لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين

على أثر الاضطرابات الدامية التي وقعت نتيجة لقرار تقسيم فلسطين* الذي أصدرته الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة ورقمه 181 بتاريخ 29/11/1948 أصدرت هذه الجمعية أيضاً في دورتها الاستثنائية الثانية قراراً رقمه 186 بتاريخ 14/5/1948  فوضت بموجبه إلى “وسط تابع للأمم المتحدة في فلسطين تختاره لجنة من الجمعية العامة سلطة القيام بالمهمة التالية: “استعمال مساعيه الحميدة لدى السلطات المحلية والطائفية في فلسطين في سبيل: “1) تأمين القيام بالخدمات العامة الضرورية لسلامة سكان فلسطين ورفاهيتهم. “2) تأمين حماية الأماكن المقدسة، والمباني والمواقع الدينية في فلسطين. “3) إيجاد تسوية سلمية  للوضع المستقبل في فلسطين”. قامت اللجنة المذكورة بتسمية الكونت فولك – برنادوت وسيطاً للأمم المتحدة في دورتها الثالثة (خريف 1948) . وقبل أن تدين الجمعية التقرير اغتال الصهيونيون الوسيط الدولي يوم 17/9/1948 بينما كان يقوم بواجبه في فلسطين المحتلة. تضمن تقرير برنادوت بين ما تضمنه أن عرب فلسطين لم يغادروا ديارهم ويهجروا ممتلكاتهم طولها أو اختياراً بل نتيجة لأعمال العنف والإرهاب التي قامت بها السلطات الإسرائيلية ضد العرب الآمنين. وانتهى في تقريره إلى أن قضية فلسطين لا يمكن حلها إلا إذا اتيح للاجئين العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم. وقد استندت الجمعية العامة إلى هذا التقرير فاصدرت في الدورة الثالثة ذاتها قرار رقمه بتاريخ 11/12/1948 تضمن تشكيل لجنة ثلاثية تدعى “لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين”. وأوكلت الجمعية إلى اللجنة عدة مهام أهمها: 1) القيام بالمهام التي أوكلت إلى وسيط الأمم المتحدة لفلسطين بموجب قرار الجمعية رقم 182 (الدورة الثالثة) الصادر في 14/5/1948 والمشار إليه من قبل. 2) تقديم اقتراحات إلى الجمعية العامة في دورتها الرابعة (أي في خريف 1949) بشأن إقامة نظام دولي دائم لمنطقة القدس. 3) تسهيل إعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد، وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي. وكذلك دفع التعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود وضرر. إن المهمة الثالثة للجنة التوفيق ترتبط بالفقرة 11 من القرار ذاته، وهي المتعلقة بعودة اللاجئين ونصها “11 تقرير (الجمعية العامة) وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم وجوب دفع تعويضات عن مممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر عنده يكون من الواجب، وفقاً لمبادىء القانون الدولي والانصاف، أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة”. تشكلت لجنة التوفيق من ثلاث دول هي فرنسا وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وباشرت عملها بأن دعت الحكومات العربية إلى مؤتمر عقد في بيروت يوم 21/3/1949 لبحث قضية فلسطين ومشكلة اللاجئين، وفيه عرضت الوفود العربية آراها ومواقفها. ثم أخذت اللجنة تدرس بعض المشكلات الفرعية كأموال اللاجئين وغيرها. واستطاعت الإفراج عن جزء كبير من أموال اللاجئين المجمدة في مصارف فلسطين المحتلة. وأقامت اللجنة عام 1952 مكتبا لها في نيويورك وآخر في القدس، وبدأت تسعى لإحصاء أملاك اللاجئين وحصرهم. وحصلت من الحكومة البريطانية، بوصفها حكومة الانتداب السابقة،على ميكروفيلم يصور دفاتر السجل العقاري الفلسطيني. واعتبرت هذه الوثيقة ضرورية لتوضيح مواقع الأملاك العربية ومساحتها وأسماء ملكيتها وحصة كل مالك فيها وغير ذلك من المعلومات المفيدة. وبغية تنفيذ هذه الأعمال عينت اللجنة خبيراً بالأراضي ومجموعة من الموظفين والاختصاصين أوكلت إليهم إنجاز برنامج حددت لهم مراحله ومضمونه. وقد قطعت اللجنة في مجال تحديد الأملاك العربية شوطاً واسعاً حين ذكرت في تقريرها المؤرخ في 21/5/1958 أن برنامج تحديد مواقع أملاك اللاجئين العرب كاد ينتهي. غير أن اللجنة لم تستطيع أن تنجز مهمتها بشكل كامل في مجال تحديد أملاك العرب بسبب موقف (إسرائيل) السلبي منها. بدأ نشاط اللجنة لإعادة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم تنفيذاً للفقرة من قرار تشكيل اللجنة والمذكورة سابقا متعثراً، فقد أخذت (إسرائيل) تضع أمام اللجنة بعض العراقيل، كما أن هذه لم تسع من جهتها في الوقت ذاته سعياً جدياً لإزالة تلك العراقيل واقتراح التدابير التي تحير (إسرائيل) على تنفيذ قرار الجمعية العامة. زارت اللجنة تل أبيب سنة 1949 وتباحث مع الحكومة الإسرائيلية في طرائق تنفيذ قرار الجمعية العامة، فردت الحكومة الإسرائيلية بأن حل مشكلة اللاجئين مرتبط بالتسوية النهائية لقضية فلسطين، وأصرت على رفض تنفيذ القرار ما لم يسبق ذلك عقد صلح نهائي مع العرب. دعت اللجنة الحكومات العربية وحكومة (إسرائيل) إلى إرسال مندوبين عنها إلى لوزان في سويسرا لإجراء محادثات بشأن قضية فلسطين وبدأت يوم 26/4/1949 تعقد اجتماعات مع كل من الفريقين على حدة. وكانت (إسرائيل) قد طلبت في الوقت ذاته من الأمم المتحدة قبول عضويتها في المنطقة الدولية. فطلبت الجمعية العامة للمنظمة من (إسرائيل) تأكيدات بشأن تنفيذ قرار التقسيم وعودة اللاجئين (الفقرة 11 من القرار 194) وتدويل القدس وتغلب قتلة برنادوت. فبادرت (إسرائيل) إلى إصدار هذا التأكيد ووقعت على “بروتوكول لوزان” الذي كان نتيجة اتفاق الفريقين بواسطة لجنة التوفيق في 12/5/1949. وقد ساعد ذلك كله على قبول الجمعية العامة (إسرائيل) عضوا في منظمة الأمم المتحدة في اليوم ذاته (رَ: إسرائيل في الأمم المتحدة، عضوية). تضمن بروتوكول لوزان عاة مواد أهمها: 1) اتخاذ الخريطة الملحقة بقرار الجمعية العامة الصادر في 29/11/1947 (قرار التقسيم) أساساً للمحادثات بشأن مستقبل فلسطين. مع بعض تعديلات إقليمية تقتضيها اعتبارات فنية. 2) ارتداد (إسرائيل) إلى ما وراء حدود التقسيم. 3) تدويل القدس. 4) عودة اللاجئين وحقهم في التصرف بأموالهم وأملاكهم وحق التعويض الذين لا يرغبون في العودة. لم تحترم (إسرائيل) توقيعها. فما إن قبلت الجمعية العامة عضويتها في منطقة الأمم المتحدة حتى بادرت إلى التنكر لاتزاماتها في بروتوكول لوزان فرفضت تنفيذ مواده. ولما عجزت لجنة التوفيق عن اقناعها بالإبقاء بما التزمت به أمام المنظمة الدولية أعلنت فشل مؤتمر لوزان وإنهاء أعماله. وكان ذلك إيذاناً بتجميد عمل اللجنة بعد ذلك. أثارت وفود الدول العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة موضوع عجز اللجنة عن أداء مهمتها، واقترح الاتحاد السوفييتي في الدورة السابعة (أيلول –كانون الأول 1953) وحلها، بينما اقترحت باكستان توسيعها بضم دول أخرى إليها. وقد اعترفت هي نفسها بهذا العجز في تقاريرها المقدمة إلى الجمعية العامة، مما أدى إلى تقليص مهمتها عاماً بعد عام. ولم تستطع اللجنة منذ إنشائها وحتى الآن – إذ ما زالت من الناحية النظرية ذات ولاية على المهام التي أشرنا إليها – أن تعيد لاجئاً واحداً إلى وطنه، أو تؤمن للاجىء واحد لا يرغب في العودة حقه في التعويض، أو تتوصل إلى “تسوية سلمية للوضع المستقبل في فلسطين”، أو تحقق “ارتداد إسرائيل إلى ما وراء حدود التقسيم”. وكل ما استطاعت فعله هو القيام وإنجاز برنامج لإحصاء أملاك العرب الثابتة في فلسطين واثباتها وتثمينها، والافراج عن بعض أموالهم المجمدة في مصارف فلسطين المحتلة. إزاء هذا العجز الذي أصيب به اللجنة أصدرت الجمعية العامة في دورتها السادسة قراراً رقمه 512 وتاريخه 26/1/1952 أعلنت فيه أسفها لعدم استطاعة اللجنة “أن تتم مهمتها بمقتضى قرارات الجمعية العامة”. وطلبت منها “أن تواصل جهودها بما يكفل تنفيذ قرارات الجمعية العامة المتعلقة بفلسطين”. وقد ثابرت الجمعية العامة كل عام منذ ذلك الحين حتى الآن، على تخصيص فقرة في أحد قراراتها تعلن فيها أسفها وتحث اللجنة على مواصلة عملها. ويذكر على سبيل المثال ما ورد في القرار رقم 3419 (باء) الذي أصدرته الجمعية العامة في دورتها التاسعة والعشرين في 8/12/1975. فقد ورد في الفقرة الثالثة منه ما يلي: “تلاحظ (الجمعية العامة) مع الأسف أن لجنة الأمم المتحدة لتوفيق بشأن فلسطين لم تتمكن من ايجاد الوسائل لتحقيق أي تقدم في تنفيذ الفقرة 11 من قرار الجمعية العامة رقم 194(الدورة 3)، وتطلب من اللجنة أن تبذل جهود متواصلة من أجل تنفيذ هذه الفقرة، وأن تقدم تقريراً في الوقت الملائم، على أن لا يتأخر ذلك عن 1/10/1976”. تعاونت الدول العربية مع لجنة التوفيق واستقبلت مبعوثيها. إلا أن تقاعس هذه اللجنة عن تأدية مهمتها الرئيسة، وهي إعادة اللاجئين، خلف شعوراً بالخيبة. وهذا ما دعا مجلس جامعة الدول العربية إلى أن يوصي الدول العربية المضيفة للاجئين بأن تبلغ مبعوث اللجنة الدكتور جوزيف جونسون “أن الدول العربية فقدت أملها في لجنة التوفيق بسبب تقاعسها التام عن بذل المساعي اللازمة لإعادة اللاجئين إلى وطنهم. وسكوتها سكوتاً أدبياً حيال تصرف إسرائيل تجاه أملاك اللاجئين في المنطقة المحتلة”. وأعلن القرار أيضاً “أن تصرفات اللجنة حتى اليوم  تؤكد صادق المآخذ التي سجلها العرب على كيفية تأليفها والعناصر التي شكلت منها، وإصرار الدول العربية على إعادة تكوينها. وقد دلت القرائن ووقائع الماضي على أن هذه اللجنة المشكلة من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا لم تقف في تنفيذ مهمتها الموقف الحيادي” (من قرار مجلس الجامعة رقم 1818/د بتاريخ 3/4/1966). وقد كرر مجلس الجامعة هذا الموقف في قرارات أصدرها في دورات تالية.   المراجع:   مجموعة قرارات جامعة الدول العربية (1962-1967). مجموعة قرارات الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة (1948-1974). تقارير لجنة التوفيق إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. تقرير الأمانة العامة لجامعة الدول العربية عن لجنة التوفيق مؤرخ في شهر تشرين الثاني 1972.