الاتحاد السوفييتي

كانت فلسطين التي تؤلف جزءاً من الوطن العربي ومن منطقة جغرافية تدعى “الشرق الأوسط”، هدفاً لتطلعات الدول الكبرى وتنافسها منذ زمن طويل. فالمصالح الروسية في هذه المنطقة تشكلت بفعل العوامل الجيولوجية التي أثرت في السياسة الروسية في عهود القياصرة وكانت تطلعات الإمبراطورية الروسية نحو الجنوب دائماً في السياسة الخارجية القيصرية منذ عهد بطرس الأكبر (1682 – 1725)، وكاترين (1762 -1796)، وحتى عهد نيقولا الثاني (1894-  1917). ففي القرن التاسع عشر اندلعت حرب القرم ( 1854 – 1856)، وكان أحد أسبابها النزاع الروسي الفرنسي حول السيطرة على الأماكن المقدسة في فلسطين، إذ اعتبر القيصر الروسي نفسه حامياً للكنائس المسيحية الأرثوذكسية، في حين ادعى الإمبراطور نابليون الثالث الفرنسي أنه صاحب السيطرة على الأماكن المقدسة ذاتها لصالح الكنائس المسيحية اللاتينية. لكن بريطانيا وفرنسا تمكنتا في مطلع القرن العشرين من احتواء التهديد الروسي باتجاه الجنوب إلى الشرق الأوسط على نحو فعال. في ظل النظام البلشفي اتخذت السياسة السوفييتية شكلاً آخر، فبعد ثورة تشرين الكبرى عام 1917 أعلنت الحكومة السوفييتية أنها حليفة للشعوب العربية المضطهدة والمستعمرة ضد الاستعمار البريطاني. وانعقد مؤتمر باكو للشعوب الشرق في عام 1920 برعاية الحزب الشيوعي السوفييتي، مبتدئاً الحملة الإيديولوجية السوفييتية الجديدة، في محاولة لكسب النفوذ في الشرق الأوسط كحليف للشعوب العربية المستعمرة والمضطهدة. وبالتالي، كان الهدف الأساسي السوفييتية تجاه الشرق الأوسط هو تفويض النفوذ البريطاني والفرنسي، أي النفوذ الغربي في المنطقة، وبخاصة إيقاف السيطرة البريطانية على المنطقة بأي ثمن. ومن ثم كان الهدف النهائي تجاه فلسطين يتمثل في سرعة إنهاء الانتداب البريطاني الحديث العهد. بدأت المشكلة الفلسطينية، كما تعرف في الوقت الحاضر. بقدوم الصهيونية كحركة سياسية منظمة على مسرح الشرق الأوسط السياسي تتطلع إلى امتلاك فلسطين على أنه حق لها. وإلى أن فلسطين هي الوطن القومي اليهودي الوحيد. وكان الموقف السوفييتي تجاه الصهيونية، كفلسفة سياسية، عدائياً على نحو سافر وبدون موارية. ففي الاتحاد السوفييتي، حيث وجدت الصهيونية أرضاً خصبة بين ثلاثة ملايين يهودي سوفييتي، وصفت الصهيونية بأنها إيديولوجية شوفينية وبورجوازية متحالفة مع الاستعمار الغربي. كما نحتت الصهيونية، وأي شكل آخر من أشكال القومية اليهودية، بأنها مناهضة للثورة، وأدوات في أيدي الاستعمار البريطاني. وخلال السنوات الأولى من الثورة لم تكن الفئات اليهودية داخل الحزب الشيوعي معادية للصهيونية على نحو قوي، ورافق ذلك عدم مبالاة على صعيد الحكومة السوفييتية الرسمي في بادىء الأمر. غير أن الحكومة السوفييتية وافقت خلال شهر نيسان 1921 على الحملة على الصهيونية والقومية اليهودية. وجرت عملية دمج ثقافي، وكان على اليهود السوفييت، مثلهم في ذلك مثل الأقليات الأخرى. أن يسيروا في مجرى المجتمع السوفييتي الحديث، وأن يذوبوا لغوياً وثقافياً في قالب الإنسان السوفييتي البروليتاري الجديد. أما موقف الصهيونية في فلسطين فقد دعا الحزب الشيوعي في عام 1934 إلى شن “حملة نشطة ومستعمرة ضد عزل العمال العرب من قبل الصهيونيين”، ودعا في الوقت ذاته إلى إنشاء جبهة متحدة من العمال العرب واليهود” للنضال ضد الاغتصاب الصهيوني واستغلال المستعمرين وكبار المزارعين ومشاريعهم”. وقال الحزب في بيانه: “إن من الخطأ اعتبار الاستعمار والصهيونية والسكان اليهود وحدة عضوية واحدة، كما تنظر إليها الجماهير العربية في الوقت الحاضر. فالاستعماريون مهتمون بالامتيازات، وبنمو الأقلية اليهودية، غير أنهم لا يرغبون في إنشاء دولة يهودية. وهنا يوجد نزاع بين مطالب البورجوازية اليهودية التي تريد أن تذهب إلى أبعد الحدود وبين الاستعمار البريطاني”. وتظهر هذه التصريحات أن الاتحاد السوفييتي يفهم على نحو واضح ما تكنه الصهيونية بالنسبة إلى الشعب العربي الفلسطيني، وهو الاغتصاب والاستغلال. غير أن الاتحاد السوفييتي، رغم شجبه للصهيونية، ساند في عام 1947 قضيتها وتطلعاتها لإنشاء دولة يهودية في فلسطين. فالدعم السوفييتي لخطة التقسيم التي دعت إليها الأمم المتحدة والتي ترمي لإقامة  دولة يهودية في فلسطين، جاء انعكاساً لمبدأ التعايش السلمي الذي يشكل أحد ركائز سياسة الاتحاد السوفييتي الخارجية، إضافة إلى عوامل أخرى (رَ: تقسيم فلسطين). أظهر الصهيونيون في فلسطين أنهم منظمون تنظيماً عالياً، وأنهم القوة الأكثر فعالية ضد البريطانيين في فلسطين. ولما أدرك الاتحاد السوفييتي أن انسحاب البريطانيين وشيك، بدا له أن التقسيم أفضل خيار لتجنب خطة وصاية برعاية الأمم المتحدة كانت ستديرها دون شك القوات العسكرية الغربية. وبذلك بقي أحد دوافع الدعم السوفييتي (لإسرائيل) يتمثل في الرغبة في إنهاء السيطرة الغربية في المنطقة، لأن إنشاء الدولة اليهودية كان يعني، للوهلة الأولى، تحييد المنطقة، وإحداث القطيعة بين الدول العربية والولايات المتحدة التي كانت تربطها بالدول العربية في عهد روزفلت صداقة قوية أثارت خوف السوفييت، والتي مال الميزان الاستراتيجي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية إلى صالحها، بسبب ظهور الأسطول السادس الأمريكي كرمز دائم ومحسوس لتصميم الغرب على استبعاد النفوذ السوفييتي من الشرق الأوسط. وبغية مواجهة هذه المخططات الغربية لم يكتف الاتحاد السوفييتي بأن يكون ثالث دولة تعترف (بإسرائيل) اعترافاً قانونياً، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فشجب بغضب دخول القوات العربية إلى فلسطين الذي تلا إعلان إنشاء (الدولة اليهودية). وبادرت الكتلة السوفييتية إلى إرسال الأسلحة (لإسرائيل) أثناء الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى، مما كان له أهمية كبرى، وربما حاسمة، في استمرار بقاء الدولة الصهيونية الجديدة (رَ: حرب 1948). لكن هذه المرحلة الأولى من السياسة السوفييتية تجاه فلسطين انتهت عام 1951. وبدأ التركيز ينتقل بصورة متزايدة من الاعتبارات الإيديولوجية إلى الدوافع الاستراتيجية. فعندما وقفت مصر في عهد جمال عبد الناصر* في مواجهة حلف بغداد استحقت بالتأكيد امتنان الكرملين الذي ترجم ذلك في شكل صفقة الأسلحة عن طريق تشيكوسلوفاكيا في عام 1955. ومنذ ذلك الوقت أصبحت السياسة السوفييتية تجاه فلسطين متداخلة مع السياسة العربية عموماً، وبالتالي بدأت العلاقات السوفييتية – الإسرائيلية تتصف بالتدهور المستمر، وتبلور ذلك في قطع العلاقات الدبلوماسية في 21/2/1953. وما لبثت هذه العلاقات أن استؤنفت عقب موت ستالين في 21/7/1953، بعد أن التزمت (إسرائيل) بعدم الانضمام إلى حلف أو معاهدة أو تنظيم معاد للسوفييت. ونفذ الاتحاد السوفييتي سياسة مزدوجة تجاه فلسطين حتى عام 1967، فحاول أن يتودد إلى البلدان العربية، ولا سيما مصر وسورية، أن يحافظ في الوقت ذاته على علاقاته مع (إسرائيل)، بل سعى إلى تحسينها. وفي هذا الصدد قام الاتحاد السوفييتي في شهر كانون الأول 1953 بدور فعال في مساعدة (إسرائيل) على الوقوف في وجه المقاطعة الاقتصادية العربية، عندما أبرم مع (إسرائيل) اتفاقية تجارية لمبادلة النفط السوفييتي بالحمضيات الإسرائيلية. لكن موسكو ألغت هذه الاتفاقية إثر العدوان الثلاثي على مصر 1956*. وقد ترك الشعب الفلسطيني خارج إطار السياسة السوفييتية الخاصة بالشرق الأوسط حتى عام 1958. بل إن المندوب السوفييتي في الأمم المتحدة، جاكوب مالك، صرح أمام مجلس الأمن في 18/8/1948، بأن المشكلة الفلسطينية هي مشكلة لاجئين خلقها البريطانيون. وقد استمرت هذه الفكرة سائدة إلى ما بعد حرب السويس في عام 1956. عندما اعتبر أن (إسرائيل) تتحرك إلى داخل المعسكر الغربي. في هذا الوقت تقريباً نشط التحالف الفرنسي – الإسرائيلي، والتعاون العسكري الإسرائيلي مع ألمانيا الغربية، وتأييد (إسرائيل) المشروط لمبدأ أيزنهاور. وفي 17/4/1956 أصدر الاتحاد السوفييتي بياناً قال فيه أن المشكلة الفلسطينية يجب أن تحل “على أساس مقبول بصورة متبادلة”. غير أنه بعد حرب السويس، وفي شهر تشرين الثاني 1956، ازداد تأييداً للغرب، فرأى في شحن الأسلحة إلى الدول العربية مساهمة في دفاع هذه الدول عن نفسها ضد “العدوان الإسرائيلي”. وجاء هذا التحول الملحوظ في الموقف السوفييتي إعمالاً لمبدأ كان يعتبر من ركائز سياسة موسكو الخارجية، وهو مبدأ محاربة الاستعمار ودعم حركات التحرر الوطني. كذلك تقدم موقف الاتحاد السوفييتي بالنسبة إلى القضية الفلسطينية عندما أبدى استعداده، أثناء زيارة عبد الناصر لموسكو في عام 1958، أن يشمل البيان الختامي “الحقوق المشروعة للفلسطينيين العرب”. أثناء زيارة خروشوف لمصر في عام 1964 اعترف الاتحاد السوفييتي “بالحقوق الثابتة والمشروعة للفلسطينيين العرب”. ورغم ذلك كان الضوء ما زال متركزاً على “لاجئين” بدلاً من “حركة تحرير وطني” إضافة إلى عدم المبالاة بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية* في ذلك العام. بعد الحرب العربية – الإسرائيلية في عام 1967 (رَ: حرب 1967)، أظهر الاتحاد السوفييتي تأييده المتزايد لحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم. لكن التزام السوفييت بشأن إقامة دولة فلسطينية بقي مبهماً حتى حرب 1973*. وتعود الأسباب الرئيسة لإعادة توجيه السياسة السوفييتية بشأن المشكلة الفلسطينية في هذا الصدد إلى: 1) تقارب مصر وتعاونها مع الجهة الكبرى في منظمة التحرير الفلسطينية، وهي منظمة فتح.  2) تزايد النفوذ الصيني بين الفلسطينيين.  3) تزايد نشاط منظمة التحرير الفلسطينية بحيث حازت اهتماماً كبيراً في الشرق الأوسط عموماً. وفي شهر تموز 1968، قام ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة بمرافقة عبد الناصر في زيارته الرسمية للاتحاد السوفييتي. وفي شباط 1970 ترأس عرفات وفدًا فلسطينياً خاصاً إلى موسكو بدعوة من لجنة التضامن السوفييتية – الإفريقية – الآسيوية. وقد دلت هاتان المناسبتان بوضوح على ارتفاع مركز منظمة التحرير الفلسطينية. وسرعان ما بدأت صحيفة برافدا تشير إلى الفلسطينيين بأنهم “شعب فلسطين العربي”، وفي ذلك دلالة على الاعتراف السوفييتي بالتطلعات القومية الفلسطينية. وقد هدفت السياسة السوفييتية بعد حرب 1967 بصورة أساسية إلى تحقيق تسوية للنزاع العربي – الإسرائيلي تتجلى أهم مقوماتها في إعادة الأراضي التي احتلتها (إسرائيل) في عام 1967 وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 242. وقد تضمنت المعادلة السوفييتية لإحلال السلام تأكيد واستمرار الحاجة إلى ضمان استقلال، وسيادة، ووحدة أراضي جميع الدول في المنطقة، بما في ذلك (إسرائيل). وأمام مؤتمر السلام للشرق الأوسط* الذي عقد في جنيف خلال شهر كانون الأول 1973، تجاهل وزير الخارجية السوفييتية غروميكو في خطابه قضية الدولة الفلسطينية، وجعل القضية الفلسطينية تحتل مكاناً بين “العديد من الجوانب الأخرى للتسوية” التي تحل إذا حلت “العقدة الرئيسية”، وهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. وفي عام 1974 بدأ السوفييت يتحدثون بأنتظام عن “الحقوق القومية المشروعة للفلسطينيين”. وقد أشير رسمياً وبصورة علنية إلى الدولة الفلسطينية للمرة الأولى في 8/9/1974، عندما تحدث الرئيس السوفييتي بودغورني عن حق الفلسطينيين “في إقامة دولة لهم بشكل أو بآخر”. وكرر بودغورني هذا التصريح باسم المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي في برقية إلى الرئيس الجزائري هواري بودين، أذيع نصها في 4/10/1974. وفي الحادي عشر من الشهر ذاته تحدث الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي بريجنيف في كيشيف، لأول مرة، عن حق الفلسطينيين في إقامة “وطن قومي”. وقد يكون لهذا التوجه السوفييتي علاقة بمؤتمر القمة العربي* الذي انعقد في الرباط في أواخر تشرين الأول من ذلك العام، وبتدهور العلاقات السوفييتية – المصرية. ولعل قبول الرئيس المصري أنور السادات لسياسة “الخطوة خطوة” التي جاء بها كيسنجر بدلاً من الاقتراح السوفييتي القاضي بتفضيل مؤتمر جنيف هو الذي دفع السوفييت إلى اتخاذ هذا الموقف الجديد. غير أن المشكلة بالنسبة إلى هذا الموقف السوفييتي بشأن الدولة الفلسطينية هو مكان هذه الدولة. ففي حين تحدثت منظمة التحرير الفلسطينية عن إقامة “دولة ديمقراطية علمانية” في عموم فلسطين، شمل التصور السوفييتي دولة بجانب (إسرائيل)، ويعني ذلك “دولة صغيرة” في الضفة الغربية وقطاع غزة. كذلك، عبر الاتحاد السوفييتي في عدة مناسبات عن استعداده لتقديم ” أقوى الضمانات” لاستمرار وجود وطن (إسرائيل)، كما ورد في خطاب غروميكو في نيسان 1975، تكريماً لوزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام أثناء زيارته للاتحاد السوفييتي. لقد أدت اتفاقيات كامب ديفيد* في أيلول 1978 ومعاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية* في آذار 1979 إلى جعل الولايات المتحدة شريكاً مهيمناً داخل محور ثلاثي جديد في المنطقة، وإلى تفويض مركز الاتحاد السوفييتي كشريك على قدم المساواة في أي تسوية سلمية في المستقبل. ولذلك اعتبر الاتحاد السوفييتي اتفاقيات كامب ديفيد “السلاح السياسي الرئيسي للتغلغل الأمريكي في الشرق الأوسط، كما أنها تمثل تحدياً صريحاً لمركز وسياسة الاتحاد السوفييتي”. وفي الوقت الراهن تطابقت وجهات نظر منظمة التحرير الفلسطينية والاتحاد السوفييتي في تحليلهما للموقف، فأثناء لقاء عرفات بغروميكو في دمشق في 25/3/1979 اتفقتا على أن معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية “تنطوي على العداء لحقوق ومصالح الشعب الفلسطيني”. وتلا ذلك أن عزز الاتحاد السوفييتي علاقته بمنظمة التحرير. وتبلور هذا الموقف في اعترافه الرسمي بأن منظمة التحرير هي “الممثل الشرعي الوحيد للشعب العربي الفلسطيني”. وكان الاتحاد السوفييتي قبل ذلك، وحتى تشرين الأول 1978، ممتنعاً عن |إلزام نفسه بالاعتراف بهذا التمثيل الوحيد الذي تنادي به منظمة التحرير. غير أنه في أعقاب مؤتمر القمة لأطراف اتفاقيات كامب ديفيد زار موسكو وفد من منظمة التحرير في تشرين الأول 1978، ووصف البيان المشترك عن الزيارة المنظمة بأنها “الممثل الشرعي الوحيد لللشعب الفلسطيني”. وفي عام 1981 منح الاتحاد السوفييتي مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في موسكو الصفة الدبلوماسية الكاملة. وهكذا يتبين أن السياسة السوفييتية تجاه فلسطين منذ عام 1979 قطعت شوطاً بعيداً في الاتجاه المعاكس لسياسة عام 1947، وبخاصة خلال الفترة ما بعد 1973. فقد تبدلت السياسة السوفييتية خلال هذه الفترة الزمنية من سياسة مؤيدة لإنشاء دولة (إسرائيل) مع تجاهل للشعب الفلسطيني ووجوده وحقوقه، إلى تحرك محدود تجاه القضية الفلسطينية على أساس أنها مشكلة لاجئين. وأخيراً إلى إعلان التأييد المتزايد للحقوق الوطنية الفلسطينية في إقامة دولة. ويمنتج من هذا التغير في سياسة الاتحاد السوفييتي أن السياسة السوفييتية تجاه فلسطين تابعة لسياسته العالمية، وهي إدراكه لميزان القوى بين الدول العظمى، وعلاقاته مع الولايات المتحدة بوجه خاص، وفوق كل ذلك سياسيته في الشرق الأوسط بصورة عامة. ومن هنا فإن سياسة الاتحاد السوفييتي بشأن فلسطين تخضع للمتغيرات، وتقبل التعديل وإعادة التعديل عندما يستدعي ذلك تحقيق الأهداف العليا وهي الانفراج الدولي والعلاقات السوفييتية – العربية بصورة عامة. وبالتالي يمكن تقسيم سياسة الاتحاد السوفييتي تجاه القضية الفلسطينية إلى المراحل التالية: 1) المرحلة الصهيونية 1947 – 1953: وفيها أيدت موسكو (إسرائيل) بشكل قاطع، واعتبرت المشكلة الفلسطينية مشكلة لاجئين وحسب. 2)  سياسة بدء الاقتراب من العرب 1953 – 1956: وطابعها تأييد (إسرائيل ) وبدء تأييد العرب، دون تصور وفهم لحقوق الفلسطينيين. 3)  الاقتراب من الموقف العربي 1956- 1967: واتصفت بتدهور العلاقات السوفييتية- الاسرائيلية تدريجياً نتيجة انفتاح الدول العربية على موسكو من جهة، وإدراك هذه من جهة أخرى إلى (إسرائيل) بدأت تشكل خطرا حقيقياً على المصالح السوفييتية في المنطقة باعتبارها رأس حربة للولايات المتحدة الأمريكية. 4)  سياسة مؤيدة للغرب 1967 – 1973: وخلالها أيد الاتحاد السوفييتي قضية إعادة جميع الأراضي العربية المحتلة في عام 1967، مع القبول المتباطىء للحقوق الفلسطينية. 5)  تأييد الحقوق الفلسطينية 1973 – 1978: وفيها توجهت السياسة السوفييتية نفسها إلى تأييد قضية الحقوق الفلسطينية والدولة الفلسطينية. مع استمرار موقفها من مبدأ الانسحاب الإسرائيلي الشامل من كل الأراضي العربية المحتلة وضرورة تسوية النزاع الشرق – أوسطي تحت مظلة الأمم المتحدة. 6)   الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية 1978 – 1982: وخلالها اعترف الاتحاد السوفييتي رسمياً بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، ثم منحها الميزات الدبلوماسية مع تصلبه تجاه سياسات (إسرائيل) والولايات المتحدة، وخاصة بعد انفضاح نوايا الطرفين في اتفاقيتي كامب ديفيد. 7) التقارب من إسرائيل 1985 – 1991: بوفاة تشيرنينكو في عام 1985 ووصول ميخائيل غورباتشوف إلى قمة السلطة حدثت تحولات في سياسة الاتحاد السوفييتي الداخلية والخارجية. فعلى الصعيد الداخلي قام غورباتشوف بحركة أطلق عليها “البروسترويكا” أي إعادة البناء، والتي رافقتها حركة أخرى اسمها “الغلوسنوست” وتعني المصارحة والمكاشفة. وقد مهدت الحركتان إلى إنهيار الاتحاد السوفييتي في أواخر عام 1991م.           وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية فقد بدأ التقارب بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية ووقف الحرب الباردة بينهما واتباع سياسة الانفتاح ووقف سباق التسلح، حيث عقد غورباتشوف مع الرئيس الأميركي “رولاند بيغن” في 8/12/ 1987، اتفاقية تقضي بإزالة الأسلحة المتوسطة والقصيرة المدى.           وباتباع سياسة الانفتاح هذه أخذ الاتحاد السوفييتي يبتعد عن التورط في القضايا والمشاكل العالمية ولو أدى ذلك إلى عدم تأييد دول العالم الثالث في نزاعاتها مع القوى الغربية، بل تأييد الولايات المتحدة في مجلس الأمن، إن قضت الضرورة، وهذا ما حدث بالفعل في أزمة الخليج العربي حيث صوت الاتحاد السوفييتي لصالح القرارات والمصالح الأميركية.           وكان غورباتشوف يسعى إلى عدم إثارة الولايات المتحدة ويريد التقرب منها، ولذلك وافق على الطلب الأميركي بالسماح ليهود الاتحاد السوفييتي بالهجرة إلى إسرائيل دون قيد أو شرط بحجة أن منعهم من الهجرة يتعارض مع مبدأ حقوق الإنسان. وقام وزير خارجية الاتحاد السوفييتي آنذاك “ادوارد شيفاردناتزه” الذي أصبح رئيساً لجمهورية جورجيا بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي بإعادة فتح القنوات مع إسرائيل مما أثر سلباً على العلاقات العربية – السوفييتية.           وحينما عقد مؤتمر السلام في مدريد في 31/10/1991م اشترك الاتحاد السوفييتي ممثلاً بميخائيل غورباتشوف مع الولايات المتحدة الأميركية ممثلة برئيسها آنذاك “جورج بوش” في رعاية المؤتمر.           وبانهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك جمهورياته سارعت إسرائيل بمد جسورها مع هذه الجمهوريات التي استقلت، وعملت في الوقت نفسه على توثيق علاقاتها مع روسيا، الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي.   المراجع: –   محمد علي الفرا: هل كان غورباتشوف عميلاً أم ضحية البرسترويكا والغلوسنوست، الدستور، 77/1992. –         صلاح الدين دباغ: الاتحاد السوفييتي وقضية فلسطين، بيروت 1968. –         رشيد خالدي: السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط في أعقاب اتفاقيات كامب ديفيد، بيروت 1979. –   جاليا جولنGolia Golan : يوم عيد الغفران وما بعده، الاتحاد السوفييتي وأزمة الشرق الأوسط، لندن 1977. –         والتر ليكيرWalter Laqueur : الاتحاد السوفييتي والشرق الأوسط، نيويورك 1959. –   والتر ليكيرWalter Laqueur : النضال لأجل الشرق الأوسط، الاتحاد السوفييتي في البحر المتوسط 1958 – 1969، نيويورك 1969. –         جورج لسومنسكي: التقدم السوفييتي في الشرق الأوسط، واشنطن 1969. –         ستيفن بيج Stephen Page : الاتحاد السوفييتي والعرب – الأبعاد الأيديولوجية، نيويورك 1973. –         ياسوف رويYusov Roi : حدود القوى، السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط، لندن 1979. يفيغيني يرتاكوف: الولايات المتحدة والقضية الفلسطينية، بيروت 1981.   الاتحاد الشيوعي الثوري: رَ: ماتسبن (منظمة) الاتحاد الصهيوني التصحيحي: رَ: المنظمة الصهيونية الجديدة