التوفيق

أنشئت لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والمختصة بالقضية الفلسطينية بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 (الدورة الثالثة) الصادر بتاريخ 11/12/1948، وضمت في عضويتها كلاً من فرنسا وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد نص القرار على أن تضطلع اللجنة بالمهام التي كانت أوكلت لوسيط الأمم المتحدة سابقاً الكونت برنادوت “بقدر ما ترى أن الظروف القائمة تستلزم ذلك” وأن تتخذ من الخطوات ما يساعد الحكومات والسلطات المعنية على التوصل إلى تسوية سلمية، أما تحت رعاية اللجنة أو عن طريق المفاوضات المباشرة وفق توجيهات الجمعية العامة أو مجلس الأمن. كما كلف القرار اللجنة بتقديم مقترحات إلى الدورة الرابعة للجمعية العامة تهدف إلى إقامة نظام دولي دائم المقدس، وتسهيل عودة اللاجئين وإعادة توطينهم وتأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً. ما لبثت لجنة التوفيق أن لمست مدى التباعد بين مواقف العرب ومواقف الإسرائيليين فقررت أن تركز جهودها على معالجة مشكلة اللاجئين أولاً عسى أن يكون في ذلك تمهيد لإيجاد تسوية شاملة. وكان العرب يصرون على إيجاد الحل العادل لمأساة الفلسطينيين المهجرين قبل تناول أي بحث آخر بينما كان الإسرائيليون يصرون على تعليق البحث في مسألة اللاجئين الفلسطينيين إلى أن يتحقق السلام أولاً. على أن الموقف الإسرائيلي تدرج فيما بعد إلى رفض عودة اللاجئين رفضاً قاطعاً، وإلى تشجيع الهجرة الصهيونية إلى فلسطين* بأعداد كبيرة حتى تستقيم الذريعة القائلة إنه لا مكان للاجئين العرب. وهكذا اصطدمت جهود اللجنة بعقبات أساسية وإن أفلحت في إحراز بعض التقدم في مسائل ثانوية كقبول الأردن وسورية استقبال عدد من اللاجئين الذين قد يقررون عدم العودة والاكتفاء بالتعويض، وكتأليف لجان مشتركة من الطرفين للإراج عن أرصدة اللاجئين العرب المجمدة في المصارف الإسرائيلية، وكقبول (إسرائيل) عودة عدد محدود من اللاجئين الذين ظلت عائلاتهم في الأراضي التي وقعت تحت الاحتلال الإسرائيلي. غير أن حل قضية اللاجئين ككل كان أبعد منالاً. فرأت اللجنة في آب 1949 معالجة الموضوع أولاً من الناحية الاقتصادية، فأنشأت بعثة للمسح والاستكشاف برئاسة الخبير الأمريكي غوردون كلاب. رئيس هيئة تنمية وادي التنسي (في الولايات المتحدة)، وكلفتها دراسة الوضع الاقتصادي الذي خلفته الحرب في الشرق الأدنى، ووضع التوصيات فيما تراه من وسائل لإعادة دمج اللاجئين في حياة المنطقة الاقتصادية، وتهيئة الشروط الاقتصادية الصالحة لإحلال سلم دائم. انصرفت آمال بعثة “كلاب” إلى إنشاء مشاريع كبرى تقدم العمل لأعداد كبيرة من اللاجئين فضلاً عما تحققه من تنمية واستثمار. ولكنها اصطدمت في تصوراتها بالعوامل السياسية الكأداء التي كانت تفصل بين العرب و(إسرائيل)، فما من مشروع شامل كاستغلال مياه الأردن يمكن الانجاز دون تعاون وثيق بين الدول العربية و(إسرائيل). وكان هذا التعاون مستحيلاً. فخلصت البعثة إلى أن التخطيط الهندسي لأي مشروع لا ينفصل من التخطيط السياسي وأن المنطقة ليست على استعداد لتقبل مشاريع التعاون الكبرى. عدلت البعثة عندئذ عن المشاريع الكبرى، وأوصت بتحقيق عدد من مشاريع صغرى وائدة نموذجية كأعمال الري وشق الطرق وإنشاء السدود أملاً في أن تقدم عملاً لبعض اللاجئين، وتكون سابقة تجريبية مفيدة، وتصلح منطلقاً لمشاريع أضخم. وانسجاماً مع رأيها هذا أوصت الجمعية العامة بأن تنشىء وكالة خاصة وتزودها بالأموال الكافية لتتولى إغائة اللاجئين الفورية وإيجاد أعمال استثمارية، وطلبت أن تكون مدة ولايتها 18 شهراً كما طلبت إلى الدول العربية أن تسهم بتمويلها عن طريق تقديم المواد والأدوات والأجهزة. أنشأت الجمعية العامة هذه الوكالة بموجب قرارها 302 (الدورة الرابعة) الصادرفي 8/12/1949 تحت اسم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى* وفوضتها بانفاق مبلغ 54.900.000 دولار على برامج الإغاثة والتشغيل. وحددت ولايتها بثمانية عشر شهراً. وفيما كانت (إسرائيل) تصر على عدم السماح للاجئين بالعودة أصدر مجلس جامعة الدول العربية في دورته المنعقدة في حزيران 1950 بياناً يسمح فيه للدول أعضاء الجامعة بقبول إقامة المشاريع إذا كانت لا تخل بحق اللاجئين بالعودة أو التعويض. وابتدأت على أثر ذلك مصر والأردن ولبنان وسورية بالتشاور مع الوكالة على مشاريع التشغيل. وقد شجع ذلك الجمعية العامة على تجديد ولاية الوكالة وتمويلها، غير أنها في قرارها 394 (الدورة الخامسة) المتخذ في 14/12/1950 طلبت إلى كل من العرب والإسرائيليين الدخول بدون تأخير بمحادثات مباشرة أو غير مباشرة تحت رعاية لجنة التوفيق للعمل على حل المسائل المختلف عليها. كما خولت لجنة التوفيق إقامة مكتب خاص للاجئين ينصرف للعمل على تطبيق البند الحادي عشر من القرار 194 المتعلق بحق اللاجئين بالعودة أو التعويض، ويتابع التشاور مع العرب والإسرائيليين لحماية أملاك اللاجئين ومصالحهم. ولكن لجنة التوفيق أقرت سنة 1951 بأن الأمل ضعيف بحل أية مشكلة عربية – إسرائيلية في المستقبل القريب، وركزت جهودها على مشاكل فرعية ذات إطار محدود قد تتوافر فيها فرص التقدم كالإفراج عن الأرصدة المجمدة في المصارف الإسرائيلية. كذلك تناولت بالدرس المراحل الفنية والقانونية لمشكلة التعويض وتخمين قيمة ممتلكات اللاجئين. ولكنها عجزت عن إدراك غرضها في الحل الشامل فأقنعتها الولايات المتحدة الأمريكية – وهي عضو فيها – بمحاولة أخرى، فدعت اللجنة إلى مؤتمر في باريس يعقد في أيلول 1951، وأقنعت (إسرائيل) والدول العربية بالاشتراك فيه. كان رأي لجنة التوفيق في مؤتمر باريس أن الظروف قد تغيرت عنها كانت عيه سنة 1948 ولم يعد من المعقول أن يعود كل اللاجئين إلى وطنهم. واقترحت على (إسرائيل) أن تقبل عدداً محدوداً يمكن دمجه في الاقتصاد الإسرائيلي على أن توطن الدول العربية بقية اللاجئين، وتعوض (إسرائيل) على هؤلاء بمبلغ اجمالي يجري تخمينه مكتب اللاجئين ويأخذ بعين الاعتبار قدرات (إسرائيل) المالية. أثارت هذه المقترحات معارضة العرب الذين رأوا فيها خروجاً على مقررات الأمم المتحدة، واعتراضات (إسرائيل) التي أصبحت تدعي أنه حصل “تبادل سكاني” بعد أن هاجر مئات الآلاف من اليهود من موطنهم الأصلي في الدول العربية، وبعد أن سن العراق سنة 1951 قانوناً يجعل الإشراف على الممتلكات اليهودية وممتلكات اليهود الذين هاجروا منها من سلطة الحكومة العراقية وطالبت (إسرائيل) بأن يتحمل العرب بعد الآن مسؤولياتهم في التعويض عن هذه الممتلكات اليهودية في أية محادثات تعقد في المستقبل. وهكذا لم يحقق مؤتمر باريس أي تقدم، ولم يبق للجنة التوفيق إلا الاستمرار في مساعيها للإفراج عن الأرصدة المجمدة، كما ظلت ولاية وكالة الإغاثة تتجدد بعد سنة. وفي الدورة الرابعة عشرة عام 1959 طلبت الجمعية العامة مجدداً إلى لجنة التوفيق بذل جهود إضافية لتأمين تطبيق البند الحادي عشر من القرار 194 ومؤداه حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة أو التعويض. وعادت لجنة التوفيق تجد المصاعب في مهمتها، ثم فكرت بأنه قد يمكن إحراز تقدم ما في النواحي الاقتصادية فعينت في آب 1961 الدكتور جوزيف جونسون رئيس مؤسسة كارنغي الأمريكية للسلام الدولي ممثلاً خاصاً لاستكشاف الوسائل العملية لمعالجة قضية اللاجئين، والاتصال لهذا الغرض بالإسرائيليين والعرب. وضع الدكتور جونسون عدداً من المقترحات، وبدأ يسير موقف الطرفين منها. وكانت مقترحاته أن يطلب من كل لاجىء الإعراب بحرية عما إذا كان يفضل العودة أو التوطن خارج وطنه الأصلي، وأن تضمن “مصالح إسرائيل الأمنية المشروعة” فتتمكن من رد طلبات العرب والتوطين على شكل متدرج متزامن، خطوة بعد خطوة، وأخيراً أن ينشأ صندوق خاص تسهم فيه (إسرائيل) بمبلغ كبير للتعويض عن الأملاك العربية، والمساعدة على توطين اللاجئين حتى يصبحوا قادرين على إعالة أنفسهم. وجعل للأمم المتحدة الدور الرئيسي في الإشراف على مراحل هذا المنهاج (رَ: جونسون، مشروع جوزيف). أخذ العرب على منهاج جونسون تشديده على توطين الفلسطينيين خارج ديارهم بدل العودة إليها. وأخذ عليه الإسرائيليون تضمنه مبدأ العودة الذي يرفضونه. فأعلن جونسون فشله في مهمته في 3/1/1963. وحين دعت الجمعية العامة في دورتها الثامنة عشرة عام 1963 لجنة التوفيق للاستمرار في جهودها بدأت (إسرائيل) معارضتها لإحياء نشاط اللجنة بينما طالب العرب بتوسيع عضويتها مقترحين تعيين حارس قضائي على أملاك اللاجئين، وقد رفضت (إسرائيل) ذلك رفضاً قاطعاً. وعشية حرب 1967* لم يكن قد بقي للجنة التوفيق من عمل سوى الاستمرار في عملية الإفراج عن الأرصدة ومحاولة إعداد جداول بأسماء المالكين. وكانت مشكلة اللاجئين تتفاقم من جراء زيادة أعدادهم بسبب ارتفاع نسبة التوالد وزيادة حاجاتهم المعاشية في حين ظلت قرارات الجمعية العامة حبراً على ورق. وجاءت حرب حزيران 1967 لتزيد من تعقد المشكلة برمتها وتجعل التسوية الشاملة أبعد ما تكون عن التحقيق. ومنذ عام 1969 بدأت الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبتصاعد ملحوظ، تتعامل مع قضية الشعب الفلسطيني بطريقة أخرى تنم من اعترافها لهذا الشعب ليس حق العودة* المشروط كما كانت سيرتها بموجب القرار 194 (الفقرة 11) بل حق العودة المطلق وحق تقرير المصير* مما جعل مهمة لجنة التوفيق هذه تضمحل عملياً. المراجع: – فريد خوري: المعضلة العربية الإسرائيلية، (بالإنكليزية) نيويورك، 1977. – محاضر جلسات الجمعية العامة. – قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي – الإسرائيلي.