجالس البلدية في فلسطين، واتجهت أنظار العرب واليهود على السواء، فضلاً عن الحكومة، إلى مدينة القدس حيث كانت معركة الانتخابات البلدية أشد عنفاً وضراوة من أية معركة انتخابات بلدية أخرى في فلسطين، لأن الحكومة واليهود كانوا حريصين على فوز راغب النشاشيبي* في الانتخابات وبقائه رئيساً للبلدية في حين كان الوطنيون يركزون معظم جهودهم لإسقاط راغب النشاشيبي (زعيم المعارضة) في الانتخابات وانتزاع رئاسة بلدية القدس منه لأنه جعل من مجلس بلدية القدس أداة فعالة لمناهضة الحركة الوطنية ومقاومة المجلس الإسلامي*، ولأنه كان يعمل باستمرار على عرقلة جهود الحركة الوطنية وإحباط العديد من المخططات المرسومة لمقاومة الحكم البريطاني. ولما بدأت معركة انتخابات بلدية القدس تباحث زعماء الوطنيين في أمر اختيار الشخص الذي يرشحونه لمنافسة راغب النشاشيبي، وقرروا ترشيح الدكتور الخالدي الذي نزل عند رغبتهم واستقال من وظيفته. وبعد معركة انتخابية عنيفة وقف فيها البريطانيون والمعارضون إلى جانب النشاشيبي، والوطنيون إلى جانب الخالدي، فاز الدكتور الخالدي على النشاشيبي. كان الدكتور الخالدي حريصاً على أن يظهر أمام الشعب بأنه محايد ومستقل وغير تابع لأي حزب أو زعيم. ومن هنا اتجه تفكيره إلى إنشاء حزب يكون هو زعيمه وقائده، ويكون قادراً على الصمود في وجه المقاومة المنتظرة من مناهضيه، خاصة أن منافسه راغب النشاشيبي شكل حزب الدفاع الوطني*. فأسرع الخالدي إلى تأسيس حزب الإصلاح الذي انضم إلى عضويته عدد من الأعيان والوجهاء، مما جعل بعض الناس يصفونه بحزب الأعيان. وكان من أبرز الأشخاص الذين تشكلت منهم لجنة الحزب المركزية: إسحق البديري (القدس) محمود أبو خضرا (يافا) حسني خليفة (عكا) عيسى البندك (بيت لحم) سعد الدين الخليلي (القدس). تولى الدكتور الخالدي زعامة الحزب في نفس الوقت الذي كان يتولى فيه رئاسة البلدية، الأمر الذي أثار موجة من الحملات الصهيونية والبريطانية ضده. ولم يكن البريطانيون واليهود يخشون حزب الإصلاح، أو نفوذه، فقد كان من أحزاب الأقلية المحدودة، ولكنهم كانوا يمهدون السبيل يومئذ لجعل رئيس بلدية القدس يهودياً. وذكرت حكومة الانتداب في فلسطين في تقاريرها المرفوعة إلى لجنة الانتدابات الدائمة في عصبة الأمم* وإلى الحكومة البريطانية في لندن أن الحزب العربي الفلسطيني* هو أكبر حزب في البلاد، ويليه في القوة والنفوذ حزب الدفاع الوطني. أما سائر الأحزاب ومنها حزب الإصلاح فهي أحزاب أقلية. وعندما تشكلت اللجنة العربية العليا لفلسطين* في ربيع 1936 برئاسة الحاج أمين الحسيني، انضم الدكتور الخالدي إلى عضويتها لأنه رئيس حزب. وأخلص الخالدي في العمل الوطني ووقف في جميع الظروف والمناسبات إلى جانب الجبهة الوطنية. ولما ضاق اليهود والبريطانيون ذرعاً بالحركة الوطنية وزعمائها، وباللجنة العربية العليا لفلسطين وصمودها في وجه المؤامرة المبيتة ضد فلسطين، أقدمت الحكومة البريطانية في تشرين الأول 1937 بحجج واهية على حل المجلس الإسلامي الأعلى واللجنة المذكورة واللجان القومية*، وألقت القبض على الدكتور حسين الخالدي وأحمد حلمي عبد الباقي* وفؤاد سابا ويعقوب الغصين* ورشيد الحاج إبراهيم* وأبعدتهم إلى سيشل. وفي أواخر عام 1938 أفرجت السلطات البريطانية عن المبعدين المذكورين. وعاد الدكتور الخالدي إلى بيروت. ولما تقرر عقد مؤتمر المائدة المستديرة بين العرب وبريطانيا في لندن انتخب الخالدي عضواً في الوفد الفلسطيني (رَ: مؤتمر 1939). وانتهى المؤتمر المذكور في صيف 1939 إلى الفشل بسبب السياسة البريطانية والنفوذ الصهيوني العالمي، فعاد الخالدي إلى بيروت وآثر البقاء فيها إثر نشوب الحرب العالمية الثانية. وعندما أضحت الظروف العامة في فلسطين تسمح باستئناف النشاط السياسي عاد الخالدي إلى الوطن، واستأنف في عام 1943 جهوده السياسية، وأعاد تشكيل حزب الإصلاح وتنشيطه. ولعب الخالدي دوراً كبيراً وفعالاً في تحقيق هدف الفلسطينيين باشتراك وفد عنهم في اجتماعات اللجنة التحضيرية لإنشاء جامعة الدول العربية. وكان للخالدي فضل كبير في هتك الستار عن المؤامرات التي كانت تحاك ضد قضية فلسطين في 1943/ 1944، وتصدى بجرأة وشجاعة لمشروع المكاتب العربية*. ظل حزب الإصلاح قائماً حتى حزيران 1946 عندما تم إنشاء الهيئة العربية العليا لفلسطين* واختير الخالدي عضواً فيها، فقد أوقفت جميع الأحزاب الفلسطينية نشاطها وأعمالها مع إنشاء الهيئة ولم يعد أي منها إلى العمل بعد هذا التاريخ. وتجدر الإشارة إلى أن حسين فخري الخالدي كان الوحيد من أعضاء الهيئة الذي بقي في فلسطين في أعقاب قرار التقسيم (رَ: تقسيم فلسطين).   المراجع: – مذكرات حسين فخري الخالدي، مخطوط من 7 أجزاء محفوظة في مكتبة مركز الأبحاث لمنظمة التحرير الفلسطينية.