محمد بن ادريس الشافعي

أبو عبد الله محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع الطلبي، وأمه فاطمة بنت عبد الله بن الحسن بن علي أبي طالب، وهي يمانية الأصل من الأزد من جهة أبيها. وهو بهذا ذو نسب شريف يلتقي فيه مع الرسول صلى الله عليه وسلم عند عبد مناف. ولد في غزة* عام 150ه. ثم رحلت به أمه إلى أقاربه في مكة بعد سنتين من ميلاده، وعنيت بتعليمه، حيث حفظ القرآن وهو ابن عشر، وارسلته  أمه إلى قبيلة هذيل لاكسابه الفصاحة والبيان وتعلم اللغة. وشب على حب الرماية والعلم، وكان الشافعي عالماً موسوعياً وكان شاعراً مجيداً ورواية يحفظ زهاء عشرة آلاف بيت من أشعار هذيل حتى قال الأصمعي “صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن ادريس الشافعي” وله ديوان شعر معروف. نبغ في التفسير وله فيه كتاب “أحكام القرآن”. كان له اهتمام بالعلوم الرياضية والطبية، وكان يقول: “العلم علمان: علم الدين وهو الفقه وعلم الدنيا وهو الطب”. وقال حرمالة: “كان الشافعي يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب ويقول: ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى”. أما الفقه فكان كما وصفه الحميدي “سيد الفقهاء” ويكفي أنه أحد الأئمة الأربعة المشهورين. وهو مؤسس علم الفقه حتى قيل: “ان نسبة الشافعي إلى علم أصول الفقه كنسبة أرسطوطاليس الحكيم إلى المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض. وأما في الحديث فقد كان محققاً مدققاً. شغلت مناقب الامام الشافعي جمهرة كبيرة من العظماء فوضعوا فيها مصنفات كثيرة بلغت أربعين كتاباً منها مناقب الشافعي للأصفهاني (270هـ/883م) وابن عرفة (323هـ-925م) والصاحب بن عباد (385هـ-995م) والسرخسي (414هـ-1023م) والبيهقي (458هـ-1066م) وامام الحرمين الجويني (478هـ-1085م) وابن كثير الدمشقي (774هـ-1372م). عرف عن الشافعي زهده واجتهاده في الطاعات، وسخاؤه حتى كان قلما يمسك شيئاً، وبحرصه على العلم حرص الجموع المنوع على المال، وعرف بالوقار وعزة النفس، وهو القائل: أنا ان عشت لست أعدم قوتا           واذا مت لست اعدم قبرا همتي همة الملوك ونفسي              نفس حر ترى المذلة كفرا كما عرف عنه الفصاحة والبيان حتى وصفه ابن راهوية بأنه “خطيب العلماء” وهو شديد الأنصاف لأرباب المذاهب الأخرى وكأبي حنيفة ومالك فهو يقول: “الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة” ويقول: “اذا ذكر الاسناد فمالك النجم”. ومع ذلك فهو لا يجد حرجا في مخالفة أستاذه لامام مالك، وقد ضمن خلافه هذا في كتاب أسماه “اختلاف مالك والشافعي”. كما وضع كتاباً آخر بعنوان “كتاب الرد على محمد بن الحسن” وضمنها كتابه “الأم”. كما أنه لا يجد حرجاً في عدوله عن رأي إلى آخر اذا قامت الحجة فيه. والشافعي وفي لمسقط رأسه في غزة اذ يقول: واني لمشتاق الى ارض غزة           وان جاني بعد التفرق كتماني سعى الله أرضا لو ظفرت بتربتها             كحلت بها من شدة الشوق أجفاني وكان قد جاء إلى بيت المقدس وأحرم منه إلى مكة، ولم يعرف عن أحد من الأئمة الأربعة زار بيت المقدس عيره. يبدو أن ذكاء الشافعي مقروناً بنسبة القرشي الرفيع قد أوغر عليه صدور بعض الحاسدين، فكادوا له من خلال اتهامه بالتشجيع في أثناء عمله في اليمن، حتى حمل إلى بغداد وحوكم أمام الرشيد عام 184هـ (800م). ولكنه استطاع بحنكته وذكائه تبرئة نفسه مما اتهم به، مستفيداً من تزكية محمد بن الحسن له. وهو يتحدث عن هذه المسألة فيقول: أن كان رفضا حب آل محمد           فليشهد الثقلان أني رافضي ويقول : اذا نحن فضلنا  عليا فاننا                      روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل            وفضل أبي بكر اذا ما ذكرته                     رميت بنصب عند ذكري للفضل فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما                 أدين به حتى أوسد في الرمل حدد الشافعي أصول مذهبه فقال: الأصل قرآن وسنة، فان لم يكن فليس عليهما، وإذا صح الحديث فهو سنة، والاجماع أكبر من الحديث المنفرد، والحديث على ظاهره، واذا احتمال الحديث معاني فما أشبه ظاهره، وليس المنقطع بشيء ما عدا ابن المسبب”. والمقصود بالمنقطع هذا الحديث المرسل. أما المصدران الأولان، وهما القرآن والسنة، فيقول فيهما: كل العلوم سوى القرآن مشغلة                 الا الحديث والا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا                     وما سوى ذاك وسواس الشياطين وقد لقب الشافعي في بغداد بناصر الحديث. وقد صح عنه قوله: “اذا صح عندكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا قولي” وهو لا يقبل خبر الآحاد الا بشروط منها أن يكون راوية ثقة في دينه. عاقلا لما يحدث، إلا يحدث به على المعنى، بريئاً من التدليس. أما الإجماع فهو عند حجة على كل شيء لأنه لا يمكن فيه الخطأ، وهو لا  يعتد بأجماع أهل المدينة. وأما القياس عنده فمكافىء لمفهوم الاجتهاد، ولم يخرج عنه إلى ما أسماه أبو حنيفة بالاستحسان، أو ما أسماه مالك بالمصالح المرسلة. لقد رفع الشافعي عقيرته بانكار الاستحسان ووضع كتاباً في أبطاله قائلاً إن من استحسن فقد شرع. لقد تجلت عظمة الشافعي في أنه استطاع التأليف بن مدرستي الحديث والرأي بالرغم من حالة الجفاء التي كانت سائدة بين أنصارهما، ولذا كان أثيراً لدى اتباعهما. أشهر كتب الشافعي: كتاب الام، والرسالة، وأحكام القرآن، والمسند، وديوان شعر. ولقد اخضع الشافعي كتبه الفقهية لمراجعة بعد ذهابه إلى مصر عام 199هـ (814م) والاستقرار فيها، وعرفت آراؤه الفقهية هناك بالمذهب الجديد، وهو المذهب الذي رواده عنه الربيع بن سليمان المرادي. وبذا أسدل الستار على مذهبه القديم في العراق، وهو الذي رواده عنه الزعفراني وقال: “لا أجعل في حل من روى عني كتابي البغدادي”. وقد انتشر مذهب الشافعي في مصر وبلاد الشام على وجه الخصوص معتمداً على نشاط أتباعه، خلافاً لمذهب أبي حنيفة الذي حظي بدعم الدولة العثمانية. ومذهب مالك الذي حظي بدعم دولة الآدارسة في الشمال الأفريقي.   المراجع:                                                                                                              – أبو نعيم الاصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،بيروت، دار الفكر. – ابن كثير: البداية والنهاية، بيروت، مكتبة المعارف ط2.1977م. – البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين، بيان خطأ من أخطأ على الشافعي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1.1983. – الشافعي: كتاب الام- كتاب الشعب. – الشافعي: كتاب الرسالة – بيروت – دار الكتب العلمية. – شمس الدين الذهبي: سير أعلام النبلاء، بيروت مؤسسة الرسالة، ط4.1986.       – فخر الدين الرازي مناقب الامام الشافعي، مكتبة للكليات الأزهرية ط1.1986.      – محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الاسلامية.