عزيز شحادة

في أعقاب حرب 1967* واحتلال القوات الإسرائيلية ما تبقى من أراضي فلسطين، بادرت بعض الشخصيات الفلسطينية في الأراضي المحتلة إلى المطالبة بإقامة كيان فلسطيني، وحل القضية الفلسطينية عن طريق التفاوض مع العدو الصهيوني. وكان مشروع المحامي عزيز شحادة، الذي تقدم به في منشور وزعه على عدد من الشخصيات الفلسطينية في 11/6/1967، لدراسته ومناقشته أحد أوجه ذلك التحرك السياسي. تناول عزيز شحادة موضوع حق تقرير مصيرهم، وذكر أنهم “قد حرموا من هذا الحق رغم إلحاح القادة العرب، ورغم نصوص ميثاق هيئة الأمم المتحدة”، ولذلك “فإن الشعب الفلسطيني، مع أنه ينظر باعتزاز غلى أولئك الذين نذروا أنفسهم، وعملوا مخلصين من أجل قضيته، لا يرى باشتراكه الفعلي في معالجة قضيته ما يقلل من شأن ما بذل هؤلاء ماضياً، وما يبذلونه حاضراً ومستقبلاً في سبيل هذه القضية”. وتحت شعار عدم تشتت القضية الفلسطينية وضياعها، دعا عزيز شحادة إلى أن يعقد “مؤتمر يضم نخبة واعية من الذين يرغبون في تحمل المسؤولية، من كافة الألوية والأقضية في الأجزاء التي يقيمون فيها في فلسطين، وأن يدعو هذا المؤتمر لتشكيل مجلس قومي فلسطيني”. وحدد مهام المجلس “بانتخاب هيئة قومية تنطق باسم الشعب الفلسطينية في المحافل العربية والدولية” ووتتصل بـ “جماعة الدول العربية والقادة العرب للاتفاق على خطة موحدة”، وتطالب “هيئة الأمم المتحدة بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره”، وأخيراً “بإجراء ما يقتضيه الموقف من مفاوضات مع الأطراف المعنية بأمر القضية الفلسطينية إذا رئي أن ذلك يقضي إلى نتيجة إيجابية مشرقة”، على أن يستتبع ذلك إجراء “استفتاء شعبي بغشراف هيئة دولية معترف بها”. وتضمن مشروع عزيز شحادة إنشاء دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود تقسيم 1947 مع الموافقة على إجراء بعض التعديلات على جدودها في مفاوضات لاحقة. وتصبح هذه الدولة عضواً في الأمم المتحدة وتكون القدس* العربية عاصمتها باستثناء المنطقة الواقعة داخل السور، التي ستكون تحت السيادة المشتركة للدولتين بشكل يضمن حرية الوصول إلى جميع الأماكن المقدسة. وتمنح الدول العربية ميناء على البحر وممراً يؤدي إلى ذلك الميناء. وتضمن الحكومة الإسرائيلية حقوق الفلسطينيين أملاكهم طبقاً لقرار الأمم المتحدة 194 الصادر عام 1949 (رَ: اللاجئين الفلسطينيين، حقوق). وتعد الدولتان معاهدات عدم اعتداء واتفاقيات اقتصادية بينهما. كما تضمن الأمم المتحدة حدود الدولة الفلسطينية واستقلالها. نشط عزيز شحادة، اثر طرح مشروعه، بالتعاون مع عدد محدود من الشخصيات الفلسطينية التي تشاركه الرأي، في الاتصال بالإسرائيليين للتفاوض معهم بشأن المقترحات التي تقدم بها. وكان أحد تلك اللقاءات اجتماعه في 16/4/1968 مع وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان. بحضور حمدي كنعان رئيس بلدية نابلس آنذاك. واجهت هذه التحركات السياسية رفضاً جماهيرياً واسعاً داخل الأرض المحتلة وخارجها، ففي 23/8/1967 أصدرت منظمة التحرير الفلسطينية* بياناً رفضت فيه أي مشروع يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، مؤكدة أن قضية فلسطين “لا تقوم على تسويات، ولا تقبل فيها مساومات، وإنما هي قضية تحرير ومصير، وكل مشروع يتجاهل هذه الحقيقة، ويتنكر لها سيبوء بالفشل، لأن الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية بأسرها لن ترضى عن تحرير فلسطين بديلاً … وأن أبناء الشعب العربي الفلسطيني، مهما تكن الظروف التي يتعرضون لها داخل وطنهم وتحت وطأة الاحتلال الصهيوني الاستعماري، مدركون هذه الحقيقة تمام الإدراك وهم بثباتهم وكفاحهم وإيمانهم وعزمهم قادرون، ولا ريب، على إحباط المجالات والمشاريع”. وأصدرت هيئات وشخصيات فلسطينية وطنية داخل الضفة الغربية مثياقاً وطنياً مرحلياً في 4/11/1967، أكدت فيه رفضها لكل المشاريع التي ترمي إلى تصفية القضية الفلسطينية، والتي بدأ الترويج لها والإعلان عنها في أعقاب الخامس من حزيران 1967. وقد أكد الميثاق “أن القضية الفلسطينية قضية عربية عامة، تتحمل الأمة العربية جمعاء واجب الدفاع عنها. يفرض ذلك الإيمان القومي الواحد، والخطر المتربص بالوطن العربي كله”. ورفض الميثاق “بإصرار الدعوة المشبوهة لإقامة دولة فلسطينية يراد لها أن تقوم منطقة عازلة بين العرب وإسرائيل مرتبطة بالوجود الصهيوني الدخيل”. كما أعلن مواطنو الضفة الضفة الغربية في عمان وبعض الشخصيات الأردنية رفضهم للمشاريع الداعية إلى إنشاء كيان فلسطيني وإلى التفاوض مع العدو الصهيوني.   المرجع: –         مهدي عبد الهادي: المسألة الفلسطينية ومشاريع الحلول السياسية 1934 -1974، بيروت 1975.