محمود بن زنكي

الملك العادل نور الدين الشهيد. أبوه الملك المنصور عماد الدين زنكي بن آق سنقر مؤسس الدولة الأتابكية التركمانية (521-631هـ). خلف أباه في حكم حلب سنة 541هـ/1146م وكان في التاسعة والعشرين من عمره فأظهر من العقل وبعد النظر والكفاية ما يفوق سنه. وقد وضع نور الدين محمود من أول الأمر سياسة تهدف الى تكوين جبهة اسلامية يطوق بها الصليبيين، ولا سيما في فلسطين، تمهيداً لزعزعة كيانهم. ولم يتردد في تقديم المعونة للعين الدين أنر* عندما هاجم الصليبيون مدينة دمشق سنة 543هـ/1148م في الحملة الصليبية الثانية. على أن سياسة حكم دمشق عندئذ في مصانعة الفرنجة* حينا ومحالفتهم أحياناً جعلت نور الدين يتصرف بحذر ولا يغامر بقواته جنوباً في مشاريع مجهولة العواقب، ولا سيما أنه كان عليه أن يواجه أخطاراً من جانب الصليبيين في أنطاكية وطرابلس. ومن جانب بعض القوى الاسلامية وغير الاسلامية في اقليم الجزيرة، فضلاً عن سلاجقة الروم في آسيا الصغرى. ويجمع المؤرخون المعاصرون على أن نور الدين كان تواقاً للحد من نشاط الصليبيين في فلسطين وكف أيديهم عن التوسع والعدوان على أهلها المسلمين، ولكن حكام دمشق كانوا حائلاً بينه وبين ذلك. ويقول المؤرخ ابن واصل في ذلك “وكان نور الدين لما نزل العدو(الصليبيون) عسقلان سنة 547هـ/1152م يتأسف اذ لا يمكنه الوصول اليهم ودفعهم عنها بسبب توسط دمشق بينه وبينهم”. أما النويري فيقول: ان نور الدين محمودا لم يستطع مهاجمة الصليبيين عندما غزوا عسقلان سنة 548هـ/1153م “لأن دمشق تحول بينه وبينهم”. وعندما أدرك نور الدين محمود أن دمشق دخلت فعلاً تحت حماية الصليبيين نتيجة لسياسة حكامها خطط للاستيلاء عليها، وتم له ذلك سنة 549هـ/1154م. وبذلك غدا نور الدين محمود في مواجهة مباشرة مع الصليبيين في فلسطين. بدأ الاحتكاك المباشر بين نور الدين محمود والفرنجة في فلسطين سنة 552ه/1157م. وحدث في تلك السنة أن هاجم الصليبيون جماعة من الرعاة التركمان المسلمين كانوا يقومون برعي ماشيتهم وخيولهم وجمالهم في اقليم الأردن حول بانياس. وغدروا بهم ليعملوا فيهم السيف فقتل منهم من قتل وأسر من أسر، “واستاقوا جميع ما وجدوه، وأفقروا أهله منه، مع ما أسروه من تركمان وغيرهم، وعادوا غانمين آثمين” على قول ابن القلانسي. وما كاد نور الدين محمود يسمع بما فعله الصليبيون حتى خرج لمحاصرة بانياس سنة 552هـ/1157م بعد أن أمر أسد الدين شيركوه بأن يسبقه على رأس قوة استطلاعية ليوهم الصليبيين بأن الجيش الاسلامي المهاجم لا يتعدى تلك القوة الصغيرة. ثم انقضت قوات نور الدين محمود على العدو “فتحكمت من رؤوسهم ورقابهم مرهفات السيوف” ولم يستطع الفرار منه سوى القليل حتى “صاروا بأجمعهم بين قتيل وجريح ومسلوب وأسير”، في حين لاذ ملكهم بغدوين الثالث نفسه بالفرار إلى صفد*. ولم يلبث هذا النصر أن قوى عزيمة رجال نور الدين محمود وفت في عضد الصليبيين فاشتد الحصار على بانياس حتى سقطت في يد نور الدين محمود في أيار من السنة نفسها. واذا كان الفرنجة قد استردوا بانياس بعد قليل منتهزين فرصة مرض أصاب نور الدين من ناحية، وزلزال مدمر خرب الكثير من تحصينات مدن شمال الشام من ناحية أخرى، فضلاً عن هجمات سلاجقة الروم على حلب من ناحية ثالثة، فان نور الدين محموداً لم يلبث أن أفاق من هذه الأخطار كلها ليتفرغ للفرنجة في فلسطين وينتقم منهم. وأمر قائده أسد الدين شيركوه بالاغارة على منطقة صيدا سنة 553هـ/1158م، وقتل المسلمون كثيراً من الصليبيين في هذه الاغارة وعادوا بالأسرى والغنائم. وبعد ذلك اصطحب نور الدين قائده شيركوه للقيام بحملة على اقليم الجليل جنوبي بانياس. ولكن يبدو أن الفرنجة كانوا أكثر استعدادا فدارت المعركة بين نور الدين محمود وبغدوين الثالث قرب مصب نهر الأردن* وبحيرة طبرية* وانتصر الصليبيون واستطاعوا أن يأخذوا اقليم السواد من المسلمين. أدرك نور الدين محمود أن الحل الفعال لخنق الفرنجة في فلسطين وتحرير أراضيها لا يكون الا بالاستيلاء على مصر. الأمر الذي يؤدي إلى وقوع مملكة الفرنجة في بيت المقدس بين شقي الرحى فتصبح محصورة بين قوات نور الدين محمود في دمشق ومصر (ر: القدس، مملكة – اللاتينية). وشجع نور الدين محمود على تنفيذ هذه الفكرة أن الملك آموري ملك الصليبيين في بيت المقدس تجرأ على غزو مصر سنة 559هـ/1163م منتهزا فرصة تدهور الخلافة الفاطمية وسوء أوضاعها، مما أنذر بخطر جسيم يهدد الكيان الاسلامي بأكمله في منطقة الشرق الأدنى. ولذلك ما كاد بعض المتنافسين على منصب الوزارة في مصر يستنجد بنور الدين محمود طالبا مساعدته على خصومه حتى بادر بارسال ثلاث حملات متتالية بقيادة شيركوه إلى مصر، وانتهى الأمر – بعد صراع مع الصليبيين على أرض مصر- بفوز شيركوه سنة 565هـ/1169م. وفي الوقت الذي كان شيركوه يصارع آموري ملك الصليبيين على ارض مصر، دأب نور الدين محمود على مهاجمة ممتلكات الصليبيين في فلسطين ليجبر الملك الصليبي على الانسحاب من مصر والتفرغ للدفاع عن الأراضي والمدن التي احتلها الصليبيون في فلسطين. ولم يلبث أن اختار الخليفة الفاطمي العاضد بالله العبيدي القائد شيركوه وزيرا له سنة 565هـ/1169، حتى اذا ما توفي بعد شهرين خلفه في منصبه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي* الذي رافق عمه في حملاته الثلاث على مصر. ولا شك في أن استيلاء نور الدين محمود على مصر جعل الصليبيين في فلسطين يحسون فعلا بأنهم باتوا مطوقين بقوات نور الدين من الشمال والجنوب فرسموا خطة بالاشتراك مع امبراطور الروم في القسطنطينية لغزو مصر، وخرجت أساطيلهم من عكا سنة 565هـ/ 1169م لمهاجمة دمياط في الوقت الذي خرجت جيوشهم البرية وزحفت إلى دمياط عن طريق عسقلان والفرما (مدينة مصرية ساحلية) لتحكم الحصار على المدينة براً وبحراً. ولكن نور الدين محموداً لم يقف مكتوف اليدين بل أرسل امدادات سريعة إلى تابعه صلاح الدين الأيوبي في الوقت الذي زاد هجماته على ممتلكات الصليبيين في فلسطين فرفعوا الحصار عن دمياط وعادوا إلى عسقلان خائبين ليجدوا نور الدين قد خرب أملاكهم في فلسطين ونهبها، حتى شبههم المؤرخ ابن الأثير بالنعامة التي خرجت تطلب قرنين فرجعت بلا أذنين. على أن الأمر الذي أزعج نور الدين فعلا في تلك المرحلة هو سيطرة الفرنجة على الأردن ووادي عربة* بما فيهما من حصون كالكرك والشوبك، الأمر الذي مكنهم من التحكم في صحراء النقب* بين البحر الميت* والبحر الأحمر وامتلاك  أيلة على خليج العقبة* لأن الفرنجة اتخذوا يهددون نتيجة لذلك طوق المواصلات البرية بين شطري دولة نور الدين محمود في الشام ومصر. ولذا أخذ نور الدين منذ سنة 566هـ/1170م يبذل جهوده للاستيلاء على حصني الكرك والشوبك، وشن عليهما عدة هجمات سنة 566هـ/1170م وسنة 567هـ/1171م وسنة 568هـ/1172م، ولكن الموت لم يهمله للاستيلاء عليهما. اذ توفي سنة 569هـ/1174م بعلة الخوانيق فدفن في مدرسة “دار الحديث النورية” في سوق الخواصين بدمشق. وهي أول دار بنيت للحديث كما يقول ابن الأثير.   المراجع:   أبو شامة: أزهار الروضتين في أخبار الدولتين، القاهرة 1287هـ. ابن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، القاهرة 1965. عماد الدين الكاتب: النفح القسي في الفتح القدسي، القاهرة 1327هـ. سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية، القاهرة 1963. ابن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، القاهرة 1317هـ. وليم موير: تاريخ دولة المماليك في مصر (مترجم)، القاهرة 1289.