موم

عندما عقد المؤتمر البريطاني – العربي في لندن بين 7/2 و15/3/1939 وجد من الضروري اجراء تحقيق عن علاقة الرسائل المتبادلة بين السير هنري مكماهون المندوب البريطاني في القاهرة، والشريف حسين شريف مكة عن الوضع في فلسطين (رَ: الحسين – مكماهون، مراسلات). وقد ألفت لجنة لدرس تلك الرسائل ضمت عن الجانب العربي نوري السعيد، وعبد الرحمن عزام، وعوني عبد الهادي* وموسى العلمي، وجورج أنطونيوس* السكرتير العام للوفود العربية، والسير متشيل ماكدونيل رئيس المحكمة العليا في فلسطين سابقاً بصفة مستشار. وضمت اللجنة عن الجانب البريطاني اللورد موم Maugham قاضي القضاة في انكلترا، والسير غراتان بوش المستشار بوزارة الخارجية، ومعهما المستر ج. هيورث دن أستاذ اللغة العربية في مدرسة الدراسات الشرقية بجامعة لندن كمستشار، والمستر ج. ر. كولفيل السكرتير الثالث بوزارة الخارجية كسكرتير للجانب البريطاني. اجتمعت اللجنة المذكورة في مجلس اللوردات أربع سنوات بين 23/2 و16/3/1939 ودرست مراسلات مكماهون – حسين وحوادث معينة لاحقة وثائق أخرى رأى ممثلو بريطانيا أنها قد تلقي ضوءا على معنى المراسلات أو المقصود منها. وقدمت اللجنة تقريرها في 16/3/1939. في بداية اجتماعات اللجنة بين اللورد موم انه ليس حاضراً بصفته القضائية، وليس له أن يفصل كقاض في صحة آراء الحكومة البريطانية في الموضوع المطروح أو آراء العرب، وانما هو ممثل للحكومة البريطانية مهمة الوحيدة شرح آرائها وبيان حجمها حول هذا الموضوع. وتتلخص الحجج التي قدمها المندوبون العرب في: 1) أن فلسطين كانت داخلة في منطقة الاستقلال العربي حسبما ظهر من مراسلات مكماهون – حسين. 2) وأن الدليل التاريخي يلقي ضوءا على نيات الحكومة البريطانية في سنة 1916. وهو يثبت أن الساسة البريطانيين عند درسهم لما طلبته فرنسا من حصول على مركز خاص في سورية (ومن ضمنها فلسطين) شعروا بأن الضرورة تقضي بمقاومة مطلب فرنسا فيما يتعلق بفلسطين ولم يعترفوا لها به الا فيما يتعلق بأجزاء من سورية الشمالية. فالتحفظ الذي وضعه السير هنري مكماهون في مذكرته المؤرخة في 24/10/1915 يجب أن يقرأ في ضوء الموقف الذي كانت تتخذه وزارة الخارجية البريطانية في ذلك الوقت. 3) ان استثناء فلسطين من منطقة الاستقلال العربي لا يبرره الا الاستناد على مطالب فرنسا، وقد نزلت فرنسا أخيرا عن مطلبها فيما يتعلق بفلسطين ففقد المبرر ما يمكن أن يكون له من قوة. 4) ان السير هنري مكماهون قد قبل منطقة الاستفلال العربي عدا “التحفظات”. ولم يرد ذكر فلسطين في هذه التحفظات فهي اذا داخلة في منطقة الاستقلال العربي. ويمكن تلخيص الحجج التي أدلى بها المندوبون البريطانيون فيما يلي: 1) كانت فلسطين في مركز خاص جداً في الوقت الذي دارت فيه المراسلات لكونها بلاداً مقدسة لديانات ثلاث كبرى، ولأن لبريطانيا فيها بوصفها مجاورة لمصر وقناة السويس مصالح عملية واضحة، ولأنها لم تكن بلاداً عربية صرفاً. 2) ان ما استثناه السير هنري مكماهون في كتابه المؤرخ في 24/10/1915 من منطقة الاستقلال العربي التي طلبها الشريف حسين في كتابه المؤرخ في 14/7/1915، وهو” أجزاء من سورية واقعة غربي ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب”، يخرج ذلك القسم من سورية الجنوبية من ولاية بيروت السابقة وسنجق القدس الذي يعرف الآن بفلسطين. 3) أن التحفظ الوارد في كتاب هنري مكماهون فيما يتعلق بالمصالح الفرنسية ينطبق وما زال يسري منذ ذلك الوقت على كل الأرض التي طالبت بها فرنسا في 24/10/1915، وبالتالي على فلسطين التي كانت تعد في ذلك الوقت جزءا من سورية. وهذا التحفظ يستمر سريانه على هذا الوجه حتى لو نزلت فرنسا فيما بعد نهائياً عن مطلبها الخاص بفلسطين لسبب من الأسباب. 4) إن السير هنري مكماهون والسير غلبرت كلايتن وقد اشتعلا بصوغ المراسلات من القاهرة قرراً بعد ذلك أن المقصود من هذه المراسلات إخراج فلسطين من منطقة الاستقلال العربي. وقد رد المندوبون العرب على الحجج البريطانية بملاحظات كتابية. وتولى السير متشيل ماكدونيل الصياغة القانونية للردود التي تتلخص في ما يلي: 1) إن القول بأن الصبغة المقدسة لفلسطين وجوارها لمصر يجعلان تسليمها إلى الحكم العربي بدون ضمانات أمراً غير معقول، ان هذا القول يفنده أن السير هنري مكماهون نص بصراحة على ضمانات خاصة بسلامة الأماكن المقدسة وبالتعاون البريطاني في انشاء حكومة عربية صالحة. وقد نص مكماهون على مثل هذه الضمانات الخاصة بالأماكن المقدسة لاثبات أنه كان يفكر في فلسطين ويعنيها حين قطع العهود البريطانية للشريف حسين. 2) إن القاعدة السليمة للحكم في الموضوع كله هي المراسلات نفسها. وأن ما قاله السير هنري مكماهون في عام 1937 من انه كان يقصد أن يخرج فلسطين من منطقة الاستفلال العربي لا يجوز أن يكون له من الوزن والقيمة فوق ما يستحق. وأن ما كان يعنيه مكماهون أو يقصده فيما بعد لا قيمة له على الاطلاق لأنه لم يكن هو الذي يقطع العهود بل الحكومة البريطانية التي كان هو مجرد أداة لها. والشيء نفسه يقال عما صدر عن السير غلبرت كلايتن في عام 1923. 3) إن الرجل البريطاني المسؤول عن السياسة البريطانية التي رسمت آنذاك كان السير ادورد غري وزير الخارجية. وقد خطب في مجلس اللوردات في 27/3/1923 فقال: “انه يشك شكاً كبيراً في صحة تفسير الحكومة البريطانية للعهد الذي أمر هو بأن يقطع للشريف حسين في سنة 1915. ثم يرد المندوبون البريطانيون بما يلي: 1) إن حجة العرب فيما يتعلق بتفسير المراسلات كما شرحت للجنة، ولا سيما فيما يتعلق بمعنى عبارة (أجزاء من بلاد الشام واقعة إلى الغرب من ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب). لها من القوة أكثر مما كان يبدو من قبل. 2) يوافق المندوبون البريطانيون على أن فلسطين كانت داخلة في المنطقة التي طالب بها الشريف حسين في كتابه المؤرخ في 14/1/1915، وما لم تكن فلسطين قد استثنيت فيما بعد من هذه المنطقة فانه يجب عندها داخلة في المنطقة التي تعهدت بريطانيا بالاعتراف بالاستقلال العربي فيها وتأييده. وأن العبارة التي ورد فيها استثناء فلسطين لم تكن محددة وصريحة أو غير قابلة للخطأ كما ظن في وقتها. وقالت اللجنة المشتركة انه ليس من اختصاصها أن تبدي رأياً في التفسير الصحيح للبيانات المختلفة التي تلت مراسلات حسين – مكماهون، مثل اتفاقية سايكس – بيكو*، ووعد بلفور*، ورسالة هوغارث إلى الملك حسين في كانون الثاني 1918، والتصريح البريطاني في القاهرة في حزيران 1918، والتأكيدات التي أعطاها اللورد اللبي لأمير فيصل في 13/10/1918، والتصريح البريطاني- الفرنسي في 7/11/1918. ومع ذلك ترى اللجنة أنه يتضح من هذه البيانات أن الحكومة البريطانية لم تكن  حرة في التصرف بفلسطين دون مراعاة رغبات أهالي فلسطين ومصالحهم. وأن هذه البيانات يجب أن تدخل في الحساب عند محاولة تقدير المسؤوليات التي تحملتها الحكومة البريطانية حول هؤلاء الأهالي كنتيجة للمراسلات كائناً ما كان تفسيرها. واضح مما تقدم أن لجنة موم لم تشكل لتحسم في الظلامات العربية من بريطانيا بل  لتمتص المنظمة العربية ليس إلا. ولا أداى على ذلك من انها رغم ميلها في النهاية إلى الحجج العربية حول مضمون رسائل مكماهون والشريف حسين فيما يتعلق بفلسطين فانها لم تبت فيها، كما ان آراها النهائية حفظت في ملفات وزارة الخارجية البريطانية ليطويها النسيان.   المراجع:   فاضل حسين: تاريخ فلسطين السياسي تحت الانتداب البريطاني (مترجم)، بغداد 1967. جامعة الدول العربية: الوثائق الرئيسة في قضية فلسطين، المجموعة الأولى (1915-1946). Report of Commission Set up to Consider Certain Correspondence Between Sir Henry Mc Mahon and the Sherif of Mecca in 1915-1916, British White Paper, Omd, 5974 of 1939.     مونتفيوري (جمعية -): رَ: أحياء صهيون