بيل

عينت الحكومة البريطانية لجنة ملكية برئاسة اللورد بيل Peel في آب 1936 مهمتها التحقيق في: 1)   أسباب الاضطرابات الأساسية التي نشبت في فلسطين في أواسط شهر نيسان 1936. 2)   كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين* بالنسبة إلى التزامات بريطانيا نحو كل من العرب واليهود. 3)   تقديم توصيات لإزالة الظلامات المشروعة يقدمها اليهود أو العرب عن طريقة تنفيذ الانتداب. يتضح من ترجمة حياة أعضاء اللجنة، وعددهم ستة، أنها كانت رفيعة المنزلة بالمقارنة مع لجان التحقيق السابقة. فرئيس اللجنة اللورد بيل في السبعين من عمره ينتمي إلى أسرة سياسية بارزة، وهو حفيد أحد رؤساء وزراء بريطانيا في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر. وكان اللورد بيل قد شغل منصب وزير الهند. أما نائب الرئيس وهو السير هوراس رمبولد فكان سفيراً سابقاً ومندوباً سامياً في استانبول بعد الحرب العالمية الأولى ورئيساً للوفد البريطاني في مؤتمر لوزان الثاني. وأهم الأعضاء الآخرين الأستاذ رغنالد كوبلاند أستاذ التاريخ الاستعماري في جامعة أكسفورد آنئذٍ. وصلت لجنة بيل الملكية إلى فلسطين في 12/11/1936، واستمرت في تحقيقاتها لمدة ستة أشهر وقدمت تقريرها في 7/7/1937، وقد نشرته الحكومة البريطانية في 404 صفحات. عقدت اللجنة ستة وأربعين اجتماعاً منها واحد وثلاثون اجتماعاً علنياً، واستمعت إلى أربعين شاهداً يهودياً بينهم حاييم وايزمان. وقد قاطع العرب اللجنة في بداية الأمر، ثم حضر للشهادة أمامها في 22/1/1937 الحاج محمد أمين الحسيني* مفتي فلسطين مع سكرتير اللجنة العربية العليا لفلسطين* وتسعة من أعضائها وأربعة عشر عربياً آخرين. وكان شهادة جورج أنطونيوس* من أبرز وأقوى الشهادات العربية. وقد طالب الجانب العربي بالتخلي عن فكرة إقامة الوطن اليهودي في فلسطين. قالت اللجنة في تقريرها النهائي إنه تشكل لديها الإقناع الكامل بأن أسباب الاضطرابات الأساسية هي: 1)   رغبة العرب في الاستقلال القومي. 2)   كراهيتهم وخوفهم من تأسيس الوطن القومي اليهودي في فلسطين. 3)   عدم تكافؤ الفرص بين العرب واليهود في غرض قضيتهم أمام الحكومة والبرلمان والرأي العام في بريطانيا. 4)   الهجرة اليهودية واستمرار شراء اليهود للأراضي العربية. 5)   شك العرب في قدرة ورغبة الحكومة البريطانية في تنفيذ وعودها. وقد انتهت اللجنة إلى تعذر منح الطلب الرئيس لكل طرف بصورة مشروعة. واعترفت بقدرة عرب فلسطين على حكم أنفسهم مثل عرب العراق أو سورية، وبقدرة اليهود على حكم أنفسهم مثل أية طائفة منظمة أو مثقفة في أوروبا أو في أي مكان آخر. ولكن اللجنة رأت أن اجتماع العرب واليهود تحت الانتداب جعل الاستقلال غير عملي لكليهما، فالانتداب هو الذي خلق العداء بين العرب واليهود، ولا يمكن إنهاء الانتداب من دون مخالفة التزاماته العامة والخاصة لأن ما تضمنه الانتداب من التزام عام يتمكن الشعوب الموضوعة تحت إدارة الدولة المنتدبة من “الوقوف على أقدامهم” من دون مساعدة لم ينفذ، كذلك لم يكن ممكناً تنفيذ المادة الثانية من صك الانتداب على فلسطين “بوضع البلاد تحت ظروف سياسية وإدارية واقتصادية تضمن تأسيس الوطن القومي اليهودي” لأن الالتزامات التي فرضها الانتداب على الدولة المنتدبة متناقضة ولا يمكن التوفيق بينها. توصلت اللجنة إلى وجوب أخذ الاعتبارات السياسية والاجتماعية والنفسية وقابلية الاستيعاب الاقتصادي بعين الاعتبار عندما تقرر نسبة الهجرة. واقترحت إذا استمر الانتداب تحديد الهجرة باثني عشر ألف مهاجر سنوياً خلال الخمس سنوات التالية كحد أقصى. وذهبت اللجنة إلى أن الاحتفاظ بالانتداب يعني استمرار التذمر والاضطراب إلى أجل غير مسمى. ولذلك أوصت بأن تتخذ الحكومة البريطانية الخطوات اللازمة لإنهاء الانتداب وتقسيم البلاد بشكل يقيم دولة يهودية في الشمال والغرب. ويضم الأراضي الباقية إلى شرقي الأردن لأنه من غير المعقول في نظرها أن تختار بريطانيا تسليم 400.000 يهودي ممن سهلت دخولهم إلى فلسطين. ووافقت على ذلك عصبة الأمم*، إلى العرب وتسليم مليون عربي تقريباً إلى اليهود. اعتقدت اللجنة أن تقسيم البلاد يتطلب من العرب واليهود التضحية ببعض آمالهم، ولكنه يمنح الطرفين فوائد جوهرية. وقد عددت الفوائد التي سيجنيها العرب من مشروع التقسيم كما يلي: 1)   نيل العرب استقلالهم القومي. 2)   زوال خوفهم من اكتساح اليهود لهم، وتحرزهم من احتمال خضوعهم النهائي للحكم اليهودي. 3)   تعيين حدود الوطن القومي اليهودي ووضع انتداب جديد لحماية الأماكن المقدسة بضمانة عصبة الأمم. 4)   تلتقي الدولة العربية إعانة مالية من الدولة اليهودية ومنحة من الخزينة البريطانية. أما فوائد التقسيم لليهود في تقدير اللجنة هي: 1) ضمان إنشاء الوطن القومي اليهودي وتحرير اليهود من احتمال خضوعهم للحكم العربي. 2) امتلاك الدولة اليهودية حرية تقرير نسبة هجرة اليهود إليها حسب إمكانية استيعابها. قدمت اللجنة خريطة اقترحت فيها إعطاء الدولة اليهودية جميع منطقة الجليل وسهل مرج ابن عامر* وسهل سانور* حتى نقطة تقع على بعد عشرة أميال من رحبوت* وتوجد القسم الأكبر من فلسطين جنوبي وشرقي هذا الخط مع شرق الأردن، وتبقى القدس* وبيت لحم* والناصرة* تحت الانتداب البريطاني مع ممر يصل القدس بالبحر عند يافا*. في 7/7/1937 أصدرت الحكومة البريطانية بياناً قالت فيه إن خطة التقسيم على الأسس التي اقترحتها اللجنة الملكية تمثل أفضل حل للعقدة وأكثرها أملا بالقبول. ووعدت الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع انتقال الأراضي التي من شأنها أن تضر بذلك المشروع، وأعلنت أنها تنوي أن تسمح بدخول عدد لا يتجاوز ثمانية آلاف مهاجر يهودي خلال الأشهر الثمانية التي تبتدىء بآب 1937 وتنتهي بآذار 1938. وبينت أن الدولة العربية ستتلقى مساعدة مالية وافرة من الحكومة البريطانية والدولة اليهودية. انعقد المؤتمر الصهيوني* العشرون في زوريخ (3 – 17/8/1937 ) فأجمع على رفض ما قالته لجنة بيل من أن الانتداب غير عملي، وعلى رفض الحدود التي اقترحتها اللجنة، ولكنه انقسم في موضوع التقسيم نفسه. وقد خول المؤتمر لجنته التنفيذية الدخول في مفاوضات للتحقق من خطة التقسيم التي ستعرضها الدولة المنتدبة، على أن تحيل اللجنة التنفيذية الخطة المقترحة إلى مؤتمر منتخب جديد لدراستها وأصدار قرار بشأنها. وقد اجتمع مجلس الوكالة اليهودية* بعد المؤتمر الصهيوني مباشرة، وأوصى لجنته التنفيذية بتوصيات متشابهة، وأضاف قراراً يطالب الحكومة البريطانية بدعوة مؤتمر يضم يهود وعرب فلسطين للبحث عن تسوية سلمية فلسطين غير مقسمة على أساس تصريح بلفور (رَ: بلفور، وعد ) والانتداب. استقبل عرب فلسطين اقتراح التقسيم بعداء شديد. وفي 8/9/1937 عقد مؤتمر في بلودان حضره 400 مندوب وقرر المؤتمر أن فلسطين جزء من الوطن العربي و لايمكن التنازل عن أي جزء منها. وقال المؤتمر إن على بريطانيا أن تختار بين صداقة العرب وصداقة اليهود (رَ: بلودان، مؤتمر 1937). درست لجنة الانتدابات الدائمة التابعة لعصبة الأمم تقرير بيل في آب 1937 فرأت أن نظام الانتداب الحاضر أصبح غير عملي تقريباً بعدما وضعته لجنة بيل الملكية بقولها إنه قام على تصور خاطىء، ولا يمكن التوفيق بين التزامات بريطانيا نحو اليهود والتزاماتها نحو العرب. واقترحت لجنة الانتدابات  تخويل الحكومة البريطانية البحث في إمكانية إيجاد حل إقليمي جديد، واعتبرت تأسيس دولتين مستقلتين عملاً غير حكيم قبل مضي فترة أخرى من إدارة الانتداب. وفي حال الموافقة على سياسة التقسيم أوصت اللجنة أن تبقى الدولتان العربية واليهودية تحت نظام انتدابي انتقالي، أما بشكل دولتين منفصلتين، أو بشكل اتحاد مؤقت. إلى أن تبرهنا على قدرتهما على حكم نفسيهما بنفسيهما. وانتهت اللجنة إلى أنه يشترط في أي حال كيما يكون مقبولاً ألا يؤدي إلى حرمان العرب إلا من أقل عدد ممكن من الأمكنة التي يعلقون عليها أهمية خاصة. وأثناء دراسة لجنة الانتدابات المذكورة تقرير لجنة بيل تقدم إليها وفد فلسطيني مؤلف من عوني عبد الهادي* وعادل أرسلان وجمال الحسيني* عارضاً موقف الشعب الفلسطيني الذي يرفض أية صيغة تهدف إلى تقسيم فلسطين ويدعو إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وحكومة وطنية تكون مسؤولة أمام مجلس تمثيلي. وفي 16/9/1937 اتخذ مجلس عصبة الأمم قراراً بتخويل بريطانيا تهيئة خطة مفصلة لتقسيم فلسطين، وأجّل بحث جوهر الاقتراح الجديد إلى حين تقديم هذه الخطة. المراجع: –         فاضل حسين (مترجم): تاريخ فلسطين السياسي تحت الانتداب البريطاني، بغداد 1956. –         خيرية قاسمية (إعداد) عوني عبد الهادي، أوراق خاصة، بيروت 1974. – Report of Palestine Royal Commission (Peel Report) British Blue Book. Cmd 5479 of 1937. – Royal Institute of International Affairs: Great Britain and Palestine 1915 – 1945, London 1976.