هيكرافت

في الأول من أيار 1921 نظمت الهستدروت* مظاهرة للعمال اليهود في الشوارع الخارجية لمدينة يافا فتعرض لها جمهور من الحزب الشيوعي اليهودي وقام بالاعتداء على المتظاهرين ورد مظاهرتهم إلى جهة الحي الاسلامي -اليهودي المشترك. وحدثت مشاجرة بين العرب واليهود لأن المتظاهرين اليهود كانوا يرفعون الرايات الصهيونية والرايات الحمراء، الأمر الذي استقر مشاعر الوطنيين فرأوا في ذلك التصرف اعلانا عن حكومة يهودية في البلاد. وقد أطلق اليهود النار على العرب واشتبك الفريقان وقتل عدد من كل منهما، الأمر الذي اضطر حاكم يافا إلى طلب القوة عسكرية بريطانية من اللد لفض الاشتباكات. وفي صباح اليوم التالي استؤنفت الاضطرابات وسقط عدد آخر من القتلى من الطرفين. وبطشت القوات البريطانية بالمتظاهرين العرب الذين طالبوا باحلال قوات هندية محل القوات البريطانية، كما طالبوا بالسلاح ليدافعوا عن أنفسهم أمام الصهيونيين المسلحين. امتدت الاضطرابات إلى المناطق المجاورة لمدينة يافا. ففي قرية ملبس اعتدى الصهيونيين على مواطنين عرب وقتلوا منهم أطفالا وهتكوا أعراض النساء وبقروا بطونهن وطرحوهن عاريات. وقد استمرت هذه الاضطرابات حوالي خمسة عشر يوما قام العرب خلالها بالرد على اعتداءات اليهود فهاجموا مركز الهجرة الصهيوني وبعض المستعمرات بين يافا* وطولكرم*. وتجمع المصادر التاريخية على أن معظم القتلى من العرب سقطوا بسلاح القوات البريطانية التي كانت تبادر عادة إلى البطش بهم. وكانت حصيلة هذه الاضطرابات 47 قتيلاً و146 جريحاً من اليهود و48 قتيلاً و73 جريحاً من العرب (رَ: يافا، ثورة). وجاءت عمليات القمع البريطانية الجديدة ضد العرب في يافا بعد أسابيع قليلة من عمليات القمع الوحشية التي مارستها قوات الشرطة البريطانية على المتظاهرين العرب في حيفا (28/3/1921) ابان زيارة تشرشل وزير المستعمرات البريطاني احتجاجا على تصريحاته الممالئة الصهيونية وتأكيده أن بريطانيا مصممة على تنفيذ وعد بلفور* واقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وقد رأت الحكومة البريطانية أن روح العداء لها بسبب ميلها الواضح إلى اليهود قد تفاقمت، وأن اضطرابات يافا التي امتدت لتشمل قضاءها كله تنذر بالامتداد إلى مناطق أخرى من فلسطين. وفي محاولة منها لامتصاص النقمة الجديدة التي زاد من حدتها تنكيل قوات الشرطة البريطانية بالعرب مجددا بادرت إلى تأليف لجنة للتحقيق في ملابسات أحداث يافا، وأسندت رئاستها إلى السير توماس هيكرافت قاضي قضاة فلسطين، وعينت ج.سنايس وه. لوك عضوين فيها. بدأت اللجنة عملها في أواخر أيار 1921 وأجرت كثيرا من الاتصالات بالمؤسسات العربية، ولا سيما الجمعية الاسلامية – المسيحية في يافا، واستمعت إلى عشرات الشهود من يافا وقضائها. كما تلقت تقريرا عن أحداث يافا من الجمعية الاسلامية – المسيحية فيها. وفي تشرين الأول 1921 قدمت اللجنة تقريرها إلى مجلس العموم البريطاني. وقد حاولت أن تشرح فيه الأسباب الحقيقية للاضطرابات التي كانت مظاهرة أول أيار في يافا الشرارة التي أشعلتها فالت ان الشعور السائد في البلاد ضد اليهود هو السبب الأساسي لوقوع الاضطرابات، وهو ناشىء عن خطة الحكومة البريطانية فيما يتعلق بالوطن القومي اليهودي وموقفها الواضح في مساعدة الصهيونية لتحقيق ذلك. الأمر الذي نجم عنه كراهية العرب للسلطة البريطانية وتوحدهم مسلمين ومسيحيين في معاداة اليهود. وقالت اللجنة انه لا أساس لاتهامات اليهود بأن العرب هم الذين دبروا هذه الاضطرابات لأن الأول من أيار 1921 كان عيد الفصح عند العرب الأرثوذكس، وكانوا في بيوتهم يتقبلون التهاني من أصدقائهم المسلمين. وأما الهجمات العربية على المستعمرات اليهودية المجاورة ليافا فقد كان سببها الاشاعات التي انتشرت عن قتل اليهود للعرب في حوادث يافا. ثم بسطت اللجنة شكاوى العرب التي استخلصتها من شهود متعددين مسلمين وأرثوذكس ولاتين وروم كاثوليك وانغليكان بينهم كهنة الطوائف المسيحية المذكورة .وقد أجمعت هذه الشكاوى على أن الصهيونيين يسيطرون على الحكومة البريطانية في لندن، الأمر الذي دفع اداراتها في فلسطين إلى انتهاج خطة ترمي إلى تأسيس وطن قومي لليهود لا خطة تستهدف مصلحة جميع سكان فلسطين أو منفعتهم. كما أن السلطات البريطانية مكنت المنظمة الصهيونية* من أن تكون حكومة داخل حكومة فلسطين. فخطة الصهيونية ترمي إلى اغراق فلسطين بعناصر يهودية متخصصة في الشؤون الادارية والتجارية، الأمر الذي يتيح لليهود تفوقا نوعيا على العرب. ولذلك زاد عدد الموظفين اليهود في حكومة فلسطين زيادة مذهلة لا تتناسب وعدد اليهود، وأجمعت الشكاوى على أن المهاجرين اليهود يشكلون خطرا اقتصاديا على أهالي فلسطين لما يلاقيه هؤلاء المهاجرون من تسهيلات. وجاء في الشكاوى أن اليهود والمهاجرين ولا سيما شباب الحالوتسيم، يسيئون للعرب بعجرفتهم وخروجهم على الآداب العامة في الشوارع واحتقارهم العادات الاجتماعية العربية. وأشارت اللجنة إلى أن نجح اليهود أثار المشاعر ضدهم وأنهم حين كانوا أقلية في العهد التركي لم يكن أحد يكرههم أو يضايقهم، ولكن تدفق الهجرة اليهودية وممالأة حكومة الانتداب الصهيونية جعلا العرب يعتقدون أن اليهود أصبحوا ذوي نفوذ عظيم في الحكومة، وهذا ما أثار لديهم شعور النقمة والكراهية والعداء. وقد اهتمت اللجنة في تقريرها بابراز درجة الوعي السياسي لدى عرب فلسطين فأشارت إلى أنهم يحرصون على قراءة ما يكتبه عنهم الصهيونيون ومؤيدوهم في الخارج. وأوردت على سبيل المثال ما قدمه أحد الشهود من فقرات مهيجة ضد العرب في كتاب طبع في لندن عام 1918، وعنوانه “انكلترا وفلسطين”، من تأليف ه سايدبوثام. وضمنت اللجنة تقريرها فقرات وردت في مقال افتتاحي لجريدة “الجويش كرونيكل” البريطانية (25/5/1931) جاء فيه أن الحل الوحيد لمسألة فلسطين هو اعطاء اليهود – كيهود – حقوقا وامتيازات في فلسطين تمكنهم من جعلها يهودية، مثلما انكلترا انكليزية وكندا كندية. وقالت اللجنة اتانها لم تكن تعلم مدى افتتاح المسؤولين الصهيونيين بهذه الأفكار الا بعد استجوابها الدكتور ديفيد أيدر نائب رئيس المنظمة الصهيونية الذي يعد من المعتدين: فقد قال: “ليس من الممكن أن يكون في فلسطين سوى وطن قومي واحد هو الوطن اليهودي. ومن المستحيل أن تكون ثمة مساواة في الشركة بين اليهود والعرب. وينبغي أن تكون هناك سيادة يهودية حالما يزداد هذا العنصر ازديادا كافيا”. وأضاف أيدر قائلا: “يجب أن يسمح لليهود لا للعرب بحمل السلاح، لأن تسليح اليهود دون سواهم هو الفيل بتحسين العلاقات بينهم وبين العرب”. كانت قيمة تقرير اللجنة تكمن في فضحه تواطؤ الحكومة البريطانية مع الخطة الصهيونية الرامية إلى انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وفي تقديمه مبررات النقمة العربية على الحكومة البريطانية المماثلة للصهيونية ومبررات العداء العربي (الاسلامي والمسيحي) لليهود في فلسطين. وقد شنت الدوائر الصهيونية هجوما عنيفا على التقرير فاعتبره وايزمان هدية قدمت إلى خصومه الذين أحسنوا استغلاله لتشويه أغراض الصهيونية، وذهب وايزمان إلى أنه غرس بذور المتاعب التي واجهها الصهيونيون في فلسطين في السنوات التالية. المراجع: أكرم زعيتر: وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1939، بيروت 1979. الأمانة العامة جامعة الدول العربية – ادارة فلسطين: الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين، المجموعة الأولى 1915- 1946، القاهرة 1957. حسن صبري الخولي: سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، القاهرة 1970-1973. Command Paper 1540.Report of the Haycraft Commission on Palestine Disturbance of I May 1921.