آلون

طرح الوزير الإسرائيلي بيغال آلون على حكومته في شهر تموز عام 1967 مشروعاً يتعلق بالمناطق المحتلة في فلسطين، أي الضفة الغربية وقطاع غزة. وهو أول وزير إسرائيلي يطرح “تصوراً” للتسوية في المنطقة من وجهة نظر إسرائيلية. لكنه لم يطرح تصوره هذا على أنه مشروع رسمي للحكومة الإسرائيلية آنذاك، رغم أن مشروعه هذا ظل أساساً لسياسة حكومة المعراخ* (التجمع) في المناطق المحتلة، وورقة عمل رئيسة في مناقشات الحكومة بشأن المناطق وقضايا الاستيطان وغيرها. ولعل ما دفع آلون إلى وضع مشروعه أنه كان يطمح إلى استغلال مركز (إسرائيل) القوي بعد حرب 1967* لإنجاز تسوية تضمن لها “الحد الأقصى من الأرض والحد الأدنى من العرب” كما كان يرى الحاجة إلى وجود مشروع للتسوية تطرحه (إسرائيل) أساساً للمفاوضات في اتفاق سلام شامل أو جزئي، ويتحمل الجانب العربي المسؤولية في حال رفضه أو فشل المفاوضات. وفي أيلول 1976 نشر آلون في مجلة فورين أفيرز “Foreign Affairs” الأمريكية الفصلية دراسة بعنوان: “إسرائيل: حدود دفاعية” يمكن أن تعتبر تطويراً وتكملة لمشروعه الأول الذي اقتصر على تناول مصر الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما تناولت الدراسة الجديدة جميع الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967. والعلاقات مع البلدان العربية المعنية. ينص مشروع آلون الأساسي على النقاط التالية : تصرّ (إسرائيل) على أن حدودها الشرقية يجب أن تكون نهر الأردن*، وخطاً يقطع البحر الميت* بكل طوله، في حين تبقى حدود الانتداب، على طول وادي عربة* كما كانت قبل “حرب الأيام الستة “ من أجل إنشاء نظام دفاعي منيع من جهة، وتحقيق وحدة أراضي البلاد وتأمينها من ناحية جغرافية استراتيجية من جهة أخرى، تضم (إسرائيل) إلى سيادتها المناطق التالية : (1) شريطاً يتراوح عرضه بين 10 و15 كم تقريباً على امتداد غور الأردن، من غور بيسان وحتى شمالي البحر الميت، على أن يشمل حداً أدنى من السكان العرب. (2) شريطاً عرضه بضعة كيلومترات، تجري دراسته على الطبيعة، من شمالي طريق المواصلات بين القدس* والبحر الميت، بحيث يتصل في مكان ما مع المنطقة الواقعة شمالي طرق: عطورات – بيت حورون – اللطرون، بما في ذلك منطقة اللطرون . (3) بالنسبة إلى جبل الخليل وصحراء (يهودا) يجب دراسة احتمالين: إما ضم جبل الخليل بسكانه وإما ضم صحراء (يهودا) على الأقل من مشارف الخليل الشرقية حتى البحر الميت والنقب*. (4) ومن أجل تجنب ضم عدد كبير من السكان العرب. يجب النظر في إمكان الاكتفاء بضم صحراء (يهودا) فقط مع تعديلات أقل في الحدود . يجب أن تقام في تلك المناطق، مستعمرات ريفية ومدنية وقواعد عسكرية دائمة وفق متطلبات الأمن. يجب أن تقام شرقي القدس ضواح بلدية مأهولة بالسكان اليهود، بالإضافة إلى الإسراع في إعادة تعمير الحي اليهودي في البلدة القديمة وتأهيله. تبادر (إسرائيل) إلى إقامة روابط مع زعماء وشخصيات من سكان الضفة الغربية كي تطلع على مدى استعدادهم لإقامة إطار حكم ذاتي في الأراضي التي تكون تحت سيادة (إسرائيل). وقد يكون إطار الحكم الذاتي هذا مرتبطاً (بإسرائيل). ويمكن أن يتمثل هذا الارتباط بوجود إطار اقتصادي مشترك، ومعاهدة دفاع مشترك، وتعاون تقني وعلمي، واتفاقات ثقافية، وإيجاد حل مشترك لتوطين لاجئي قطاع غزة في الضفة الغربية. ومن الواضح أنه سيترتب على الحكومة أن تبادر إلى إعداد خطة عامة وشاملة وبعيدة المدى لحل مشكلة اللاجئين التي هي مشكلة مؤلمة وغير قابلة لحل كامل إلا على أساس تعاون إقليمي يحظى بمساعدات دولية. وإلى أن يتم التوصل إلى التعاون الكامل، يتوجب على حكومة (إسرائيل) أن تقدم على إقامة عدة قرى نموذجية للاجئين في الضفة الغربية، وربما في سيناء أيضاً. هذا الأمر ضروري من أجل التعلم من التجربة، ومن أجل إظهار حسن النية والتدليل على استعداد (إسرائيل) للالتزام بحل المشكلة بطريقة بناءة. ولا بد من اتخاذ هذا التدبير لأسباب إنسانية وأسباب سياسية معاً. يتوجب على (إسرائيل) أن تضم قطاع غزة بسكانه الأصلين، أي أولئك الذين كانوا يعيشون فيه قبل عام 1948. أما بالنسبة إلى اللاجئين الذين لم يتم استيعابهم في قطاع غزة لأسباب اقتصادية واجتماعية وغيرها. فيجب توطينهم في الضفة الغربية وفي منطقة العريش وفق اختيارهم. ويتوجب على الأمم المتحدة العناية باللاجئين، في حين تتولى (إسرائيل) المعالجة الكاملة لشؤون السكان الدائمين. وسيحتاج تنفيذ مثل هذا المشروع إلى وقت كاف. ولذلك لا يُضم القطاع إلى (الدولة) في هذه الفترة بصورة قانونية. إن وضع خطوط الحدود الدقيقة، يتم بالطبع بعد سماع رأي رئيس هيئة الأركان. ويجب أن تقام، وبأسرع وقت ممكن، سلطة عليا لمعالجة مشكلات المناطق المحتفظ بها واللاجئين في نطاق دائرة رئيس الحكومة. أما مشروع آلون الموسع لعام 1976 فقد انطلق من الفرضيات الأولية التي ترى أن حرب 1973* أكدت مدى حاجة (إسرائيل) إلى حدود دفاعية، وأن التقدم التكنولوجي لا يلغي أهمية الحدود الدفاعية والعوائق الطبيعية. كما أن الضمانات الدولية السياسية لأمن (إسرائيل) خالية من أية قدرة على الردع. أما قرار مجلس الأمن رقم 242 فلا ينص في رأي آلون على الانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة عام 1967. ويرى آلون أن على (إسرائيل) أن تتنازل، بموجب اتفاقية سلام، عن الغالبية العظمى من الأراضي العربية التي تحتلها منذ 1967 لأنها في غنى عن أن تلحق بها عرباً إضافيين. وينقل آلون بعد هذه الفرضيات الأساسية، إلى تحديد الحدود التي يراها كفيلة بتوفير الأمن والعمق الاستراتيجي (لإسرائيل)، فيقرر أن العمق الاستراتيجي والعقبات الطبوغرافية كانت غائبة كلياً في القطاع الأوسط من (إسرائيل) في خطوط ما قبل عام 1967. ولا يكفي لذلك تحريك الحدود في هذا القطاع (المواجهة للضفة الغربية) نحو الشرق، بل إن من الضروري، بالإضافة إلى بعض التعديلات التكتيكية على طول القطاع الغربي من الخط الأخضر، سيطرة (إسرائيل) على القطاع الشرقي الواقع إلى الشرق من التجمع العربي المتمركز على قمم جبال الخليل* والقدس* ونابلس* وسفوحها الغربية، أي القطاع الجاف الواقع بين نهر الأردن في الشرق والسلسلة الشرقية لجبال القدس ونابلس في الغرب، وبين جبال فقوعة (الجبال المطلة على غور بيسان) في الشمال، والنقب في الجنوب . ويعطي للعرب ممراً عبر هذا القطاع لكي يبقى الاتصال مستمراً بين الضفتين الشرقية والغربية. وسوف يترك هذا الحل جميع الفلسطينيين في الضفة الغربية تقريبا تحت الحكم العربي. وبالنسبة إلى قطاع غزة يقترح آلون أن تشكل المدينة وضواحيها المزدحمة بالسكان جزءاً من الدولة الفلسطينية – الأردنية التي يقترحها لحل المشكلة الفلسطينية، بحيث تصبح غزة* ميناء تلك الدولة على البحر المتوسط. وحتى يتحقق الاتصال البري بين غزة وبقية أجزاء الدولة الفلسطينية – الأردنية يخصص ممر بري، لا يشكل جزءاً من تلك الدولة وإنما يكون تحت السيادة الإسرائيلية. وينبغي أن تستمر (إسرائيل) في السيطرة على القطاع الصحراوي الاستراتيجي الممتد من جنوب قطاع غزة حتى التلال الرملية الواقعة على المداخل الشرقية لمدينة العريش لأن هذا القطاع يمكن أن يسد “الطريق التاريخي للغزو، المار بمحاذاة البحر، والذي عبره العديد من الغزاة عبر التاريخ”. وبالنسبة إلى القدس آلون يرفض آلون إعادة تقسيمها، ويصر على أنها يجب أن تظل موجودة وعاصمة (لإسرائيل)، ويقرر أن القدس لم تكن في يوم من الأيام عاصمة لأية دولة عربية أو إسلامية، ولكنها كانت دائماً عاصمة ومركزاً للشعب اليهودي. ولكن وضع القدس ومكانتها الدينية العالمية وتركيب سكانها تدفع إلى إيجاد حل لوضع المصالح الدينية فيها على أساس ديني، لا على أساس سياسي .والحل هو إعطاء وضع خاص لممثلي مختلف الديانات في الأماكن المقدسة لديها. ومن الممكن أن تقسم المدينة إلى أحياء يراعى فيها التركيب السكاني والديني، وأن تقام مجالس لهذه الأحياء، مع بلدية مركزية. وأما الحل الواقعي الوحيد لمشكلة الهوية الفلسطينية فهو إقامة دولة أردنية – فلسطينية. ومرد ذلك إلى أن سكان الضفتين في غالبيتهم من الفلسطينيين. كما أن كثيرا من الفلسطينيين يحملون جوازات سفر أردنية. ويرى آلون أن للجولان* أهمية كبيرة بالنسبة إلى أمن (إسرائيل) لأنه يشرف على وادي الحولة وسهل بيسان والجليل الشرقي. ولذلك فإن (إسرائيل) بحاجة إلى خط دفاعي في الجولان لسبب تكتيكي، هو منع السوريين من قصف المستعمرات الإسرائيلية، ولسببين استراتيجيين هما: الحيلولة دون تسلط السوريين على مصادر المياه الإسرائيلية، ومنع أي هجوم ضد الجليل. وبعبارة أخرى يقترح آلون ضم معظم الجولان إلى (إسرائيل)، حيث يسير الخط الدفاعي الذي يقترح بموازنة خط وقف إطلاق النار، ولا يبعد عنه سوى مسافة محدودة. ويرى آلون أن من الضروري إجراء عدد من التعديلات الحدودية في المناطق الحساسة على خط الهدنة بين (إسرائيل) ومصر. ويجب أن يتم ذلك بشكل يسمح بسيطرة إسرائيلية كاملة في عدد من القطاعات ذات الأهمية الحاسمة لدفاع (إسرائيل) والتي ” لا أهمية لها بالنسبة إلى أمن مصر”، ويقصد بذلك المساحات المحيطة بأبوعجيلة والقسمية والكونتيلا التي تشكل مناطق تقاطع محاور الطرق الرئيسة المارة من الصحراء إلى بئر السبع. كذلك فإن منطقة شرم الشيخ حساسة جداً (لإسرائيل) لأن الاستيلاء عليها يهدد حرية الملاحة الإسرائيلية. ولذلك يجب أن تسيطر (إسرائيل) على الطريق الواصلة بينهما وبين إيلات* بشكل أو بآخر. وفي رأي آلون أن هذه التعديلات غير نابعة من رغبة (إسرائيل) في التوسع أو إلحاق أراض بها، ولا من اعتبارات ودوافع تاريخية أو ايديولوجية، بل من اعتبارات أمنية فقط. وإلى جانب هذه التعديلات لا بد من وضع ترتيبات أمن فعالة لمنع الهجوم المفاجىء من طرف ضد آخر، أو على الأقل تقليله إلى أدنى حد ممكن. والمقصود بهذه الترتيبات إيجاد “مناطق مجردة كلياً أو جزئياً من السلاح تحت إشراف عربي – إسرائيلي مشترك، بالإضافة إلى ضمان عنصر دولي إن أمكن، وإقامة أجهزة إنذار مبكر كذلك المقامة بمقتضى اتفاقية سيناء”. المراجع: – Yiagal Allon: Israel; The case of the defensible borders, Foreign Affairs, October 1976.