القدس

لم تنقض مدة قصيرة على وقوع مدينة القدس* كلها تحت الاحتلال الإسرائيلي في حرب 1967* حتى أصدرت السلطات المحتلة قراراً بضمها إلى الكيان الصهيوني (إسرائيل) واعتبارها جزءا منه. وأعقبت ذلك باتخاذ سلسلة من التدابير والإجراءات لوضع قرارها موضع التنفيذ كحل المجلس البلدي (العربي) للقدس ونقل جميع صلاحياته واختصاصاته إلى مجلس البلدية الإسرائيلي، وإلغاء وجود المحاكم العربية (الأردنية) في القدس، وجعل إدارة التعليم فيها ومدارسها قسماً من وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية. ولما قاوم أهل القدس هذه التدابير والاجراءات وأعلنوا تصميمهم على رفضها لجأت السلطات المحتلة إلى وسائل إرهابية وقمعية فاعتقلت كثيراً من المواطنين وأكرهت المحاكم العربية على الانتقال إلى رام الله*. ثم أبعدت رئيس البلدية روحي الخطيب إلى الضفة الشرقية واعتقلت عدداً من الوطنيين وأبعدت إلى الضفة الشرقية عدداً آخر كان منهم الشيخ عبد الحميد السائح والدكتور داود الحسيني. تركت هذه الإجراءات الإسرائيلية أسوأ الأثر في نفوس العرب فاشتدت الاحتياجات وتزايدت المذكرات المرسلة إلى الأمم المتحدة والمحافل الدولية، وبخاصة إلى الدول العربية والإسلامية. ونشط المبعدون عن وطنهم في العمل على إثارة الشعور العام ودعوة القادة والزعماء لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بصيانة عروبة القدس وطابعها الإسلامي. فعقد في خريف 1967 اجتماع وطني كبير في عمان ضم الكثيرين من الأردنيين والفلسطينيين، وبصورة حاصنة الأفراد المبعدين، وانتخب سليمان النابلسي (أحد رؤساء الوزراء السابقين في الأردن) رئيساً لهذا الاجتماع وقد تشكلت نتيجة الاجتماع لجنة باسم “لجنة انقاذ القدس” برئاسة سليمان النابلسي وضعت في عضويتها فلسطينيين وأردنيين. ولكن الطابع الفلسطيني غلب عليها. وقد ضمت إدارتها جميع المبعدين من القدس وبعض المبعدين من الضفة الغربية. وقد انتخبت الشيخ عبد الحميد السائح رئيساً للجنة بعد وفاة رئيسها النابلسي. اتخذت لجنة انقاذ القدس منذ تشكيلها مقراً لها في عمان وعينت بعض الأشخاص للعمل فيه. ولم تنفك مذاك تخدم قضية القدس بصورة مقيدة وتصميم قوي. فقد قدمت إلى الدول العربية والإسلامية والمحافل الدولية والأمم المتحدة مذكرات ودراسات هامة عن القدس. وعملت بشكل جدي لإثارة اهتمام العرب والمسلمين بالقدس والمقدسات الإسلامية فيها، ولا سيما بعد إحراق الصهيونيين المسجد الأقصى المبارك (رَ: المسجد الأقصى، إحراقه والحفريات فيه). ويعود أكبر الفضل في كشف النقاب عن أعمال الإسرائيليين لطمس المظهر الإسلامي والعربي للقدس إلى اللجنة. فقد تولت نشر البيانات المفصلة والمدروسة عن إجراءات الإسرائيليين لتهويد القدس* وخطتهم للاستيلاء على ساحة الحرم الشريف، مثل استيلائهم على أراضي العرب والأوقاف الإسلامية والمراكز التاريخية والأثرية وطرد السكان العرب من المناطق المحيطة بالحرم الشريف. وعملت اللجنة على إظهار الحقيقة بالنسبة لاغراض الإسرائيليين الكامنة وراء أعمال الحفر والتنقيب في ساحة الحرم وما حوله. وقد ساعد اللجنة في القيام بهذه الأعمال وما كانت تحصل عليه من معلومات أكيدة ووثائق رسمية من داخل الأرض المحتلة. حصلت لجنة إنقاذ القدس على مساعدات مالية – وان تكن محدودة – من الحكومة الأردنية والحكومة الليبية ومصادر عربية أخرى. وقد تمكنت بفضل هذه المساعدات من مواصلة أعمالها وانتداب بعض أعضائها للسفر إلى أوروبا والولايات المتحدة للدفاع عن القدس وعروبتها وطابعها الإسلامي سواء أمام الأمم المتحدة ولجانها المختصة أو أمام المؤتمرات الثقافية والعلمية العامة (ولا سيما مؤتمرات اليونسكو) أو المخصصة لبحث موضوع القدس مثل الندوة التي عقدت في لندن في كانون الأول 1979.