محمد بن نصر بن الصغير

أبو عبد الله شرف الدين عدة المعالي ابن القيسراني الخالدي المخزومي، ولد في عكا* ونشأ في قيسارية* الساحل. وكان البلدان من ثغور الفاطميين* الهامة في جنوب الشام. ثم غادر فلسطين مع أسرته حين سقطت بيد الفرنجة* سنة 493هـ/1099م وما بعدها ونزل حلب فترة فأخذ فيها الحديث. ويبدو أنها لم ترقه لاضطراب أمورها في عهد رضوان بن تتش السلجوقي ومن جاء بعده من أولاده ومماليكه (رَ: السلجوقيون)، فقصد دمشق التي كانت أكثر استقراراً ونضالاً للفرنجة تحت حكم الأتابك طغتكين*. ولعله كان يريد أن يتمرس بالشعر على يدي الشاعر أبي محمد عبد الله بن الخياط (المتوفى سنة 517هـ) وكان أشهر شعراء الشام في تلك الفترة. وهكذا قرأ الأدب في دمشق على توفيق بن محمد ولزم ابن الخياط سنوات طوالاً. وهو الذي جمع ديوانه ورتبه ورواه وأخذ عليه خطة سنة وفاته بأنه النسخة المعتمدة (والديوان موجود براوية ابن القيسراني، وقد طبع). ويبدو ان الرجل كان بجانب ولعه بالشعر وقوله واجادته حافظاً للأخبار والتواريخ ولوعاً بعلم الهيئة والنجوم والهندسة والحساب وعلم الحيل (الميكانيكا). ولا يعلم أين درسها ولا على من درس. وكان على الباب الشرقي من الجامع الأموي (باب جيرون) ساعات مركبة فتولى ابن القيسراني ادارتها بجانب عمله في الحديث وفي الشعر. وقد سمع منه الحافظان ابن عساكر والسمعاني، كما اشتهر شعره بين الناس. ويبدو أنه قضى في دمشق زمناً لا يقل عن عشرين سنة، حتى تملك البلد سنة 526هـ اسماعيل بن بوري (حفيد طغتكين) المعروف بشمس الملوك، فما لبث أن ظهرت عليه أمارات الوسواس العقلي والطغيان والهوس فشاع بين الناس بغضه والتشنيع عليه واشترك ابن القيسراني معهم بشعره. وبلغ الملك أنه هجاه فطلبه فاستتر وهرب بأيدي مماليك أمه وبآمرها سنة 529هـ بينما كان ابن القيسراني قد استقر في حلب لدى صاحبها الأتابك عماد الدين زنكي. وفي حلب دخل المنافسة القاسية مع أحمد بن منير الطرابلسي شاعر الشام الآخر في ذلك العصر وكان على التشيع. فجرت بينهما نقائض ووقائع وملح ونوادر كثيرة شغلت الجو الأدبي كله في الشام في تلك الفترة. وفشلت محاولات اصلاح ذات بينهما. وحين خلف نور الدين محمود بن زنكي* أباه في حلب أنشد ابن القيسراني الكثير بمدحه ومدح بعض رجاله. وكان نور الدين يعمل على ضم دمشق إلى أملاكه ليوح جبهة المسلمين أمام الفرنجة، في حين كان مجير الدين ابق بن محمد بن بوري صاحب دمشق يهادنهم. وأراد أبق أن يستعير شيئاً من شاعرية ابن القيسراني لتقوية موقفه أمام الناس فبعث إليه، وكان في السبعين، يستدعيه إلى دمشق فجاءها سنة 548هـ/1153م وأنشده في مجلسه قصائد مدحه فيها. وأخذ صلاته. ولكنه ما كاد يعود إلى منزله حتى عرفت له حمى حادة ولم تمهله فقضى ودفن في دمشق. وفي السنة التالية دخلت هذه المدينة في حوزة نور الدين.   المراجع:   أبو شامة: أزهار الروضتين في أخبار الدولتين، القاهرة 1956-1962. سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان، حيدر آباد، لا.ت. أبو العماد الأصبهاني: خريدة القصر، دمشق 1955-1959. ابن  خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، القاهرة 1948. ابن الفلاسي: ذيل تاريخ دمشق، بيروت 1908. ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، القاهرة 1931. الذهبي: العبر في أخبار البشر، الكويت 1960-1963. ياقوت: معجم الأدباء، القاهرة 1936-1938. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة 1929-1972.