عبد الرحيم بن علي البيساني

(529 – 596هـ) (1135 – 1200م)   القاضي الفاضل، أبو علي، محيي الدين، العسقلاني المولد، فولى أبوه القضاء* في بيسان* فنسب إليها. ولم يعرف عنه أنه تولى القضاء، ولعل لفظة القاضي كانت تستعمل للدلالة على المكانة الثقافية، أكثر من دلالتها على ممارسة صاحبها لمهنة القضاء. كانت نشأته الأولى في بيسان، حيث تولى أبوه القضاء. وانتقل إلى مصر برفقة أبيه سنة 546هـ. ثم شهد موت أبيه في القاهرة في السنة ذاتها بعد أن  صودر. فتوجه إلى ثغر الإسكندرية. واستكتبه قاضيها ابن جديد، فكانت تلك أولى خطاه على طريق الكتابة في عهد الفاطميين*، انتهت به إلى الوزارة بعد ذلك في عهد صلاح الدين الأيوبي*. وحين سقطت عسقلان في أيدي الصليبيين سنة 548هـ حضر اخوته إليه. ثم استدعاه الحاكم الفاطمي الظافر من الاسكندرية، واستخدمه في ديوانه الإنشاء. وظل القاضي الفاضل كذلك فيما يبدو أيام الظافر(حكم 544 – 549هـ)، ثم أيام الفائز بعده (حكم 549 – 555هـ)، ثم العاضد آخر الحكام الفاطميين (حكم 555 – 567هـ). ولما جاء مصر أسد الدين شيركوه، عم صلاح الدين سنة559هـ. جعل إليه أمر كتابه، ثم اتصل بالسلطان صلاح الدين حين تغلب على مصر، وتمكن منه غاية التمكن، ووزر له، وبرز في صناعة الإنشاء وفاق المتقدمين. وكان يزيد بين الشام ومصر مصاحباً للسلطان صلاح الدين، أو نائباً منه في مصر. وبعد وفاة صلاح الدين استمر على ما كان عليه، عند والده الملك العزيز، عثمان، ثم ابن الملك المنصور. ولم يزل كذلك إلى أن وصل الملك العادل، وأخذ الديار المصرية. وعند دخوله القاهرة – وكانت بينهما جفوة – توفي الفاضل فجأة، ودفن في سفح المقطم. كان القاضي ضعيف البنية، يستر احديدابه الطيلسان، وكان مقتصداً في طعامه ولباسه. وقد أشاد من ترجموا له بأخلاقه، فقالوا إنه “كان يسع الناس بأخلاقه كما يسعهم بأمواله”. وكان يكثر زيارة القبور، ويشيع الجنائز، ويعود المرضى. وأخباره مع كتاب والشعراء والعلماء كثيرة وإحسانه إليهم كبير، ولذلك كثر ما قالوه في مذبحة نثراً وشعراً. وليس يعرف شيء كثير عن ثقافة القاضي الأولى، وعن الشيوخ الذين درس عليهم وأخذ منهم. وأغلب الظن أنه درس في بداية أمره على نحو ما كان يدرس الناس آنذاك، تعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن، يدل على ذلك اقتباساته الكثيرة منه. ولا شك أنه أصاب قدراً من الحديث الشريف، واطلع على وجوه أخرى من وجوه الثقافة العربية والإسلامية السائدة آنذاك من أدب وشعر وفقه وأصول ومنطق اطلاعاً جعله يطمح إلى العمل في كتابة الدواوين. وما من شك في أن ثقافته هذه الأولى في فلسطين، هي التي ساعدته على تبوء المركز الذي أن إليه في ديوان الإنشاء، ثم في الوزارة التي كان يرتبط بها ديوان الإنشاء. وإذا كانت تفاصيل ثقافته الأولى مجهولة فمن المؤكد أن هذه الثقافة كانت تنمو مع الزمن والممارسة. وقد مكنه اتصاله بالكتاب الذين عرفوا آنذاك أواخر الدولة الفاطمية أن يفيد منهم، ويتخرج فيهم. ولعل ابن الحلال كان أبعد هؤلاء أثراً في حياته. لأنه قاد خطواته الأولى، ودربه على حل المنظوم وأمره بملازمته. على أن الذي يشهد له بما آلت إليه ثقافته من غنى أمران. أحدهما فيض الرسائل التي كان يكتبها، والتي كانت تشف عن تمكنه من الثقافة العربية، قرآناً وحديثاً وتاريخاً ولغة وأدباً. والآخر هذ المدرسة التي أنشأها في درب الملوحية في القاهرة (المدرسة الفاضلية) والتي ألقى فيها الدرس الأولى سنة 580هـ. يضاف إلى ذلك ما ذكر من عنايته بالكتب وحبه لها، وانفاقه في شرائها، من كل فن، واجتلابها من كل جهة، وله نساج لا يفترون، ومجلدون لا يسأمون، بلغت كتبه مائة وأربعة عشر ألف كتاب “وهذا قبل أن يموت بعشرين سنة”. ويجمع المؤرخون على أن القاضي كان صاحب المكانة الأولى في الدولة الأيوبية.عبر عن ذلك ابن الاثير بقوله: “كانت الدولة بأسرها تأتي إلى خدمته”. وكانت منزلته عند السلطان صلاح الدين لا تدانيها منزلة، منذ ساعده على الإطاحة بالفاطميين والتمكين له في مصر، ثم بخاصة في الفتوحات التي خاضها مع الصليبيين في بلاد الشام، في الساحل والداخل. فحين كان السلطان في بلاد الشام كان القاضي الفاضل ينوب عنه في مصر، “والسلطان يكاتبه في مهماته، وترجع أجوبته بأحسن عبارة مشيراً وناصحاً ومسلياً”. والجملة المأثورة عن صلاح الدين في القاضي: “ما فتحت البلاد بالعساكر وإنما فتحتها بكلام الفاضل”، أو بصبغتها الأخرى “لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم بل بقلم الفاضل”، لا يفسرها عونه له في تدمير الأمور فحسب، وإنما يفسرها كذلك نصيحته له، وتوجيهه إياه، ودفعه في طريق الجهاد وحثه على رعاية أمور الناس بالعدل. وفي هذا يفترق ما بين القاضي الفاضل وغيره عن الكتاب هذه الفترة في الدولة الفاطمية والأيوبية، إذ كانوا يمدحون، وكان ينصح ويمدح، ولم يكن يقف من السلطان صلاح الدين موقف الذي يؤرخ له حياته من خلال الرسائل التي يكتبها فحسب، بل كان موقف الذي يستنهض همته في الدفاع والمقاومة، ويتوفر في نفسه أنه رجل الإسلام: ويفتح له آفاق الأعلى، وبخاصة بعد أن طال به الجهاد، وخشي عليه من التعب. وقد عرفت مكانة الفاضل هذه عند الخاص والعام، فكان العامة يلجأون إليه فيما يحزيهم من أمور، ليكون لسانهم وسيوفهم إلى السلطان صلاح الدين. وكان الخاصة، مثل نواب السلطان، “إذا ترددوا في عمل، أو خافوا مغبته استشاروا القاضي الفاضل، واجتمعوا برأيه، لأن الأمر الفاضل كان كالأمر السلطاني، إذا استشاروه خلصوا من كل تبعة ودرك”. وكان القاضي بالذات يمثل أبعد الطموح العربي الإسلامي في ذلك الحين. ولا يتطلع إلى استنفاذ فلسطين فحسب، وإنما كان يتطلع إلى فتح القسطنطينية، ثم إلى فتح رومية، كما شعر بذلك بعض رسائله. وإذا كانت آثار القاضي الفاضل لم تنشر كلها، فإن ما نشر من رسالته، وما هو موجود في الكتب المطبوعة من مثل نهاية الأرب، أو صبح الأعشى، أو الروضتين، يؤكد ما يقوله عنه مترخموه من أنه كان متمكناً من الإنشاء، قادراً عليه، مكثراً منه، ومن أن هذه الكثرة لم تقطع عليه طريقه إلى الإبداع. والقاضي الفاضل أحد أعلام النثر العربي، ومن أصحاب الطرائق المتميزة فيه. كان له طريقته الخاصة التي تتمثل في استخدام المحسنات البديعية، وبخاصة منها الاقتباس من القرآن الكريم، وتضمين الشعر والأمثال، وتحلية النص بألوان الجناس والطباق والسجع. ولكن استخدام القاضي الفاضل لهذه الزينات لم يكن على حساب المعنى، فقد ظل للمعنى عنده سلامته ووضوحه، على حين أن الذين جاؤوا بعده من مثل العماد الاصفهاني أسرفوا في ذلك إسرافاً هو فوق ما يحتاج إليه العمل الأدبي. وقد يتخلى القاضي الفاضل في بعض رسائله عن الحرص على المحسنات البديعية، ويؤثر نوعاً من الزينة البسيطة التي تقترب من الأسلوب العفوي. ويبقى أمر الحكم الدقيق على أسلوب الفاضل في حاجة إلى اتصال أقوى وممارسة أشد لأثارة النثرية التي لم تطبع. هذا عن النثر، أما عن شعره فقد طبه له ديوان من جزءين بتحقيق الدكتور أحمد أحمد بدوي وإبراهيم الابياري (القاهرة 1961) وهو ينطوي على جملة من الأغراض: المديح والرثاء والوصف والهجاء والحكم والزهد، وكثرة كثيرة منه في العزل الذي كان غرضاً مطروقاً في الشعر العربي عند الذين يعانونه أو الذين يتكلفونه. وشعر القاضي دون نثره، لأن نثره حافل بالأحداث التاريخية التي يتناولها والتي تمنح نصوصه قيمة ذاتية خاصة، أما الشعر فليس فيه من ذلك شيء. وأثرت عن القاضي الفاضل في مجال النقد بعض التعليقات على ما كان يسمع من أبيات أو يقرأ من قصائد. ولكنها لا يمكن أن تؤلف “بحال” نظرة نقدية ترتد إلى أصول يصدر عنها، ومنهج يلتزمه، ومذهب يأخذ به. ولكن من المؤكد أن هذه التعليقات النقدية تتلاقى مع مذهبه هو في الأداء الفني، وتنظر، في الدرجة الأولى، إلى المحسنات البديعية التي كانت رائجة آنذاك، وتنبني على الإغراق في المديح والإسراف في الثناء. ويتحدث مترجموه عن جانب آخر من شخصيته العلمية، ذلك هو جانب التاريخ. ويذكر بعضهم أنه ألف سيرة الملك قلاوون ابن عبد الله* أو سيرة ابنه. ولكن ذلك وهم وقع فيه بعض المترجمين، وجلاء الزركلي في الإعلام، لأنه مات قبلهما بكثير. على أن هذا لا ينفي صلة ما بين نتاج القاضي الفاضل عمله في التاريخ، ذلك أن آلاف الكتب والرسائل التي أنشأها كان لها وجهها التاريخي، لأنها كانت تعبر عن أحداث الدولة الأبوبية في عهد صلاح الدين بصورة خاصة. والباحث التاريخي يجد مادة خصبة، قد تغطيه الصناعة الأدبية حين تلقي عليها رداء العمل البديعي، فتحجب وضوحها. أو بعض وضوحها. وقد سجلت هذه الرسائل طائفة ضخمة من الأحداث، وحافظت كثيراً من التفاصيل المذهلة. وبعد، فقد عاش القاضي الفاضل نحواً من سبعين سنة بين بلاد الشام ومصر، وشهد الحملات الصليبية التي استباحت الساحل والداخل، كما شهد انحراف الدولة الفاطمية، ورأى الفرنجة* يحتلون بلدته الصغيرة عسقلان، ويمكثون فيها نحواً من 35 دونماً، فنهد يجاهد بقلمه وأدبه وسلوكه الخلقي الرزين. كان مثال الإنسان الملتزم بعقيدته والعامل في سبيلها، لم تشغله الدنيا العريضة التي أصابها، والمنزلة الرفيعة التي تبوأها من جانب الجهاد، واستطاع بما منحه الله من قدرة على البيان، وسمو في الخلق، ومتانة في الأيمان أن ينتقم من الفرنجة، وأن يشهد فتح القدس وتطهير الساحل، وأن يرد الدولة في مصر عن إنحرافها إلى حياة الجماعة الإسلامية وأن يكون هو بقلمه ضمن صلاح الدين.   المراجع:   –         ابن خلكان: وفيات الأعيان، القاهرة 1310هـ. –         ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، القاهرة 1931. –         ابن الأثير: المثل السائر، القاهرة 1959. –         النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب، القاهرة 1923. –         القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، القاهرة 1915م. –         ابن حجة الحموي: ثمرات الأوراق، القاهرة 1334هـ. –         أبو شامة: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، القاهرة 1287هـ. –         العماد الأصفهاني: خريدة القصر (قسم شعراء مصر)، القاهرة 1951. –         حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، إستانبول 1941.