ساوندرز

استمعت لجنة العلاقات الخارجية التابعة للكونغرس الأمريكي في واشنطن يوم  12/11/1975 إلى بيان أدلى به هارولد ساوندز نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وجنوبي آسيا وضمنه توضيحاً لسياسة الحكومة الأمريكية تجاه “مشكلة الفلسطينيين ومصالحهم المشروعة”. وقد سمي بيانه مشروعاً بالرغم من أنه لا يتضمن اقتراحاً أو خطة أو حلاً للمشكلة التي تعرض لها، وإنما كان بمثابة توضيح غير مباشر للأسباب التي دعت الحكومة الأمريكية إلى استعمال تعبير “المصالح المشروعة للعرب الفلسطينيين” في بعض البيانات والتصريحات الرسمية. وقد أورد ساوندز في بيانه بعض المعلومات عن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين وعن مراحل نشوء وتطور منظمة التحرير الفلسطينية*. وفيما يلي أهم وأبرز النقاط التي وردت في البيان، وبخاصة ما يتعلق بالمفهوم الأمريكي عن “المصالح المشروعة للعرب الفلسطينيين” في فترة إعداده: 1) إن إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط هو هدف رئيس للولايات المتحدة. “وقد أكدت الحكومة الأمريكية مراراً إلى المصالح المشروعة للعرب الفلسطينيين يجب أن توخذ بعين الاعتبار في مناقشات السلام العربي – الإسرائيلي”. 2) “إن البعد الفلسطيني للنزاع العربي – الإسرائيلي هو قلب النزاع”. 3) “إن حلاً نهائياً للمشكلات الناجمة عن تقسيم فلسطين* وتأسيس دولة إسرائيل مع معارضة العرب لهذين الحادثين لن يكون ممكناً إلا إذا تم التوصل إلى اتفاق يحدد الوضع العادل والنهائي للشعب العربي الذي يعتبر نفسه فلسطينياً”. 4) إن مشكلة فلسطين قد عولجت في البداية على أنها مشكلة أشخاص فقدوا ديارهم. وأما اليوم فإننا نعترف بأن هناك بالإضافة إلى تلبية الحاجات الإنسانية والمطالب الشخصية الشرعية للاجئين حقيقة أخرى يجب أن نأخذها في الحسبان، وهي أن عدداً كبيراً من الملايين الثلاثة الذين يسمون أنفسهم فلسطينيين معتبرون اليوم جماعة لها هويتها كشعب يرغب في أن يكون له صوت في تقرير وضعه السياسي. ويشكل الفلسطينيين مجتمعين “عاملاً سياسياً يجب التعامل معه إذا كان السلام سيحل بين إسرائيل وجيرانها”. 5) “هناك مقولة في العالم العربي تسمع كثيراً بأنه لن يكون هناك سلام حتى تلبى حقوق الفلسطينيين. ولكن ليس هناك تعريف أو تحديد متفق عليه لما يعنيه ذلك. وهناك وجهات نظر مختلفة حول ماهية المطالب المشروعة للفلسطينيين. (1) فبعض الفلسطينيين يرفع شعار الدولة العثمانية المزدوجة القومية أيام الانتداب، وإن تحقيق هذا الهدف يعني نهاية (إسرائيل) الحالية وغرقها في محيط أكبر. ويقبل بعض أصحاب هذا الرأي بدولة فلسطينية تقوم في الضفة الغربية وقطاع غزة كخطوة أولى نحو الهدف المذكور. (2) وتعلن فئة أخرى من الفلسطينيين عن رأيها بقبول دولة فلسطينية مستقلة تتكون من الضفة الغربية وقطاع غزة وتبنى على أساس الاعتراف (بإسرائيل) وحقها في الوجود كدولة مستقلة ضمن حدود ما قبل 5/6/1967 تقريباً. (3) وترى فئة ثالثة من الفلسطينيين وبعض العرب الآخرين أن الحل الممكن يكمن في إقامة دولة اتحادية “المملكة العربية المتحدة” بين الضفة والقطاع من جهة والأردن من جهة أخرى، على أن يتمتع اللإقليم الفلسطيني من الدولة باستقلال ذاتي (رَ: الحسين، مشروع 1972). 6) أوضح بعض القادة العرب “أن تعريف المصالح الفلسطينية متروك للشعب الفلسطيني نفسه ليقرره. وقد عبر قادة عرب مسؤولون عن رأيهم القائل بأن تحقيق الحقوق الفلسطينية لا يحتاج إلى إنهاء وجود إسرائيل. ولذلك لا يبدو أن هناك أحداً هو في مركز يتمكن فيه من أن يقول بدقة ما هي الأهداف الفلسطينية. وحتى منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت بها جامعة الدول العربية والجمعية العامة للأمم المتحدة كممثل للشعب الفلسطيني كانت غامضة في تحديد هذه الأهداف. فهي رسمياً وعلنياً تحدد هدفها بأنه إقامة دولة عثمانية مزدوجة القومية. ولكن هناك بعض الدلائل على أن تعايشا بين دولتين فلسطينية وإسرائيلية يمكن أن يؤخذ بالاعتبار من قبل المنظمة. 7) “إن الأمر المطلوب كخطوة أولى هو تحرك دبلوماسي يساعد على تقديم تحديد معقول للمصالح الفلسطينية، الأمر الذي يمكن أن تبدأ منه وعلى أساسه المفاوضات حول حل الجوانب الفلسطينية من المشكلة. وليست المشكلة في ما إذا كانت المصالح الفلسطينية يجب أن تعبر عن نفسها في تسوية نهائية، ولكن في الطريقة التي تعبر بها عن نفسها. ولن يكون هناك سلام ما لم يعرف الجواب عن هذا التساؤل”. 8) هناك حاجة لتطوير إطار المفاوضات. والمسألة الرئيسة التي يجب حلها في تـأسيس إطار يجلب المسائل التي تهم الفلسطينيين للمباحثات هي إيجاد أساس مشترك للمفاوضات يمكن أن يقبله الفلسطينيون والإسرائيليون. والوصول إلى ذلك يمكن بقبول مشترك لقؤاري مجلس الأمن 242 و338 المؤرخين في 22/11/1967 و22/10/1973 على التوالي، مع أن هذين القرارين لا يتعرضان للجانب السياسي من قضية فلسطين. 9) إن منظمة التحرير الفلسطينية لا تقبل قراري مجلس الأمن المذكورين ولا تعترف بوجود (إسرائيل). وهي لم تعلن استعدادها لمناقشة السلام معها. كما أن (إسرائيل) لا تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية أو بهوية منفصلة للفلسطينيين. “وهكذا فإننا لا نملك في الوقت الحاضر إطاراً لمفاوضات تضم منظمة التحرير الفلسطينية. ولا نستطيع أن تتوقع مفاوضات بين الطرفين، أو أن نحث على بدئها، طالما يعلن كل منهما أن هدفه هو استئصال الطرف الآخر”. هذا هو موجز بيان ساوندز الذي جاء في وقت شهدت فيه قضية فلسطين بدء مرحلة نضالية جديدة تركزت بعض آثارها في منظمة الأمم المتحدة والرأي العام العالمي. ويأتي بيان ساوندز مؤشراً على ذلك، إذ إنه يتضمن شيئاً من التقدم الظاهري في الرؤية الأمريكية الرسمية لقضية فلسطين، ومن قبول لفظي لما أجمع عليه الرأي العام العالمي من وجود الشعب الفلسطيني وقضيته السياسية لا الإنسانية فحسب، بالرغم مما في البيان من مجانبة للحقائق والوقائع التاريخية، ومبادىء القانون الدولي ومفاهيم الحق والعدالة. إن أبرز في هذه الوثيقة الرسمية من جانب وزارة الخارجية الأمريكية في مجال رصد تطور مواقف الحكومات الأمريكية المتعاقبة من قضية فلسطين هو إظهار الاستعداد المبدئي للاعتراف بالطابع السياسي لهذه القضية، وبأن البعد الفلسطيني للنزاع إنما هو قلب النزاع، وبأن قراري مجلس الأمن 242 و338 لا يعالجان الناحية السياسية من القضية. إن ما بدا أنه تطور في تفكير وزارة الخارجية الأمريكية كما جاء في بيان ساوندز قد ورد أيضاً في بيان وزارة الخارجية الأمريكية اثر المناقشة التي أجراها مجلس الأمن في منظمة الأمم المتحدة من 12 إلى 26/1/1976. فقد أصدرت الوزارة بياناً في اليوم الأخير من المناقشة أشارت فيه إلى اهتمامها بتلك “النواحي من قضية الشرق الأوسط التي تتعلق بصورة خاصة بالشعب الفلسطيني ومستقبله … فلقد كانت قضية فلسطين لعدة سنوات خلت تعتبر قضية لاجئين، وأما اليوم فثمة اجماع في الرأي بأن هذه ناحية واحدة فقط من القضية الكبرى”. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذا الموقف الأمريكي لم يكن يمثل سوى نوع من المناورة الدبلوماسية، وأنه لا يعبر عن تبدل جذري في المفاهيم الرسمية الأمريكية لقضية فلسطين.   المراجع: –         وثائق الكونغرس الأمريكي. –         وثائق ومحاضرات اجتماعات مجلس الأمن لمنظمة الأمم المتحدة للفترة الواقعة بين 12 و26/1/1976.