كينغ – كرين

من بين مقررات مؤتمر الصلح الذي عقدته دول الحلفاء في باريس عام 1919 لاقتسام الأراضي التي تمت لها السيطرة عليها في الحرب العالمية الأولى إرسال لجنة ثلاثية لزيارة سورية وفلسطين والاطلاع على وجهات نظر السكان تمهيداً لتقرير مصير المنطقة. وقد جاء هذا القرار بناء على اقتراح تقدم به الرئيس الأمريكي ولسون في 20/3/1919 ووافق عليه المجلس الأعلى للمؤتمر. إلا أن المخاوف البريطانية – الفرنسية من تسلل الولايات المتحدة إلى المنطقة حملت فرنسا على رفض تعيين ممثلها في اللجنة وبريطانيا على سحب ممثلها. ولذا اقتصرت اللجنة على العضوين الأمريكيين، وهما هنري سي كنغ وتشارلس كرين، يصحبهما ثلاثة مستشارين هم الدكتور ليبايرو والمستر مونت كوموري والكابتن وليم ييل، بالإضافة إلى السكرتير بروري ومدير أعمال اللجنة المستر مور. وكانت المنظمة الصهيونية العالمية* قد قدمت إلى المجلس الأعلى للمؤتمر في 3/2/1919 مذكرة رسمية ضمنتها مطالب الصهيونية من مؤتمر الصلح وعلى رأسها الاعتراف بما يسمى الحق التاريخي للشعب اليهودي في فلسطين وحق اليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين. وفي الوقت نفسه كان عرب فلسطين قد بعثوا إلى المؤتمر مذكرات مماثلة منها مذكرة الاحتجاج التي بعث بها وجهاء وأعيان مدينة نابلس ووجوه وعمداء قراها في 11/1/1919، والمذكرة التي بعثها المؤتمر العربي الفلسطيني* الأول في 3/2/1919، والاحتجاج على كل اتفاق يعطي اليهود حقوقاً في فلسطين الذي بعثه سكان مدينة نابلس إلى الأمير فيصل في مؤتمر الصلح. وقد ركزت المذكرات العربية على أن فلسطين جزء لا يتجزأ من سورية، وعلى رفض المطالب الصهيونية بإنشاء وطن لليهود في فلسطين. في هذه الأثناء نشط عرب فلسطين في تنظيم أنفسهم وتوحيد صفوفهم لمواجهة الخطر الصهيوني فشكلوا الكثير من المنظمات والهيئات الوطنية كان من أبرزها الجمعية الإسلامية – المسيحية* التي أعلن عن تأسيسها قبل أيام من وصول لجنة كينغ كرين إلى فلسطين (رَ: الجمعيات الإسلامية – المسيحية). وفور إعلان الحاكم العسكري البريطاني الكولونيل جون هارد قرار إرسال لجنة كينغ – كرين كلفت الجمعية الإسلامية – المسيحية تقديم مطالب المؤتمر العربي الفلسطيني إلى هذه اللجنة. وقد تمثلت تلك المطالب بالآتي: 1) أن تكون سورية التي تبتدىء من جبال طوروس شمالاً وتنتهي في العريش جنوباً مستقلة استقلالاً تاماً. 2) أن تكون فلسطين التي هي جزء لا ينفك عن سورية مستقلة استقلالاً داخلياً تنتخب جميع حكامها من الوطنيين وتسن قوانينها الداخلية وفقاً لرغبات السكان وحاجات البلاد. 3) رفض الهجرة الصهيونية رفضاً بتاتاً والاحتجاج على جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود ورفض ذلك والاحتجاج على الصهيونية بكل قوة. وأما اليهود المستوطنون في البلاد فهم مثل أبنائها في الحقوق والواجبات. وفي 10/6/1919 بدأت اللجنة عملها في يافا* فالتقت بالجمعيات فيها (دار العلوم الإسلامية، وجمعية الشبيبة اليافية، وجمعية التعاون المسيحي، والجمعية الأهلية) واجتمعت بممثلي الطوائف ثم بمندوبي ثمان وخمسين قرية من قرى اللد* والرملة*. وفي طريقها إلى القدس* مرت اللجنة بعيون قارة واجتمعت بممثلين عن اليهود واستمعت إلى مطالبهم. بدأت اللجنة عملها في القدس صباح يوم الاثنين 16/6/1919 فالتقت أعضاء الجمعية الإسلامية – المسيحية الذين شرحوا للجنة مطالب الأهالي وتمسكهم بوحدة فلسطين وسورية واستقلالها ورفض الصهيونية والهجرة اليهودية. سافرت اللجنة في اليوم التالي إلى بيت لحم* حيث اجتمعت بالأهلين في النادي الأدبي. وأكد المتحدثون كلهم، وفيهم وفد بيت جالا*، المطالب الثلاثة التي قدمتها الجمعية الإسلامية – المسيحية وقدموا مضبطة تحمل أكثر من ألف توقيع تؤكد المطالب المذكورة. وفي 17/6/1919 توجهت اللجنة إلى الخليل* حيث التقت بوفود الأهلين. ثم اتجهت في اليوم نفسه إلى بئر السبع* فاجتمعت في اليوم التالي بممثلي عربيان بئر السبع ووفود غزة* وأكد الجميع المطالب الثلاثة السابقة. ثم عادت اللجنة إلى القدس وواصلت مقابلاتها لوفود طائفتي الكاثوليك والبروتستانت وجمعيات المنتدى الأدنى* والنادي العربي* والاخاء والعفاف*، وقابلت وفودا قدمت من اللد والرملة وهي تحمل مضابط بالمطالب ذاتها. غادرت اللجنة القدس صباح السبت 21/6/1919 متجهة إلى نابلس*. وفي رام الله* استقبلتها وفود تضم مخاتير 40 قرية. وفي نابلس قابلت اللجنة وفد الجمعية الاسلامية المسيحية الذي قدم مضابط توكيل من 92 قرية من قرى جبل نابلس تحمل المطالب الثلاثة، وقدم أيضاً تقريراً من عشر صفحات فيه شرح واف لهذه المطالب. ثم قابلت اللجنة بعض رؤساء طائفة الروم الذين أيدوا المطالب المذكورة. وفي 22/6/1919 توجهت اللجنة إلى جنين* وبدأت عملها بمقابلة الرؤساء الروحيين، ثم هيئة البلدية فهيئة الإدارة فمندوبي القضاء. وكان الإجماع على تقديم المطالب الثلاثة ذاتها. قصدت اللجنة صباح 23 حزيران الناصرة حيث التقت وفوداً تمثل الناصرة وطبرية* وصفد*. ثم توجهت إلى حيفا* وقابلت مفتيها وأعضاء الجمعية الاسلامية ومندوبي الجمعية القروية وطائفة الروم الأرثوذكس ووفداً يمثل طولكرم* وقد قدم الجميع المطالب نفسها. وفي 24 حزيران واصلت اللجنة في ختام جولتها إلى دمشق وأجرت فيها استفتاء شمل العلماء وممثلي الطوائف والحرف وومثلي مجلس الشوري وغيرهم. ثم انتقلت إلى شرق الأردن فاستمعت إلى ممثلي عمان والسلط والبلقاء وبني صخر والشراكسة. ومن هناك إلى حوران فاستمعت إلى آراء أهلها. ومن ثم سافرت إلى بعلبك فبيروت. وفي 3/7/1919 قام وفد نيابي يضم عشرين عضواً برئاسة هاشم الأتاسي بتسليم اللجنة لائحة مقررات المؤتمر السوري العام*، وهي المطالب التي أقرها المؤتمر في جلسته المنعقدة في 2/7/1919 بحضور مندوبين من جميع مناطق سورية الجنوبية والشرقية والغربية. وكانت المطالب عشرة تؤكد الاستقلال السياسي التام لسورية وتجعل نظامها ملكياً نيابياً لا مركزياً. وترفض المادة 22 من عهد عصبة الأمم* (وهي المادة الخاصة بنظام الانتداب) لأن من شأنها اعتبار سورية في عداد الأقاليم التي تحتاج إلى دولة منتدبة، وتطالب الولايات المتحدة بتقديم المساعدة الفنية والاقتصادية اللازمة، وأن لم يكن فبريطانيا، على ألا تمس هذه المساعدات الاستقلال السياسي لسورية ووحدتها. ورفضت لائحة المطالب أية ادعاءات فرنسية بأي حق لها في سورية، ورفضت مطالب الصهيونية في إقامة وطن قومي لليهود في سورية الجنوبية (فلسطين)، وأكدت وحدة الأقاليم السورية الجنوبية والغربية والشرقية. وطالبت اللائحة بالاستقلال التام للعراق وإلغاء كل المعاهدات والمواثيق السرية التي ترمي إلى تمزيق الوطن السوري وتحقيق أهداف الصهيونية. وقد بلغ مجموع العرائض التي تلقتها اللجنة 1.863 عريضة عكفت على دراستها في الآستانة وانتهت من وضع تقريرها في 28/8/1919 وسلمت نسخة منه إلى مؤتمر الصلح في باريس ونسخة أخرى إلى الرئيس الأمريكي ولسون. وقد جاء تقرير اللجنة وثيقة سياسية هامة على جانب كبير من الموضوعية والتفهم. واعتبرها بعض المؤرخين مرجعاً هاماً من مراجع القضية الفلسطينية في تلك المرحلة. طالبت اللجنة في تقريرها بوحدة سورية بأقاليمها الثلاثة فلسطين ولبنان وسورية، مع إعطاء لبنان حكماً ذاتياً في إطار الوحدة السورية. وقالت إن سورية لا ترحب بالانتداب، ولكنها ترحب بالمعونة الخارجية, واقترحت اعطاء الانتداب على سورية لأميركا، وعلى العراق لبريطانيا. وحذرت من فرض الانتداب الفرنسي على سورية. وقررت اللجنة أن العداء للصهيونية لا يقتصر على فلسطين بل يشمل سورية كلها، وأن هناك اجماعاً على رفض البرنامج الصهيوني رفضاً باتاً. وجاء في التقرير أن اليهود فقط هم الذين يؤيدون الصهيونية، وأنهم يشكلون حوالي 10% من السكان في فلسطين، وأنهم يتفقون على جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود وإن اختلفوا على بعض التفاصيل والوسائل المتعلقة بزمن إقامة الدولة اليهودية ومدى ارتباطها بالدين اليهودي وغير ذلك. وقال التقرير ان اليهود متفقون على أن تكون بريطانيا هي الوصية على فلسطين لأنها ستساعدهم في تحقيق مآربهم بتسهيل الهجرة وإباحة شراء الأراضي. واعترفت اللجنة بأنها لمست بوضوح اجماع الصهيونيين على إجلاء سكان فلسطين على أراضيهم بعد تجريدهم منها ولو عن طريق الشراء. وحذرت اللجنة مؤتمر الصلح من تجاهل شعور الأهلين العدائي تجاه الصهيونية، كما حذرت من نية البريطانيين تنفيذ البرنامج الصهيوني بالقوة المسلحة. وقالت إن مطالب الصهيونيين في فلسطين مبنية على كونهم احتلوها قبل ألفي سنة، وهذه دعوى لا تستوجب الاكتراث والاهتمام. ثم أوجزت اللجنة التوصيات التالية بالنسبة إلى فلسطين. 1) وجوب تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والعدول نهائياً عن الخطة التي ترمي إلى جعلها دولية يهودية. 2) ضم فلسطين إلى دولة سورية المتحدة لتكون قسماً منها شأنها في ذلك شأن الأقسام الأخرى. 3) وضع الأماكن المقدسة في فلسطين تحت إدارة لجنة دولية دينية تشرف عليها الدولة المنتدبة وعصبة الأمم ويمثل اليهود فيها عضو واحد. قوبل تقرير اللجنة بمعارضة شديدة من فرنسا وبريطانيا والحركة الصهيونية. وأما الرئيس الأمريكي ولسون الذي كان من أشد المتحمسين في مؤتمر الصلح لإرسال اللجنة فقد قابل هو الآخر التقرير بعدم اكتراث. ويعزو بعض المؤرخين هذا التحول في الموقف الأمريكي إلى الضغوط الصهيونية التي تعرض لها ولسون، وإلى تدخل المخابرات الأمريكية في القضية الفلسطينية لصالح الصهيونية. ولذلك ظل تقرير اللجنة طي الخفاء أكثر من ثلاث سنوات حتى أذن الرئيس الأمريكي ولسون في كانون الأول 1922.   المراجع:   – أكرم زعيتر: من أوراق أكرم زعيتر، وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1939، بيروت 1979. – هنري كتن: فلسطين في ضوء الحق والعدل، بيروت 1970. – حسن صبري الخولي: سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، القاهرة 1973. – Foreign Relations of the United States. Paris Peace Conference 1919 vol .12.