عبد الحميد بن عبد المجيد، السلطان

هو السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الذي يعد سلطاناً مناوئاً للحركة الصهيونية وللهجرة اليهودية إلى الأراضي المقدسة. وقد أعلن هذا الموقف منذ أن تولى الحكم عام 1876، ثم دعمه بعدد من القوانين، ولا سيما قوانين عام 1882، التي تمنع اليهودي من الهجرة إلى فلسطين. وبالرغم من ذلك حاول بعض اليهود اقناع السلطان  بتغيير قوانين الهجرة. وكان في مقدمة من ذهب إلى الآستانة لهذه الغاية “لورنس أوليفات” الكاتب والرحالة الإنكليزي الذي كان يؤيد الحركة الصهيونية، والذي طلب وساطة السفير الأمريكي. ولكن ذلك لم يثن السلطات العثمانية من التمسك بقانون منع اليهود من الإقامة في فلسطين. وأفهم السلطان الوسطاء أن اليهود يستطيعون العيش بسلام في أية جهة من المملكة إلا فلسطين، وأن الدولة العثمانية ترحب بالمضطهدين، ولكنها لا ترحب بإقامة مملكة لليهود في فلسطين يكون أساسها الدين. وظل السلطان عبد الحميد الثاني على موقفه المعادي لأهداف الحركة الصهيونية. ففي شباط 1887 طلب من الحكومة إصدار أوامر جديدة بشأن الهجرة اليهودية، وجهت إلى متصرفي القدس ويافا تطلب منهما ألا يسمح لليهود بالدخول إلى البلاد إلا حجاجاً أو زواراً. وعلى كل يهودي يصل إلى يافا* أن يدفع خمسين ليرة تركية ضماناً لمغادرة فلسطين خلال 31 يوماً. وجاء هذا القرار منسجماً مع قرار الباب العالي الذي رمى إلى وضع حد لتيار الهجرة اليهودية المتدفق إلى فلسطين (رَ: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين)، وبعد أن تحقق الباب العالي من الخطر الذي يكمن وراء استيطان اليهود بأعداد كبيرة في فلسطين، وما يترتب على تلك الهجرة من حقوق وامتيازات لليهود كرعايا أجانب. وفي عام 1888 أصدر الباب العالي قوانين جديدة، مضت على وجوب حمل اليهود الأجانب جوازات سفر توضح عقيدتهم اليهودية، كي تمنحهم سلطات الميناء تصريحاً لزيارة المتصرفية لمدة ثلاثة أشهر. كما رفضت السلطات العثمانية في ميناء يافا السماح بدخول اليهود الذين لم يحصلوا على سمات دخول من القناصل العثمانيين في بلادهم. ولما رأى الزعيم الصهيوني تيودور هرتزل عقم أساليبه التي اتبعها لاقناع السلطات العثمانية بالهجرة اليهودية المنظمة إلى فلسطين، فضل السفر بنفسه إلى اللآستانة لمقابلة السلطان ذاته، وإقناعه. لكن الفشل كان حليفه، فلم يحظ بمقابلة السلطان خلال الأيام العشرة التي امضاها في الآستانة. وأبدى له المسؤولون الأتراك معارضتهم للمشروع الصهيوني. وأفهمه صديقه نيولنسكي الذي كان مستشاراً له ومندوباً عنه في الآستانة موقف السلطان عبد الحميد الثاني، الذي يتلخص كما جاء في مذكرات هرتزل، بأنه لن يبيع قدماً من أرض الإمبراطورية، لأنها ليست ملكه بل ملك الشعب الذي ضحى في سبيلها وأراق الدماء من أجلها وبأن ملايين اليهود لن تقدر من الأمر شيئاً. وغادر هرتزل الآستانة في 28/6/1896 غاضباً مخذولاً. ولكنه عاد ثانية في آب من العام نفسه يستميل السلطان بالمال، فعرض عليه قرضاً بعشرين مليون جنيه استرليني لتنظيم مالية الدولة العثمانية. ولكن هذا العرض رفض أيضاً. وبعد انعقاد المؤتمر الصهيوني* في بال عام 1897 نشط هرتزل، واتصل بالأوساط البريطانية والنمساوية والألمانية والروسية والمجرية لتدعم المشروع الصهيوني، وتتوسط بينه وبين السلطان العثماني من أجله. واجتمع هرتزل في 4/2/1898، بالسفير العثماني في ألمانيا ليدل وساطته من أجل تحقيق المشروع الصهيوني مقابل القروض المالية اليهودية. فأخبره السفير العثماني صعوبة امتلاك فلسطين. وزاد الأمر سوءاً بالنسبة إلى الحركة الصهيونية وزعمائها. فقد توالت القوانين العثمانية، وتتابعت مقيدة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بشكل أزعج الأوساط الأوروبية، ولا سيما البريطانية. وفي 13/8/1899، وقبل انعقاد المؤتمر الصهيوني بيومين، أرسل هرتزل رسالة إلى السلطان عبد الحميد الثاني، بمناسبة بدء جلسات المؤتمر، رفع إليه فيها تعهد الصهيونيين المجتمعين في بال بالإخلاص لجلالته، والتقدير للطفه نحو رعاياه اليهود. وبين رغبتهم في إغاثة إخوانهم التعساء في دول أوروبا المختلفة، وفي الإسهام في عظمة الامبراطورية العثمانية وازدهارها، وأملهم في أن تحظى هذه الرغبات “بتقدير حكمة الخليفة العظيمة، وتشجيعه”. ولكن السلطان تجاهل رسالة هرتزل، ولم يرد عليها. وأخيراً، وفي 8/5/1901، تم اللقاء بين السلطان عبد الحميد الثاني وهرتزل بوساطة صديقهما ارمينوس فامبري. وقد وافق السلطان على هذه المقابلة على اعتبار هرتزل صحافياً يهودياً بارزاً لا رئيساً للمنطقة الصهيونية العالمية*. وفي الاجتماع يبدأ هرتزل بموالاة السلطان، واستدار عطفه على اليهود المضطهدين في العالم. وبعد أخذ ورد قال السلطان: “إني أحب تطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين. أما اقامة دولة يهودية في فلسطين التي فتحناها بدماء أجدادنا العظام فلا….”. ورغم الفشل المستمر، واصل هرتزل مساعيه لتحقيق الفكرة الصهيونية دون كلل. ففي عام 1904 حاول الحصول على وعد من السلطان العثماني، ولكن عبد الحميد الثاني ظل على موقفه، وطلب من وسطاء هرتزل أن ينصحوه بالكف عن مساعيه لأنه، أي السلطان، لن يبدل موقفه الثابت من هذه القضية، ولن يفرط بأرض شعبه ما دام في الجسد حياة. وفي 16/5/1904 فقدت الحركة الصهيونية زعيمها فطويت بوفاة هرتزل صفحة نشطة من التحرك الصهيوني دون أن يسجل انتصارات ذات أهمية على صعيد السلطان العثماني. وجدير بالذكر أن السلطان عبد الحميد الثاني يوضح في مذكراته الأسباب التي دعته إلى الوقوف في وجه الهجرة اليهودية، رغم الحاجة إلى إشغال الأراضي الخالية من السكان داخل الامبراطورية. فسياسته تقوية العنصر المسلم، وتشجيع هجرة أبناء الدين الإسلامي نفسه. أما هجرة اليهود فهي في نظرة غير مناسبة. لأنها تزرع في أرض العثمانيين المسلمين سكاناً لا ينتمون إلى نفس الدين والعادات، وتمكنهم من السيطرة على الحكم في المستقبل. ويلخص السلطان سياسته تجاه فلسطين والعرب المسلمين بتوقعات يرى في حدوثها نكبة على الأراضي المقدسة وأهلها، فقد أوضح “أن دولاً أوروبية كثيرة أرادت التخلص من اليهود، وأيدت هجرتهم إلى فلسطين. ولكن في دولتنا عدداً كبيراً من اليهود. فإذا كنا نريد أن يستمر العنصر العربي الإسلامي متفوقاً في فلسطين، فعلياً ألا نسمح بهجرة اليهود إليها. وإذا كان الأمر خلاف ذلك، وسمحنا بالهجرة فإنهم في مدة قصيرة يسيطرون على الحكم، وتصبح فلسطين تحت سيطرتهم، وتكون بذلك قد قضينا بأيدينا على عنصر ديننا بالموت الأكيد”. والحقيقة أن موقف السلطان المتشدد حيال الهجرة اليهودية إلى فلسطين كان سبباً مباشراً في الثورة التي قامت عليه في 23/7/1908، وفي خلعه في 24/4/1909.   المراجع: –         حسان حلاق: موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1887 – 1909، بيروت 1978. –         فرانك مانويل: بين أمريكا وفلسطين (مترجم)، عمان 1967. –         يوميات هرتزل، (مترجم)، بيروت 1973، (تحرير أنيس صايغ). –         Bein, A.: Theodor Herzl, Biography, Philadelphia 1940. –         Hyamson, A.: The British Consulate in Jerusalem in Relation to the Jews in Palestine 1838 – 1914, London 1939 – 1941. –         Neville Mandel: Turks, Arabs and Jewish Immigration into Palestine 1882 – 1914, Oxford 1965. –         Sultan Abdul – Hamit: Siyasi Hatiration, Istanbul 1974.