عمر بن الخطاب

(40ق.هـ – 23هـ) (584 – 644م)   ثاني الخلفاء الراشدين، وأول من لقب بأمير المؤمنين. كان في الجاهلية من أشراف قريش وأبطالها، وله السفارة فيهم، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين، وشهد الوقائع. لقبه النبي صلى الله عليه وسلم بالفاروق، وكناه بأبي حفص. بويع بالخلافة يوم وفاة أبي بكر الصديق سنة 13هـ بعهد منه. وعمر بن الخطاب في التاريخ الإسلامي هو الرجل القوي الذي ترك آثاراً واضحة في أحداث هذا التاريخ، واقترن اسمه بكثير من الانجازات العظيمة، ففي أيامه ثم فتح الشام والعراق ومصر. وهو أول من وضع للعرب التاريخ الهجري، وكانوا يؤرخون بالوقائع. واتخذ بيت مال للمسلمين، وأمر ببناء البصرة والكوفة. وهو أول من دون الدواوين في الإسلام. وله كلمات وخطب ورسائل غاية في البلاغة. تعود صلة عمر بن الخطاب بفلسطين إلى ما قبل الإسلام، وهي صلة قومه من العرب فيها، سواء منهم من كان يسكنها، أو من كان خارجها إضافة إلى علاقاته التجارية بها في الجاهلية، أسوة بأهله من الحجازيين الذين كانوا يرتادونها للتجارة (رَ: العرب قبل الإسلام في فلسطين). ثم بدأت فلسطين بخاصة وبلاد الشام بعامة تدخل – منذ ظهور الدعوة الإسلامية في مكة وقيام الدولة الإسلامية في المدينة – في نطاق اهتمام المسلمين الجدي، وصارت تكون واحداً من المعالم الدينية المؤيدة بالقرآن الكريم والسنة النبوية والحديث الشريف. وبدأت المحاولات في حياة الرسول تتجه إلى نشر الإسلام* فيها وفتحها. ولم يخف على المسلمين، والقيادة والشعب، توجه الرسول نحو الشام وفلسطين، فأعضاء أبو بكر من بعد وفاة الرسول عليه السلام، وخلفه عليه عمر بن الخطاب بهمة قوية وعزم بالغ المضاء. كان المسلمون قد نجحوا قيادة عمرو بن العاص* في دخول فلسطين، وبخاصة عند معركتي أجنادين وفحل بين المسلمين والروم سنة 15هـ. وشهدت خلافة عمر بن الخطاب أشد المراحل حسماً في تقرير مصير فلسطين، فقد أخذت الحشود البيزنطية بتحريض الامبراطور البيزنطي هرقل*، تتجمع في اليرموك للقضاء على المسلمين لكن ثقة المسلمين بالنصر كانت أكبر. وقد عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد وولى قيادة الجيوش أبا عبيدة بن الجراح وقال: “لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى بني شيبان حتى يعلما أن الله انما كان بمصير عباده وليس اياهما بمصر”. وهزم البيزنطيون، وأرسل أبو عبيدة بالبثارة إلى عمر، فأرسل عمر إليه أن يوجه شرحبيل بن حسنة* وعمرو بن العاص إلى الأردن وفلسطين. وقد أصبحت مهمة الفتح بعد معركة اليرموك* (13هـ/645م) ميسورة، ونجح المسلمون في تعقب فلول البيزنطين في فلسطين، وتحرير مدنها وأرضها من السيطرة البيزنطية في وقت بعد اليرموك قصير، إلا ما كان من مدينة قيسارية* التي تأخر فتحها بعض الوقت ثم تمكن معاوية بن أبي سفيان* من فتحها عام 19هـ في صحيح الروايات. قام عمر بن الخطاب بزيارة بلاد الشام أكثر من مرة، وهو ما لم يحظ به بلد آخر. واجتمع بالجابية من بلاد الشام بقادة المسلمون وأمرائهم، وبحث معهم أمور البلاد والترتيبات الضرورية لرعاية شؤون الناس ومصالحهم. وقسمت البلاد إلى أربعة أجناد، وجعلت فلسطين جنداً، واتخذت مدينة “لد” عاصمة هذا الجند (رَ: الإدارة). وبعد أن سار عمرو بن العاص إلى مصر ليفتحها، أمر أبو عبيدة بن الجراح يزيد بن أبي سفيان* على فلسطين. ثم مات أبو عبيدة في طاعون عمواس، بعد أن استخلف معاذ بن جبل* على بلاد الشام. ولما مات معاذ بن جبل في الوباء نفسه، استخلف يزيد بن أبي سفيان أميراً على فلسطين. ولما أصيب يزيد بن أبي سفيان بالمرض استخلف أخاه معاوية على بلاد الشام، فأقره عمر بن الخطاب. وعين معاوية بن أبي سفيان علقمة بن مجرز أميراً على فلسطين، ثم جعل من بعده عبد الرحمن بن علقمة الكناني. وفي الجابية استعد عمر بن الخطاب لزيارة بيت المقدس، وركب جمله دون غيره من الخيل والبراذين، وسار حتى انتهى إلى هناك. وتتحدث الأخبار عن سبب هذه الزيارة فتقول إن أهل بيت المقدس طلبوا الأمان من المسلمين، واشترطوا على المسلمين أن يكون عمر بن الخطاب وهو المتولي لعقد الصلح معهم. وقد يكون عمر بن الخطاب خص بيت المقدس بالزيارة لمكانتها الدينية من الوجهة الإسلامية. ثم أمضى عمر عقد الصلح الذي أبرم مع أهل بيت المقدس سنة 15هـ، وعرف بعهد ايلياء*، أو عهد عمر، أو بالشروط العمرية فيما بعد، وفيه أمان لأهل بيت المقدس على دعائهم وأموالهم وكنائسهم. دخل عمر بن الخطاب مدينة بيت المقدس، فرحب به أهلها، واشرأبت أعناقهم لرؤيته. ويقول ابن البطريق ان عمر بن الخطاب جلس في صحن كنيسة القيامة*، ولما حضرته الصلاة أشار البطرك عليه أن يصلي في موضعه، فأبى عمر لا يتخذ المسلمون الكنيسة مسجداً من بعده، وصلى خارج باحة الكنيسة. ويقول ابن البطريق بعد ذلك إلى عمر بن الخطاب سأل عن موضع الصخرة، فدل عليه، فأمر ببناء المسجد الأقصى* وإقامته، وشارك في أعمال البناء وإزالة التراب من الوضع. ويضيف ان عمر بن الخطاب سار من بعد ذلك إلى مدينة بيت لحم* لينظرها، وصلى فيها. وقد تتابع بناء المساجد في مدن فلسطين بأمر من عمر بن الخطاب من بعد ذلك (رَ: الجوامع والمساجد). لم يقسم عمر بن الخطاب أرض فلسطين وبلاد الشام بين المسلمين الذين فتحوها، وتركت الأرض بيد الذين كانوا يزرعونها، يؤدون عنها جزءاً من الغلة عرف باسم الخراج، إلا ما جاء بخصوص أرض الخليل وما حولها، وقيل إنها أقطعت لتميم بن أوس الداري اللخمي عن موعدة مكتوبة من الرسول له. وأوقف هذا الخراج على مصالح المسلمين، وصرف العطاء لهم والنفقة على إصلاح الحصون الحربية. وبذلت بعض الاقطاعات من الأرض للجند المرابطين في السواحل، فعمرت بذلك المدن الساحلية مثل مدينة قيسارية ومدينة عسقلان. وشحنت هذه المدن بالمقاتلة، وأمنت البلاد مكائد العدو ومخططاتهم، في الرجوع إليها. اهتم عمر بن الخطاب كذلك بالجانب الثقافي. وإضافة إلى الجهود التي كان المسلمون من الصحابة وغيرهم يبذلونها في هذا الميدان بين الناس في الشام وفلسطين أرسل عمر بن الخطاب بعثة علمية لهذا الغرض، وحط أحد علمائها، وهو معاذ بن جبل في فلسطين، وراح من هناك ينشر العلم بين الناس. ولما مات معاذ في طاعون عمواس، حل بفلسطين صحابي بدري جليل هو عبادة بن الصامت*، وأخذ من بيت المقدس يواصل دروس العلم بين الناس. وقد تحررت فلسطين نهائيا من السيطرة البيزنطية قبل موت عمر ابن الخطاب وأخذت تشارك في أحداث المجتمع الإسلامي في الداخل والخارج، ونشطت فيها حركة الثقافة بشكل خاص، وتمكن العلماء من بعد ينشئوا “المجالس” المخصصة للدراسة وطلب العلم، وأقيل الناس إليها، وكثروا. وبلغ عدد منابر فلسطين في مرحلة تالية عشرين منبراً.   المراجع:   –         ابن الأثير: الكامل في التاريخ، القاهرة 1303هـ. –         ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، القاهرة 1280هـ. –         ابن البطريق: التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، بيروت 1909. –         ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء الزمان، القاهرة 1310هـ. –         ابن سعد: الطبقات الكبرى، بيروت 1960. –         ابن هشام : السيرة النبوية، بيروت 1971. –         البلاذري: فتوح البلدان، القاهرة 1319هـ. –         مجير الدين الحنبلي: الأنس الجليل وتاريخ القدس والخليل، النجف 1968. –         الذهبي: كتاب دول الإسلام، القاهرة 1974. –         الأزدي: فتوح الشام، بيروت 1970. –         الطبري: تاريخ الرسل والملوك، مصر 1939.   عمر بن الخطاب (عهد -): رَ: ايلياء (عهد-)