محمد بن أيوب

الملك العادل سيف الدين أبو بكر أخو صلاح الدين الأيوبي* وساعده الأيمن في حياته والرجل الثاني في دولته. وصفه ابن واصل بأنه كان “ذا رأي سديد ومكر شديد وخدعة، صبوراً حازماً في الأمور، ذا أناة وتؤدة” وقد استحلفه صلاح الدين على مصر عندما خرج سنة 570هـ/1174م لإعادة بناء الجبهة الإسلامية المتحدة في الشام فكان العادل يرسل إليها الامدادات. كما دأب على ارسال قوات من مصر لمهاجمة الأطراف الجنوبية لمملكة الفرنجة في فلسطين كالداروم (دير البلح)* وغزة* وعسقلان. كذلك قام العادل بتأمين البحر الأحمر، ولا سيما عندما قام أرناط (ريجنالد شاتيون الصليبي) أمير حصن الكرك بحملته الشهيرة لمهاجمة الموانىء الاسلامية فيه سنة 579هـ/1183م. ويبدو أن صلاح الدين أخذ يحسب حسابا لازدياد نفوذ أخيه العادل في مصر،ولا سيما أنها بمواردها وامكانياتها كانت قد أغرت من قبل صلاح الدين نفسه على التفكير في الانسلاخ بها عن سيده نور الدين محمود بن زنكي*. ولذلك لجأ صلاح الدين إلى إعادة تنظيم دولته سنة 580هـ/1184م تمهيداً للدخول في معركة فاصلة مع الفرنجة* ونقل أخاه العادل من حكم مصر إلى حلب. ثم لم يلبث أن حرمه من حلب وأعطاه سنة 587هـ/1191م اقطاعاً ثانوياً في بلاد النهرين يشمل الرها وحران وميافارقين “ليخرجه من الشام”. وبرغم ذلك ظل العادل سيف الدين يقوم في حالتي الحرب والسلم بعمله كاملاً في معاونة أخيه صلاح الدين حتى يوم موته في سنة 589هـ/1193م. ومن ذلك أنه عندما شرع صلاح الدين يصفي الوجود الصليبي في فلسطين عقب معركة حطين* سنة 583هـ/1187م قام العادل بدور هام في مهاجمة المدن الصليبية على ساحل فلسطين فاستولى على حصن مجدل يابا – بين يافا* ونابلس* – وهاجم يافا نفسها واستولى عليها بعد مقاومة عنيفة. وكان العادل سيف الدين بصحبة أخيه صلاح الدين عند دخول بيت المقدس سنة 583هـ/1187م. وعندما شدد صلاح الدين هجومه على مدينة صور بعد أن استعصت عليه شارك العادل في هذا الهجوم في أواخر سن 583هـ/1187م. وبعد ذلك أمر صلاح الدين أخاه العادل بالاستيلاء على حصني الكرك والشوبك فاستولى على الأول سنة 584هـ/1188م وعلى الثاني سنة 585هـ/1189م. ولم يلبث تيار الحرب أن أخذ يتحول إلى غير مصلحة صلاح الدين بخروج الفرنجة من صور لاسترداد عكا، ثم بوصول الحملة الصليبية الثالثة إلى أرض فلسطين. وفي معركة عكا سنة 585-586هـ/1189-1190م ظهرت جهود العادل سيف الدين في مساعدة أخيه صلاح الدين، حتى اذا ما تعذر على المسلميت انقاذ المدينة المحاصرة وتبرع الطرفان في المفاوضات أناب صلاح الدين أخاه العادل ممثلاً للجانب الإسلامي. وكان أن سقطت عكا وبدأت المواجهة الطويلة بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد ملك انكلترا على أرض فلسطين (رَ: عكا، المملكة الصليبية الساحلية). وقد تخللت هذه الحروب فترات هدوء ومفاوضات لانهاء ذلك الوضع بعد أن تعذر على أحد الطرفين الانتصار على خصمه. وفي هذه المفاوضات كان صلاح الدين دائماً ينيب عنه أخاه العادل ممثلاً للجانب الإسلامي. ومن الطريف أن الملك ريتشارد اقترح في بعض حلقات هذه المفاوضات أن يتزوج الملك العادل، أخو صلاح الدين، الأميرة جوانا أخته، “وكانت عزيزة عليه كبيرة القدر”، على أن يشترك الزوجان في حكم فلسطين فيمثل كل منهما جانباً من الجانبين المتنازعين. وتشير المصادر العربية إلى أن الملك العادل رحب بذلك ترحيباً كبيراً “ورأى فيه عين الصواب”، وقبل صلاح الدين ذلك الاقتراح لأنه أدرك أن كان كذلك. وأخيراً انتهى الموقف بين صلاح الدين وريتشارد بصلح الرملة* الشهير سنة 588هـ/1192م. وقد استغرقت المفاوضات الخاصة بالصلح مدة طويلة قام فيها الملك العادل سيف الدين بدور أساسي واجتمع بريشارد أثناء المفاوضات “على طعام ومحادثة”. وإذ توفي صلاح الدين سنة 589ه/1193م بعد عقد صلح الرملة بستة أشهر احتفظ أبناؤه بالأجزاء الرئيسة في الدولة كمصر ودمشق وحلب ولم يتعد نصيب العادل سيف الدين الكرك والأردن فضلاً عن الجزيرة وديار بكر، وكلها اقطاعات ثانوية لا تتناسب مع أهمية العادل. ومهما يكن من أمر فان حرب الوراثة لم تلبث أن نشبت بين أبناء البيت الأيوبي في العام التالي لوفاة صلاح الدين فاتيحت للعادل فرصة – وكان غير راض عن وضعه – التميز من أبناء أخيه صلاح الدين. وهكذا نجح بعد سلسلة من التطورات السريعة في إعادة توحيد الدولة الأيوبية تحت زعامته، ولم تحل سنة 597هـ/1200م حتى صار “سلطان البلاد جميعها”، زبيده ملك مصر وبيت المقدس ودمشق فضلاً عن أملاكه في الجزيرة. وأعاد تنظيم الدولة مستعيناً بأبنائه فجعل ابنه الكامل محمداً في حكم مصر، والمعظم عيسى في دمشق، والأشرف موسى في حران، والأوحد في ميا فارقين. وأما هو نفسه فصارت له السلطنة والاشراف التام على جميع الدولة “وصار يتنقل في ممالك أولاده، والعمدة في كل الممالك عليه” (رَ: العصر الأيوبي). أما عن سياسة العادل تجاه الفرنجة في فلسطين بعد صلح الرملة فالمعروف عنه تسامحه الشديد معهم. وهو تسامح وبما جاء وليد اتصالاته الطويلة خلال المفاوضات التي قام بها معهم في حياة أخيه صلاح الدين على أن ذلك لا يعني أن العادل وقف موقف التخاذل والتفريط بمصالح المسلمين أمام الفرنجة. فقد حدث سنة 594هـ/1197م أن وصلت إلى فلسطين جموع من الصليبيين الألمان “انتشروا في الساحل وكثروا فيه” وأفسدوا جو السلام السائد مع المسلمين فهاجموا أطراف القدس وقتلوا وأسروا وغنموا. ولكن العادل أسرع إلى تعبئة قوات المسلمين وأنزل هزيمة كبيرة بالفرنجة عند تل العجول قرب غزة، ثم أسرع بالزحف إلى يافا “ودخلها هجما بالسيف”. ولم تلبث أن تبددت هذه الحملة الألمانية في أوائل سنة 595هـ/1198م تحت تأثير ضربات العادل، وتم عقد صلح في السنة المذكورة بينه وبين الفرنجة في فلسطي لمدة ثلاث سنوات. وعلى الرغم من ذلك يبدو أن الصفة الغالبة على سلوك العادل في ذلك الدور تجاه الفرنجة كان التساهل الذي ربما وصل أحياناً إلى حد التهاون والتفريط. وظهرت هذه السياسة بوضوح تجاه عموري لوزنيان ملك القدس الصليبي الذي استولى على بعض السفن الإسلامية المتجهة من مصر إلى الشام وأسر رجالها، كما قام باغارة على اقليم الجليل اعتدى فيها على أرواح المسلمين وأملاكهم. هذا فضلاً عن أن الاسبتارية* دأبوا منذ سنة 603هـ/1206م على الاغارة على مدينة حمص، واستولى قراصنة قبرص في العام التالي على عدة سفن مصرية. ومع هذا كله اكتفى العادل بانذار ملك الفرنجة في فلسطين، وقنع برد أسرى المسلمين في العمليات السابقة. فلا غرابة اذا كانت سياسته هذه قد أغضبت الشعور الاسلامي فعقد المتحمسون اجتماعات في الجوامع، وقطعت امرأة شعرها وبعثت به إلى العادل وقالت له: “اجعله قيدا لفرسك في سبيل الله”. ونتج عن سياسة العادل تمادي الفرنجة في مشاريعهم العدوانية، حتى إن ملك الفرنجة في عكا خرج سنة 615هـ/1218م على رأس الحملة الصليبية الخامسة من عكا قاصداً بحراً. وبرغم الجهود التي بذلها الملك الكامل محمد بن أحمد بن أيوب* الذي كان ينوب عن أبيه السلطان العادل في حكم مصر فقد نجح الفرنجة في الاستيلاء على برج السلسلة المقام في مصب النيل أمام دمياط، وكان الخط الدفاعي الرئيس لحماية المدينة. ويقال إن السلطان العادل الأيوبي لم يحتمل خبر سقوط برج السلسلة فتوفي.   المراجع:   ابن الأثير: الكامل في التاريخ، القاهرة 1303هـ. أبو شامة: ازهار الروضتين في أخبار الدولتين، الصلاحية والنورية، القاهرة 1287هـ. أبو شامة: ذيل الروضتين (تراجم رجال القرنين السادس والسابع)، القاهرة 1366هـ. سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان في تاريخ الأعيان، حيدر آباد 1950. ستانلي لين بول: الدول الإسلامية (مترجم)، دمشق 1973. ابن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، القاهرة 1953-1957.