دالاس

عانت (إسرائيل) خلال السنوات 1952 – 1954 أزمات اقتصادية وسياسية حادة. ولم ينفذها من الضائقة الاقتصادية آنذاك سوق اتفاقية التعويضات الألمانية الغربية (رَ: ألمانيا الاتحادية). وشهدت علاقاتها بالاتحاد السوفييتي تحولاً من الفتور إلى التوتر، ونادى وزير الخارجية الإسرائيلي يومئذ موشي شاريت بإمكان تقديم تنازلات بسيطة للعرب إذا قبلوا التسوية. وفي هذه الأثناء كانت مصر مشغولة بتحقيق الجلاء البريطاني عن أراضيها، وكانت تأمل في أن تستفيد من الولايات المتحدة للضغط على إنكلترا. لم تخف هذه الحقائق على حكومة الولايات المتحدة فقام وزير خارجيتها جون فوستر دالاس بجولة في الشرق الأوسط لإقناع الحكومات العربية بالانضمام إلى الأحلاف العسكرية الغربية. ثم ألقى يوم 26/8/1955 بياناً أمام لجنة الشؤون الخارجية للكونغرس عرض فيه مشروعاً يعالج بعض الصراع العربي -الإسرائيلي من دون أن يتعرض لجوهره وأساسه. وذكر دالاس في بيانه أن مخول من الرئيس الأمريكي أيزنهاور تقديم هذا المشروع. وفيما يلي أبرز نقاطه: “هناك مشكلة العرب وإسرائيل التي لم تحل بهدنة 1949 وقد ترتب عليها ثلاث مشكلات ما زالت بحاجة ماسة إلى الحل”: (1) المشكلة الأولى: هي مأساة 900 ألف لاجىء كانوا يعيشون في المنطقة التي تحتلها الآن (إسرائيل)، “وإنهاء هذه المشكلة يقضي بأن يتمكن هؤلاء الناس المنتزعون من جذورهم من استئناف حياة جديدة عن طريق إعادة استقرارهم”. ويتم ذلك بعودتهم إلى وطنهم “إلى الحد الذي يكون ممكناً”، وبتوطينهم في المناطق العربية التي هم فيها. ومن أجل تنفيذ التوطين اقترح دالاس استصلاح المزيد من الأراضي بحيث يتمكن اللاجئون من الاستقرار في تلك المناطق والعمل فيها. وحتى تتحقق هذه المشروعات دعا دالاس (إسرائيل) إلى دفع تعويضات للاجئين يتم تسديدها بقرض دولي تشارك الولايات المتحدة فيه بصورة أساسية. وأعلن أن حكومة بلاده ستسهم في إقامة مشروعات الري وتحقيق التنمية المائية في المنطقة مما سيساعد أيضاً على إعادة توطين اللاجئين. (2) المشكلة الثانية: هي “حجاب الخوف المخيم الآن على العرب والإسرائيليون على السواء. فالبلاد العربية تخشى توسع إسرائيلي على حسابها، ويخشى الإسرائيليون من أن يلقى بهم في البحر، كما يعانون من التدابير الاقتصادية المتخذة ضدهم”. وقد اقترح دالاس للتغلب على هذا الخوف والوصول إلى الشعور بالأمان تطبق إجراءات جماعية و”تخصيص قوة حاسمة لردع أي عدوان”، وعبر عن استعداد حكومته للدخول في معاهدات هدفها منع أي عمل من قبل أي من الطرفين من شأنه تغير الحدود بين (إسرائيل) وجيرانها بالقوة، بالإضافة إلى كبح الرغبة في مثل هذا العمل. كما عبر عن أمله في أن توافق دول أخرى على الإسهام مع الولايات المتحدة في مثل هذه الضمانات الأمنية، وأن يتم ذلك بإشراف الأمم المتحدة. (3) المشكلة الثالثة: هي “عدم وجود حدود دائمة بين إسرائيل وجيرانها”. ومن أجل ضمان الحدود “يجب أن يكون هناك اتفاق على طبيعة هذه الحدود”. وبما أن الخطوط الحالية التي تفصل بين (إسرائيل) والدول العربية ناتجة عن اتفاقيات الهدنة عام 1949 ولا تشكل حدوداً دائمة تصبح مسألة الحدود من أهم المسائل الملحة التي يجب حلها للوصول إلى تسوية سلمية بين الدول العربية (وإسرائيل). وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية راغبة في الإسهام في البحث عن حل لهذه المسألة. أيدت وزارة الخارجية البريطانية مشروع دالاس في تصريح أصدرته يوم 27/8/1955 وأعلنت فيه استعداد بريطانيا لضمان أية تسوية أقليمية يتم التوصل إليها عن طريق عقد معاهدات بين الأطراف المعنية، وللإسهام في القرض الدولي لدفع التعويضات إلى اللاجئين. حددت (إسرائيل) موقفها من مشروع دالاس في تصريح أدلى به رئيس وزرائها يوم 11/9/1955 وضمه النقاط الآتية: 1) (إسرائيل) مستعدة لمناقشة إدخال بعض التعديلات المتبادلة على الحدود مع جيرانها العرب، ولكنها غير مستعدة لتقديم أية تنازلات من طرف واحد فيما يتعلق بالأرض، ولا سيما النقب. 2) جعل المشروع تعين الحدود شرطاً يجب تحقيقه قبل عقد المعاهدات الدفاعية مع الولايات المتحدة. وترى(إسرائيل) أن عقد مثل هذه المعاهدات مسألة ملحة جداً. 3) مهما كانت نواقص خطوط الهدنة الحالية وسيئاتها فقد تم الاتفاق عليها بين الأطراف المعنية في حين أن أية محاولة للوصول إلى اتفاق حول تعديل هذه الحدود في المستقبل القريب ستثير إشكالات لا طائل تحتها. 4) منطقة النقب* مهدمة جداً بالنسبة (لإسرائيل) بسبب ثرواتها المعدنية وبسبب الأهمية الكبرى لمرفأ إيلات* الذي يعطي (إسرائيل) منفذاً إلى البحر الأحمر. أما في الجانب العربي فقد أعلن رئيس وزراء سورية في المجلس النيابي يوم 26/9/1955 رفض سورية لكل الخطط والمحاولات الرامية إلى عقد سلام مع (إسرائيل) بما في ذلك مشروع دالاس. ولم تحدد أية دولة عربية أخرى موقفها الرسمي من المشروع، إلا أن إذاعة القاهرة هاجمته واعتبرته محاولة لوضع العرب تحت رحمة (إسرائيل). كان من الطبيعي أن ينتهي مشروع دالاس إلى الفشل لأنه أهمل عن قصد جوهر الصراع العربي – الإسرائيلي، وتناسى حقوق الشعب الفلسطيني ووطنه، وجرأ القضية الفلسطينية إلى عدة مشكلات رغم أن حلها يتم بالوسائل التقنية، ومن هذه المشكلات “التنمية المائية في المنطقة” و”توطين اللاجئين” و”تأمين القروض المالية” و”رسم الحدود” و”معاهدات لضمان رسم الحدود”.   المراجع: –         صلاح العقاد: قضية فلسطين (المرحلة الحرجة 1945 – 1956)، القاهرة 1968. –         مجلة شؤون فلسطين: العدد 22، حزيران 1973، بيروت.