اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين

عندما ظهرت بوادر فشل مؤتمر لندن في دورته (شباط وأيلول 1946) سقوط المشاريع التي قدمت للحل، وهي المشروع العربي ومشروع  موربسون* وتعديلاته ومشروع بيفن*، أعلنت بريطانيا في 25/2/1947 بلسان وزير خارجيتها بيفن أنها قررت احالة القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة لتقرر وتفرض الحل الذي تراه (رَ: لندن، مؤتمر-1946). وفي 1/4/1947 أرسلت بريطانيا مذكرة إلى الأمين العام للمنظمة الدولية طلبت فيها عرض قضية فلسطين على جمعيتها العامة. وفي 28 نيسان عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورتها الخاصة الأولى لهذا الغرض. وفي هذه الأثناء كانت اللجنة السياسية في جامعة الدول العربية قد أصدرت تعليماتها إلى المندوبيين العرب في الأمم المتحدة بتفادي اتخاذ قرار بإرسال لجنة تحقيق، وللعمل على اتخاذ قرار بإعلان استقلال فلسطين. ولكن المحاولات العربية أخفقت بسبب معارضة مندوبي بريطانيا والولايات المتحدة. وقد وجه المندوب السوفييتي انتقادات عنيفة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفضح نواياهما الاستعمارية والنفطية وطالب باعلان استقلال فلسطين وإقامة دولة ثنائية مشتركة فيها. وفي 15/5/1947 قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تأليف لجنة خاصة لفلسطين تضم ممثلين على أستراليا وكندا وتشيكوسلوفاكيا وغواتيمالا والهند وايران وهولندا والسويد وأوروغواي ويوغسلافيا (القرار رقم 106 لعام 1947). ولم يشارك في عضوية اللجنة ممثلون عن العرب أو الدول الخمس الكبرى بحجة ضمان حيادها. ولم يفلح المندوبون العرب في جعل اعلان استقلال فلسطين من بين مهام اللجنة بسبب معارضة مندوبي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. وجاء تركيب اللجنة، حسبما ظهر من الوثائق المنتشرة، ملائماً لأغراض الحركة الصهيونية. فقد تبين أن عددا من أعضائها زود بتعليمات واضحة من دولته تقضي بخدمة الحركة الصهيونية – في حين قبل آخرون رشى من عملائه الحركة. نص قرار تأليف اللجنة على إعطائها أوسع الصلاحيات للتأكد من الحقائق وتلقي الشهادات من ممثلي فلسطين والسلطة المنتدبة والحكومات ومنظمات والأفراد، على أن تقرر هي طريقة عملها وفقاً لما تراه مناسباً، وعلى أن تولي المصالح الدينية الإسلامية واليهودية والمسيحية في فلسطين أقصى عنايتها. وأعطيت مهلة لا تتعدى الأول من أيلول لتقديم تقريرها إلى الأمين العام. وصلت اللجنة إلى فلسطين يوم 17/6/1947 فجوبهت باضراب شامل كانت الهيئة العربية العليا لفلسطين* قد دعت إليه. وشمل الاضراب المدن الفلسطينية كلها والعواصم العربية الأخرى. وقاطعت الجهات الفلسطينية اللجنة لعدم تضمن مهمتها اعلان استقلال فلسطين. وأما بالنسبة إلى الحكومات العربية فلم يكن بإمكانها مقالطعة اللجنة لأنها أعضاء في الأمم المتحدة. عقدت الهيئة العربية العليا يوم 6/7/1947، وأثناء وجود اللجنة في فلسطين، مؤتمراً حاشد في مدينة القدس جرى فيه التنديد بقانون نزع ملكية الغابات وإزالة الشيوع وتسجيل الأراضي باسم المندوب السامي. وكان المؤتمر وسيلة غير مباشرة لاسماع الصوت العربي للجنة. استمعت اللجنة إلى وجهة النظر الصهيونية عندما اجتمع رئيسها اميل ساندستروم السويدي ومندوبا غواتيمالا والأروغواي بقيادة عصابة الارغون*. وقد حرص الصهيونيون على اظهار استقلالهم في العمل أمام اللجنة. وكان وصول السفينة اكسودس التي تحمل 4.450 مهاجراً يهودياً من أبرز الأحداث التي وقعت أثناء وجود اللجنة في فلسطين. زارت اللجنة عمان وتسلمت مذكرة أردنية رسمية تؤيد قرارات جامعة الدول العربية. وفي 23/7/1947 قابلت اللجنة في صوفر (لبنان) ممثلي الدول العربية، وسلمها وزير خارجية لبنان مذكرة باسم هذه الدول تتضمن الوثائق والمستندات التي تثبت عروبة فلسطين وحقها في الاستقلال. وطالب المذكرة بقيام حكومة مستقلة يتمتع فيها العرب واليهود بالحقوق والواجبات الدستورية. وقررت اللجنة بأغلبية 6 أصوات تأليف لجنة فرعية لزيارة أماكن تجمع اليهود في النمسا وألمانيا معارضة العرب الربط بين مسألة فلسطين ومسألة يهود أوروبا. غادرت اللجنة لبنان إلى جنيف حيث عكفت على إعداد تقريرها. وانتهت من وضعه في 1/8/1947 فعرض على الجمعية العامة في مطلع أيلول 1947. وقد تضمن التقرير: أ- توصيات عامة وفق جميع أعضاء اللجنة على إحدى عشرة توصية منها. وهي تدعو إلى إنهاء الانتداب على فلسطين ومنحها الاستقلال. على أن تسبق ذلك مرحلة انتقالية قصيرة تكون السلطة خلالها مسؤولة أمام الأمم المتحدة. مع بقاء الصيغة الدينية للأماكن المقدسة على حالها. أما بالنسبة إلى النظام السياسي أو الدستور للدولة، أو للدولتين. فيجب أن يبنى على أساس ديمقراطي تمثيلي يضمن حقوق الانسان الأساسية، وأن ينص فيه على المبادىء الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، والمحافظة على حقوق الأقليات، والقبول بمبدأ المحافظة على الوحدة الاقتصادية لفلسطين، والاعتماد على الوسائل السلمية فقط لاقرار أي حل، واستبعاد القوة والتهديد، ودعوة “شعوب فلسطين” للتعاون التام مع الأمم المتحدة. أما التوصية رقم 12 التي تنص على أن أي حل لقضية فلسطين لا يمكن أن يعتبر حلاً للمشكلة اليهودية بوجه عام فقد عارضتها اثنان وامتنع واحد عن التصويت. ب- مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين مع اتحاد اقتصادي بينهما وجعل القدس منطقة دولية خاصة، وهو ما سمى “مشروع الأكثرية”. وقد آيده ممثلو كندا وبيرو وهولندا وغواتيمالا والسويد وتشيكوسلوفاكيا. ويقضي هذا المشروع بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق هي: 1) الدولة العربية ومساحتها 12.000 كم2 يقطنها 650 ألف عربي و11 ألف يهودي ولا يملك اليهود فيها إلا 100كم2، ولضم الجليل* الغربي ومنطقة نابلس* الجبلية والسهل الساحلي* الممتد من أسدود* وفي الجنوب إلى الحدود المصرية. ويدخل ضمن هذا التحديد مناطق الجليل* وجبال القدس* وغور الأردن*. 2) الدولة اليهودية ومساحتها 14.200 كم2 يسكنها 460 ألف عربي و530 ألف يهودي، ويملك العرب ثلثي أراضيها وعقاراتها، وتضم الجليل الشرقي ومرج ابن عامر* والقسم الأكبر من السهل الساحلي ومنطقة بئر السبع التي تضم النقب*. وتلتقي أقاليم الدولة العربية بأقاليم الدولة اليهودية في نقطتي تقاطع إحداهما جنوب شرق العفولة* في منطقة الناصرة* والثانية شرقي المجدل* في منطقة غزة*. 3) القدس والأماكن المقدسة، وتوضع تحت نظام الوصاية الدولية. 4) نص المشروع  أيضا على فترة انتقالية مدتها عامان (من مطلع أيلول 1947) تتولى بريطانيا خلالها إدارة فلسطين تحت إشراف الأمم المتحدة، وإقامة اتحاد اقتصادي يهدف إلى استثمار المرافق العامة ضمن نطاق المصلحة المشتركة. 5) وأوصت اللجنة بضرورة قبول 150 ألف مهاجر يهودي إلى الدولة اليهودية خلال هذه الفترة. بمعدل 5 آلاف مهاجر شهرياً. ونص مشروع اللجنة على أن ينتخب في كل من الدولتين مجلس تأسيسي لوضع الدستور والقيام بتعيين حكومة مؤقتة تمنح حق توقيع معاهدة الاتحاد الاقتصادي وحماية الأماكن المقدسة والحقوق الدينية وحقوق الأقليلات. ج- مشروع الدولة الاتحادية وهو ما سمى “مشروع الأقلية”. وقد تبناه ممثلو يوغسلافيا والهند وايران. وينص هذا المشروع على قيام دولة اتحادية مستقلة في فلسطين من حكومتين مستقلتين إحداهما عربية والأخرى يهودية، وتكون القدس* عاصمة للدولة الاتحادية، وتتمتع كل من الحكومتين بسلطات الحكومة المحلية، ويتولى مجلس اتحادي إدارة الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية وانتخاب رئيس الدولة. وقضى المشروع بحظر أي تمييز بين الشعبين العربي واليهودي، وبأن يتمتع جميع المواطنين بحقوق سياسية ومدنية ودينية متساوية، على أن يضمن الدستور حرية المرور إلى الأماكن المقدسة. واقترح ألا يسمح خلال المرحلة الانتقالية، ومدتها ثلاث سنوات، بهجرة يهودية إلا بمقدار ما تسمح به إمكانيات المنطقة اليهودية وفقاً لما تحدده لجنة مختلطة من 3 مندوبين عرب و3 يهود و3 من الأمم المتحدة. وفي 24/11/1947 طرح مشروع الأقلية للتصويت في الجمعية العامة فرفضته 19 دولة وأيدته 12 دولة وامتنعت 14 دولة عن التصويت. وأما مشروع الأكثرية فقد فاز لدى التصويت عليه في 29/11/1947 بعد أن أيدته 23 دولة وعارضته 13 دولة وامتنعت عشر دول عن التصويت وغابت دولة واحدة. وبذلك أقرت الجمعية العامة تقسيم فلسطين*.   المراجع:   فلاح خالد علي: فلسطين والانتداب البريطاني 1939-1948، بيروت 1980. الأمانة العامة لجامعة الدول العربية: الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين 1947-1950، القاهرة 1974. مهدي عبد الهادي: المسألة الفلسطينية ومشاريع الحلول السياسية 1934 -1974 – صيدا وبيروت 1975. محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، صيدا وبيروت 1960. وثائق الأمم المتحدة – الوثيقة رقم 346/ج ع أ. مصطفى عبد العزيز: التصويت والقوة السياسية في الأمم المتحدة، بيروت 1968.