تيتو

كان جوزيف بروز تيتو رئيس الجمهورية الاتحادية اليوغسلافية من أشد المعارضين للعدوان الإسرائيلي على الدول العربية في حزيران 1967(رَ: حرب 1967). وقد شجب سلوك (إسرائيل) العدواني في أكثر من مناسبة، وبذل جهوداً ملحوظة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط (رَ: يوغسلافيا). ففي شهر آب 1967 قام بجولة شملت كلاً من مصر وسورية والعراق. وبعد انتهاء زيارته هذه بحث برسائل إلى عدد كبير من رؤساء الدول (السيدة أنديرا غاندي والجنرال شارا ديغول والرئيس ليدون جونسون والرئيس هارولد ويلسون والإمبراطور هيلاسيلاسي والرئيس بودغورني …. الخ) وإلى الأمين العام للأمم المتحدة أوثانت. وقد أوضح وزير خارجية يوغسلافيا في 18/9/1967 الأفكار الرئيسة التي تضمنها رسائل تيتو. كذلك تناقلت الصحف ووكالات الأنباء العالمية أن الرئيس تيتو كان قد حمل معه أثناء زيارته للأقطار العربية مشروع سلام يتضمن ما يلي: 1)   انسحاب القوات الإسرائيلية تحت إشراف مراقبي الأمم المتحدة من الأراضي العربية التي تحتلها منذ نشوب القتال في الخامس من حزيران 1967. 2)   يتولى مجلس الأمن أو الدول الأربع الكبرى ضمان جميع دول المنطقة وحدودها كما كانت قبل الخامس من حزيران 1967 ريثما يتم وضع حل نهائي للقضايا المتنازع عليها. ولتحقيق هذه الغاية يمكن وضع قوات دولية على جانبي الحدود. 3)    حرية المرور لجميع السفن في مضائق تيران إلى حين صدور قرار من محكمة العدل الدولية. 4)   تكون الملاحة في قناة السويس كما كانت عليه قبل الخامس من حزيران (أي يستمر منع السفن الإسرائيلية من المرور فيها). 5)   يتخذ مجلس الأمن الدولي بعد تنفيذ هذه الإجراءات خطوات لحل القضايا الأخرى المتنازع عليها وفي مقدمتها مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وقضية مرور السفن الإسرائيلية في قناة السويس. ويجري اتخاذ هذه الخطوات بمساهمة مباشرة من الفرقاء المعنيين. رفضت (إسرائيل) مقترحات تيتو وأفكاره، وشدد آبا ايبان وزير خارجيتها، في معرض رفضه، على أن (إسرائيل) لن تعود بشكل من الأشكال إلى حدودها القديمة لأن فيها تهديد لأمن (إسرائيل) ووجودها. وطالب بعقد معاهدة سلام واضحة وملزمة مع الدول العربية باعتبارها الحل الوحيد الممكن للأزمة. وترددت أنباء في القاهرة أن الرئيس عبد الناصر نفسه لم يقبل مشروع السلام اليوغسلافي. كما ذكرت بعض الصحف الأجنبية (نيوزويك الأمريكية والجويش كرونيكل اللندنية) أن تيتو فشل في إقناع الدول العربية التي زارها بمشروعه، مما اضطر المسؤولين اليوغسلافيين إلى أن ينفوا وجود مشروع يوغسلافي للسلام. لكن تيتو كان قد أدلى قبل انتهاء جولته السابقة بتصريح قال فيه: “إن هناك تفاهماً بيننا (بين يوغسلافيا والدول العربية والدول الصديقة) على ما سوف يتخذ من إجراءات لحل هذه الأزمة (أزمة الشرق الأوسط) حلاً سياسياً”. أما على الصعيد العالمي فقد لقيت أفكار الرئيس تيتو ردود فعل متفاوتة. فقد ذكر أن عدداً من الدول مثل فرنسا والاتحاد السوفييتي والهند رحبت بمشروع تيتو للسلام في حين استقبلته المراجع الأمريكية والبريطانية بفتور كبير لأنه – في زعمها – لا يدعو العرب إلى انهاء حال الحرب مع (إسرائيل)، ولا يتضمن أية خطوة فورية لتأمين مرور السفن الإسرائيلية في قناة السويس، ولأن الإسرائيليين لا يقبلون مرابطة مراقبي الأمم المتحدة في أراضيهم، وأخيراً لأن انسحاب (إسرائيل) من القدس العربية ليس أمراً عملياً كما ترى هذه المراجع. كل هذا يعني أن الرئيس تيتو كان قد طرح فعلاً مشروع سلام، أو على الأقل أفكاراً معينة لتحقيق تسوية للأزمة العربية – الإسرائيلية. غير أن عدم موافقة الأصدقاء العرب عليها حمل أوساط بلغراد الرسمية على إنكارها حرصاً على استمرار العلاقات العربية – اليوغسلافية الودية. وفي أوائل عام 1968 حاول الرئيس تيتو مرة أخرى حل مشكلة الشرق الأوسط وتقديم مقترحات جديدة بعدما قابل ناحوم غولدمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية* ورئيس المؤتمر الصهيوني*، وبعدها زار مجموعة من بلدان افريقيا وآسيا، ومنها مصر حيث اجتمع بالرئيس جمال عبد الناصر* وتباحث معه بشأن مشكلة الشرق الأوسط. ونقلت في 8/2/1969 أنباء عن بلغراد تفيد أن الرئيس تيتو حصل على موافقة الرئيس المصري وغيره من زعماء العالم الثالث على مشروع لتسوية الأزمة في المنطقة. أما مضمون هذا المشروع فقد شرح الرئيس اليوغسلافي بعض أفكاره حول ذلك في مؤتمر عقده في القاهرة يوم 7/2/1968. وتتركز هذه الأفكار في النقاط التالية: 1)   حل مشكلة الشرق الأوسط هو في يد الولايات المتحدة الأمريكية. ولا يمكن أن تحل الأزمة إلا بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المحتلة. ومن الصعب الاعتقاد بأن (إسرائيل) لن تطيع الولايات المتحدة إذا قررت واشنطن أن تضغط عليها من أجل الوصول إلى تسوية سلمية لمصلحة الطرفين، وليس على حساب البلدان العربية فقط. 2)   على القوات الإسرائيلية الانسحاب من المناطق المحتلة بشرط أن يتبع ذلك إعلان بإنهاء حالة الحرب بين الطرفين، والبدء بالمفاوضات، والاتفاق على المرور الحر للسفن الإسرائيلية في خليج العقبة*. وبعد ذلك يتم التوصل تدريجياً إلى تسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ومسألة الملاحة في قناة السويس. 3)   إقامة مناطق منزوعة السلاح على الحدود العربية – الإسرائيلية. وقبل أن يغادر الرئيس تيتو القاهرة هذه المرة دان (إسرائيل) لأنها وضعت العراقيل أمام الحل السياسي، وامتدح الدول العربية التي تظهر دلائل على استعدادها للاقرار بوجود (إسرائيل)، ولقبول حل سياسي للنزاع معها ما دام يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من كافة أراضيها واعترافها بحقوق انسحاب القوات الإسرائيلية من كافة أراضيها واعترافها بحقوق اللاجئين الفلسطينيين. رفضت (إسرائيل) المقترحات اليوغسلافية الجديدة، وأصر البيان على إجراء مفاوضات مباشرة بين (إسرائيل) والدول العربية. والظاهر أن الرئيس عبد الناصر نفسه أدرك عدم جدوى الحماسة لمشروع تيتو في ضوء الموقف المتعنت (لإسرائيل) وحلفائها منه فأعلنت سفارة الجمهورية العربية المتحدة (مصر) في بلغراد في شهر تموز 1968، أثناء زيارة الرئيس المصري لها، أنه لا صحة لما نشرته صحيفة “بوريا” اليوغسلافية عن وجود مشروع من خمس نقاط لتسوية أزمة الشرق الأوسط. وعلى أية حال مات هذا المشروع اليوغسلافي كما ماتت مشروعات التسوية السياسية السابقة كلها أمام مواقف (إسرائيل) المتعنتة التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الأخرى المؤيدة لها. المراجع: –         ليلى سليم القاضي: تقرير حول مشاريع التسويات السلمية للنزاع العربي الإسرائيلي 1948 – 1972، مجلة شؤون فلسطينية، عدد 22، حزيران 1973، بيروت. –         مهدي عبد الهادي: المسألة الفلسطينية ومشاريع الحلول السياسية 1934 -1974 – بيروت 1970.