آل قدامة

أسرة فلسطينية الأصل دمشقية الدار كان لها أثرها الواضح في تاريخ الفكر الإسلامي خلال العصر المملوكي سواء بكثرة من ظهر فيها من العلماء أو باستمرار نشاطها العلمي عدة قرون (ما بين أواسط القرن السادس والحادي عشر الهجريين). الجد الأعلى الذي حملت الأسرة اسمه هو قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي. وكان من أهل قرية جماعيل أو جماعين (قرب نابلس)* في القرن الخامس الهجري. ويبدو أنه، أو ابنه محمدا، قد التقى بأي الفوج عبد الواحد بن محمد الشيرازي* الذي قدم القدس* من بغداد ونشر مذهب ابن حنبل في فلسطين ثم في دمشق حيث توفي سنة 486هـ. وكان محمد بن قدامة، ثم ابنه أحمد، ثم حفيده محمد أبو عمر، خطباء جماعين حين غزا الفرنجة* الصليبيون فلسطين سنة 492هـ/1099م. وقد عاشوا مع فلاحي الريف الفلسطيني في القطاع الأمراء الفرنجة. وتمثلت مقاومة آل قدامة في المزيد من التمسك بالدين والتقوى حتى كان أبناء القرى يجتمعون اليهم في خطب الجمعة، وكان لأقوالهم صدى طيب في نفوسهم بسبب ما يعانونه من اضطهاد الاقطاع الفرنجي الذي كان يتقاضاهم الجزية أضعافاً مضاعفة ويؤذي الناس بالضرب والحبس وقطع الأرجل. وحين تنبه الفرنجة لنشاط الشيخ أحمد وعزموا على قتله هرب إلى دمشق. كان ذلك سنة 551هـ/1156م. وكانت دمشق قد صارت منذ سنتين فقط لنور الدين محمود بن زنكي* الذي اشتهر يمذاك بالجهاد والتقوى. وقد رافق الشيخ في الهرب بعض أقربائه. فلما استقروا في ظاهر دمشق (في مسجد أبي صالح خارج باب توما) بعث فأحضر أسرته وسائر الأقوياء. وقد لحق بهم فيما بعد كثيرون من جماعين والقرى المحيطة بها (الجماعيات) وانتسبوا جميعاً إلى القدس لأنها الأشهر. وضاق المسجد بعد ثلاث سنوات باللاجئين وكثرت عليهم المصلعب والأمراض المميتة والمشاكل بسبب عددهم ومذهبهم الحنبلي (وأكثر سكان دمشق شافعية)  فارتاد لهم أبو عمر منزلا آخر في سفح جبل قاسيون المطل على دمشق حيث تقوم على المزارات المباركة وبنى داراً دعيت “دير الحنابلة”، وهي اليوم جامع الحنابلة. ومنذ سنة 554هـ/1159م بدأ تاريخ جديد لآل قدامة والبقعة التي نزلوها من قاسيون (وقد سميت الصالحية باسم سكنهم القديم في جامع أبي صالح) والمذهب الحنبلي* الذي كان يحمله هؤلاء المقادسة. توفي الشيخ أحمد بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ. وابنه أبو عمر محمد هو الذي بنى محمد الجماعة ورسم لها خط الحياة العلمية الذي ظلت عليه في القرون التالية (رَ: محمد بن أحمد بن  محمد بن قدامة الجماعيلي). فقد بنى لنفسه مدرسة عرفت بالمدرسة العمرية على ضفة نهر يزيد في سفح الجبل (وآثارها باقية إلى اليوم) وظل يعمل على التدريس فيها طوال نصف قرن إلى أن توفي سنة 607هـ/1210م. وقد أدت زيادة الطلبة إلى قيام مدرسة أخرى بناها ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي صهر أبي عمر على باب دير الحنابلة لتكون دار حديث للغرباء ووقف عليها كتبه. خلال ذلك أخذت سبعة آل قدامة في التقى وسمعة مدرستهم في العلم تنتشران،وأخذ تلاميذهم في القرآن والحديث والفقه يتكاثرون. وكانت الأموال والأوقاف والهبات بالمقابل تتدفق على الجماعة المقدسية والمدرستين والأبنية القائمة حول دير الحنابلة فتحولت البقعة الى بلدة كاملة ذات أسواق ومنازل وسكان ومساجد. وبنى بعض الأمراء مقابرهم في أطرافها. وكانت صالحية آل قدامة الحنابلة ترافق في نشاطها في تلك الفترة النشاط السياسي والعسكري والعلمي العظيم الذي عرفته دمشق أيام نور الدين فصلاح الدين والملك العادل. ولم يكن غريبا مع الحماسة الدينية التي أعقبت فتح القدس والأخطار الداهمة التي هددت بعد ذلك قلب العالم الإسلامي أن يصبح المركز الذي أقامه آل قدامة للعلوم الدينية في سفوح دمشق مركز إشعاع روحي واسع يجتذب الكثير من الأستاذة والطلاب على السواء. وإذا كان آل قدامة قد أعطوا هذا المركز الكثير من جهودهم الفكرية فإن ما لقوه من التشجيع الكبير والاحترام والتكريم دفعهم بالمقابل إلى المزيد من العمل والانتاج والاندفاع. ولم يكن آل قدامة في هذا الجهد كله وحدهم، فإن نجاحهم كان قد أغرى منذ الأيام الأولى مجموعة من الأسر الحنبلية القريبة لهم في جماعين وما حولها بالهجرة اليهم على توالي السنين والدخول في نشاطاتهم العلمية نفسها. وقد ظلت هذه الهجرة قائمة في العصر الأيوبي* والعصر المملوكي الأول (رَ: المماليك). وهكذا انتقل بالتدريج مجتمع قروي كامل من تلك البقاع الفلسطينية إلى سفح قاسيون بدمشق وتحول من العمل الزراعي إلى النشاط العلمي. وبرز منه، كما برز من آل قدامة وبتأثيرهم، عدد من العلماء يرتبطون بآل قدامة بالروابط العائلية المتفاوتة. وقد حملوا مثلهم لقب المقادسة. وأبرز تلك الأسر خمس: 1) آل عبد الهادي، وجدهم يوسف بن محمد بن قدامة هو شقيق أحمد المهاجر الأول إلى دمشق. 2) بنو سرور بن رافع الجماعيلي ويرتبطون بآل قدامة برابطة المصاهرة. 3) بنو عبد الواحد بن أحمد السعدي، وهم بدورهم أصهار لآل قدامة: 4) و5) هما أسرة راجح وجماعة ممن يحملون نسبة المرداوي، وبينهما وبين آل قدامة روابط قرابة عائلية. وقد أسهم عدد من رجال هذه الأسر بدرجات متفاوتة في النشاط العام لذلك المركز العلمي الذي أسسه الحنابلة القداميون. من جهة أخرى اجتذب آل قدامة بحركتهم العلمية النشيطة وسمعتهم الدينية علماء الحنابلة من حران وبغداد ونابلس وبعلبك وغيرها إلى دمشق فجاوزها وشاركوا في نشاطات المركز الحنبلي الصالحي وذيوع شهرة دمشق العلمية. ولعل من أبرز هؤلاء الامام ابن تيمية الحراني (أحمد بن عبد الرحيم 661-728هـ) المجتهد المشهور، وأبناء مفلح المقدسيون، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المسندين والحفاظ المحدثين والفقهاء والقضاة من أصحاب المذاهب الأخرى. وأدى تأثير المركز الصالحي من جهة ثانية إلى تصدير المذهب الحنبلي إلى مصر وبعلبك وغيرها. وقام في نابلس فرع من بني سرور (أولاد نعمة) أطلع بعد تحرير فلسطين من الفرنجة عددا من العلماء الحنابلة ناظروا أقرباءهم في الشام وان لم يحظوا بالتألق نفسه. وقد استمر نشاط هذه الجماعة العلمية في نابلس حتى أواسط القرن الثامن الهجري. ونتيجة لذلك كله، ومع نمو دمشق الاقتصادي والسياسي في العهد المملوكي باعتبارها مركز نيابة السلطة، ومع نشاط مدارس دمشق الأخرى ودور الحديث ركيزة العلماء في ذلك العهد. صارت المدرسة العمرية في سفح قاسيون مركزاً من مراكز العلم الكبيرة في الإسلام* وان تكن خاصة بالمذهب الحنبلي. ويذكر ابن عبد الهادي أحد مؤرخي الأسرة في القرن الثامن الهجري أنه “لم يكن في بلاد الإسلام أعظم منها”. وإذا كانت قد بدأت بعشر غرف للطلبة قد زاد فيها الناس عشرات الغرف الأخرى وانهالت عليها الهبات والأوقاف و”قل سنة من السنين تمضي (حتى ما بعد قرنين) إلا وصبر إليها فيها وقف”. وكان في المدرسة مكتبة غنية بالمصاحف (منها مصحف بخط الامام علي) وكتب الحديث والفقه واللغة والأجزاء والمجلدات. على أن المدرسة أصيبت مع الصالحية ودمشق بضربتين قاسيتين أشد القسوة. كانت الأولى ضربة قازان المغولي (آخر القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي) التي نهبت الصالحية: مساجدها ومدارسها وكتبها ورجالها والنساء. وكانت الثانية ضربة تيمورلنك بعد قرن من ذلك (مطلع القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي) وقد دمرت دمشق والصالحية معها أشنع التدمير (رَ: التتار). واستطاعت الصالحية أن تعود بعد ضربة قازان إلى سيرتها الأولى  في العلم والعمران والاقتصاد، وأن تعود المدارس بما فيها الحنبلية إلى العطاء حتى رآها ابن بطوطة في أواسط القرن الثامن “مدينة عظيمة لها سوق لا نظير له، وفيها مسجد جامع  ومارستان”، ورأي مدرسة أبي عمر على شاطئها في التعليم والجراسة الكافية على طلابها بالمأكل والملبس. ولكن النكبة التيمورية أضعفت ذلك النشاط كثيراً. وإذا وصف القلقشندي الصالحية في أواخر القرن التاسع ومطلع العاشر بأنها “مدينة ممتدة ذات بيوت ومدارس وربط وأسواق وبيوت جليلة وبساتين…” فإن النشاط العلمي لآل قدامة كان قد ضعف ولم تعد مدرسة أبي عمر ولا دار الحديث الضيائية المحمدية (ونسبة إلى ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي) ولا غيرها تطلع ذلك الرعيل الأول من مشهوري العلماء وان استمرت تعيش على أمجادها السابقة وتكرر تخريج الشيوخ الموظفين بعد ذلك قرنا وبعض القرن. ان مجموع العلماء الذين ظهروا من آل قدامة والأسر المتصلة بهم وذكرتهم كتب التراجم وبدون في العدد على 110 شيوخ منهم قرابة النصف من آل قدامة (أسرة أحمد وابنه  ابي عمر 52 اسماً) و14 اسماً من آل عبد الهادي و12 اسماً من آل عبد الواحد والباقي من أسرة راجح ومن المرداويين. وتتضمن هذه الأسماء عدداً من النساء العالمات. فقد مس النشاط العلمي أيضاً نساء البيت القدامى وأدخلهن في الجو العام لعلوم الحديث والفقه وسمع عليهن عدد من علماء العصر. ومن أبرز علماء آل قدامة والأسر المتصلة بهم: عبد الغني بن عبد الواحد* (541 – 600 هـ/1147 – 1204م) ومؤلفاته تزيد على 45 كتاباً، وموفق الدين عبد الله بن أحمد (541-620هـ/1146 – 1223م)، وضياء الدين محمد بن ابراهيم بن عبد الواحد (569-642هـ/1173-1245م) وكان محدث عصره، وشمس الدين محمد بن ابراهيم بن عبد الواد (603 – 676هـ/1206 – 1277م) قاضي القضاة في مصر، وعائشة بنت الموفق، وفخر الدين علي بن أحمد بن عبد الواد (575 – 690هـ/1179 – 1291م) الذي حدث سنتين سنة وصار مسند عصره كله، وشمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي(704 هـ/1304 – 1343م) وله 58 مؤلفاً، وعائشة بنت عبد الهادي (723 -816هـ /1323 -1413م) التي أصبحت آخر عمرها أسند أهل الأرض ورحلة الدنيا. ولا شك في أن آل قدامة ومن ارتبط بهم من الأسر العلمية قد تركوا في تاريخ القرون التي عاشوها أثرهم الواضح. 1) فقد أسهموا في إشاعة النماذج المثلى للعلم والتقوى في تلك العصور بما عرف عنهم من السلوك الديني والزهد. وتمثل الاحترام العام لهم في رعاية الحكام لمكانتهم ومبالغة الناس في تكريمهم. 2) امتد تأثيرهم في المدى الزماني عدة قرون، وفي المدى المكاني من الصالحية ودمشق إلى ضواحي الشام (دومة والرحيبة والضمير) ثم إلى بعلبك وقراهم في جماعين، وإلى نابلس والقدس وممصر والاسكندرية وحران واربيل وبغداد. 3) قدموا لنظام الحكم المملوكي أعداداً كثيرة من رجال القضاء والافتاء وأصحاب الوظائف الدينية. 4) تركوا تراثاً واسعاً من المؤلفات في الفقه الحنبلي وكتب الترجم والحديث وعلوم القرآن واللغة، وكان إسهامهم الأساسي في بلورة الفقه الحنبلي. 5) جمعوا مجموعة واسعة من الكتب المخطوطة ما تزال بقاياها من ثروة المكتبة الظاهرية بدمشق. وكتبوا منها بخطوطهم الآلاف. 6) أسهموا في تلك العصور في تعليم المرأة حتى ظهرت منهم عدة نساء عالمات. 7) كان من نتيجة نشاطهم قيام بلدة صغيرة هي الصالحية التي صارت اليوم من أكبر أحياء دمشق. ولا تكاد توجد في تاريخ الشام هجرة قروية صغيرة اساطاعت أن تترك اثراً كذلك الأثر الذي تركته هجرة آل قدامة إلى دمشق من حيث السعة والزمن والعمق والنوع.   المراجع:   ابن طولون: القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، دمشق 1949. ابن رجب الحنبلي: كتاب الذيل على طبقات الحنابلة، دمشق 1951. ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، القاهرة 1931. النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس، دمشق 1948. ابن عبد الهادي: ثمار المقاصد في ذكر المساجد، دمشق 1943. ابن كنان: المروج السندسية الفيحية في تلخيص تاريخ الصالحية، دمشق 1947. العلموي: مختصر تنبيه الطالب (مختصر النعيمي)، دمشق 1947.   ابن قدامة: رَ: أحمد بن الحسن بن عبد الله رَ: عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي. رَ: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي رَ: محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي   قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي: رَ: آل قدامة