محمد بن طاهر بن علي

هو الحافظ أبو الفضل ابن القيسراني المقدسي الشيباني. ولد في القدس* وعاش عصراً من أشد العصور الإسلامية قلقاً. فيوم ولد كانت القدس تابعة للخليفة الفاطمي بالقاهرة (رَ: الفاطميون)، ولكن الشام كله كان مسحوقاً بالفتن وتوالي النكبات الطبيعية والأوبئة والقحط، واستمر كذلك سنين طويلة. وكان ابن القيسراني في ذلك الحين لا يزال في فتوته الأولى بين الثانية عشرة والسادسة عشرة، وقد بدأ يسمح الحديث حين شهد توغل الأتراك الغز في جنوب الشام واستيلاءهم على البلاد وانهاءهم الحكم الفاطمي في القدس سنة 465هـ/1072م وإعادتهم الخطبة فيه إلى الخليفة العباسي في بغداد على يدأتسز أوق الخوارزمي*. وبعد سنتين كان ابن القيسراني في بغداد يتابع الدراسة فيها بادئاً بذلك سنوات طويلة من الرحلة في طلب العلم والحديث لم يدع خلالها بلداً فيه محدث إلا قصده، في مصر والاسكندرية وتنيس ومكة والقدس ودمشق والثغور والجزيرة والعراق وجبال فارس وهمدان وأصبهان وجرجان وخراسان. و “ما رحل أحد في عصر مثل رحلته”، حتى انه أحد عن عامة مشايخ عصره. وقد كانت الرحلة في طلب العلم هي عادة العصر فبذل ابن القيسراني في ذلك الجهد المضني. ويقول عن نفسه: “وما ركبت دابة قط في طلب الحديث، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وأعيش على ما يأتيني من غير سؤال. وقد نلت الدم مرتين في طلب الحديث مرة ببغداد ومرة بمكة. ذلك أني كنت أمشي حافياً في حر الهواجر بهما فلحقني ذلك”. وكان سريع القراءة والنسخ والمشي، حسن الخط سريع الحفظ، جلداً على السفر الطويل (حج مرات كثيرة على قدميه) فأعانه ذلك كله على سعة التحصيل. كما كان يميل الى التصوف ويعرف أخبار الصوفية، فكان يكتفي بأن يرتزق بالوراقة. وهو يروي أنه كتب بخطه للناس صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود سبع مرات، وسنن ابن ماجة عشر مرات، عدا غيرها من المؤلفات. وكان إلى هذا كله يعمل في التأليف. وقائمة مؤلفاته تبلغ اثنين وسبعين كتاباً معظمها في أمور الحديث وبعضها في التاريخ كما كان شاعراً متوسط الشعر. وبين أخباره بعض الصبوات، كما أن بعض الحفاظ المعاصرين كابن عساكر وأبي عبد الله الدقاق وابن ناصر كانوا لا يثقون به. عاش ابن القيسراني عصر ملكشاه السلجوقي ووزيره نظام الملك، وهو العصر الذهبي للسلاجقة (راجع السلجوقيون). وكانت القدس في هذه الفترة في يد الملك تنش شقيق ملكشاه صاحب جنوبي الشام. ويبدو أن ابن القسراني لم يستطع العودة إلى بلاده التي نكبت منذ سنة 493هـ بالغزو الصليبي واحتلال القدس وما رافقه من المذابح (رَ: الفرنجة) فبقي الرجل في فارس والعراق بعد ذلك حتى توفي في بغداد. من كتبه المطبوعة: كتاب “الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط والضبط” (تحقيق دي يونغ، ليدن سنة 1865).   المراجع:   ابن خلكان: وفيات الأعيان، القاهرة 1948. الذهبي: تذكرة الحفاظ، حيدر آباد 1324هـ. الذهبي: كتاب العبر في أخبار البشر، الكويت 1960-1963. ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، القاهرة 1931.   محمد الطيب: رَ: محمد بن التافلاتي