مشمار هايردن

بعد النجاح الذي حققته القوات السورية بتحريرها سمخ* وضواحيها لم تستطع التقدم باتجاه طبرية* اذ كان الاسرائيليون قد عززوا مستعمرتي دكانيا (أ) دكانيا (ب) بقوات كبيرة مزودة بالمدافع الثقيلة والهاونات فاضطرت القوات السورية إلى التراجع حتى المرتتفعات المشرفة على بحيرة طبرية* (رَ: حرب 1948). وقد أدى هذا الوضع إلى تبدل في الوضع السياسي والعسكري في سورية فتولى (الزعيم) حسني الزعيم رئاسة الأركان العامة وقرر تحقيق نصر عسكري مهما كان الثمن، ولا سيما أن مجلس الأمن كان على وشك اتخاذ قرار بوقف اطلاق النار. وقد وقع اختيار رئيس الأركان السوري الجديد على مستعمرة مشمار هايردن كهدف جديد للقوات السورية. وهي مستعمرة على نهر الأردن* محصنة ومن نوع موشاف* ملك أرضها القريبة من جسر بنات يعقوب يهودي أمريكي عام 1888 ثم باعها إلى “أحباء صهيون”* ليقيموا عليها المستعمرة عام 1890. نصت الخطة التي وضعتها القيادة السورية لاحتلال المستعمرة على قيام القوات السورية بهجمات خداعية في كلا القطاعين الشمالي والجنوبي في اليوم السابق للتاريخ المحدد للهجوم في حين يبقى القطاع الأوسط ساكنا وخاليا الا من بضع وحدات صغيرة. وأما القوات المكلفة بالعملية فتتجمع في القنيطرة صباح يوم الهجوم في الوقت الذي تأخذ فيه المدفعية موضعها في منطقة الجمرك شرقي جسر بنات يعقوب. تألفت القوات المهاجمة من الوحدات التالية : الفوج الثالث (مشاة)، والفوج الخامس (مشاة)، وكتيبة استطلاع مزودة بالمصفحات، ووحدات مغاوير. وجرى التنفيذ وفق الخطة المرسومة فتحركت القوات المشتركة بالعملية ليلة 6-7/6/1948 وعبرت وحدات المغاوير نهر الأردن في الساعة الثانية من صباح 7 حزيران وتمركزت على الضفة الغربية من النهر باتجاه المستعمرة دون أن يشعر بها العدو. وفي الساعة 3،30 تحركت هذه الوحدات باتجاه الاسلاك الشائكة وفتحت فيها عدة ثغرات تنبه لها العدو وفتح نيرانا غزيرة عليها ولكنه فشل في كسر حدة الهجوم. وتابعت الوحدات السورية هجومها وتجاوزت الأسلاك الشائكة وتسلقت السور منقضة على القوات المعادية وأسكتتها الواحدة تلو الأخرى ثم اشتبكت مع الاسرائيليين بين الأبنية بالسلاح الأبيض. وفي تلك الأثناء عبرت قوات المشاة والمصفحات السورية للنهر من الأماكن المحددة لها واتجهت نحو أهدافها وساعدت في القضاء على قول العدو المنسحب. وقد وصلت المدرعات السورية حتى مستعمرة روشينا، ثم عادت بعد أن كبرت المسافة بينها وبين قوات المشاة المرافقة. ولم تأت الساعة السادسة والنصف صباحا حتى كانت القوات السورية قد سيطرت على المستعمرة بكاملها عدا بعض المفاومات الصغيرة المنعزلة التي تابعت اطلاق النار فحاصرتها القوات المهاجمة حتى تمت تصفيتها. ولم تتابع القوات السورية تقدمها الهجومي لأن القيادة أوعزت اليها باتخاذ موقف الدفاع نظرا لافتقارها لقوات أخرى لمتابعة الهجوم ولنقص في الذخائر خاصة. قام الإسرائيليون صباح 8 حزيران بهجوم معاكس قاصدين استرداد المستعمرة فتصدى لهم الفوج الأول (مشاة) بقيادة الرئيس (النقيب) عدنان المالكي الذي كان قد وصل إلى ساحة المعركة في اليوم السابق للمساهمة في القتال وأوقع بالمهاجمين خسائر كبيرة. وقامت إحدى سرايا هذا الفوج بقيادة قائد الفوج نفسه بمطاردة العدو المنسحب واحتلت تل أبو الريش الذي كان قاعدة انطلاق الهجوم المعاكس المعادي (وقد دعي هذا التل فيما بعد بتل المالكي) وأمكن بذلك توسيع منطقة الدفاع التي ازدادت مناعة بعد أن دخل الفوج الرابع (مشاة) إلى قرية البقارة العربية. واستطاع الفوج الأول تعزيز مواضعه باحتلال خان بردة. وقد فشلت كافة المحاولات الإسرائيلية اللاحقة في اجلاء أي جندي سوري عن مواقعه وبقي الوضع كذلك حتى دخول قرار وقف اطلاق النار (الهدنة الأولى) حيز التنفيذ بتاريخ 11/6/1948 (رَ: الهدنة الأولى والهدنة الثانية بين الدول العربية وإسرائيل، اتفاقيتا). وبسقوط مشمار هايردن نجحت القوات السورية في دق اسفين داخل الجليل الشرقي فتركزت جهود القيادة الإسرائيلية على تغيير هذا الوضع واستغلت فترة الهدنة الأولى التي كانت مدتها أربعة أسابيع للتحضير لاسترداد المستعمرة. وقد وضعت لذلك خطة دعتها”بيروش” تنص على تطويق القوات السورية التي تحتل مشمار هايردن وضواحيها. وكلف بالتنفيذ لواء “كارميللي” بعد تعزيزه الرجال والأسلحة الحديثة التي أمكن للإسرائيليين الحصول عليها خلال فترة الهدنة. قرر قائد اللواء الاسرائيلي تنفيذ العملية بأربعة أرتال تتحرك من “حولاتا” فيجتاز الرتل الأول نهر الأردن عبر جسر بقيمة سلاح الهندسة خصيصاً لذلك ومهمته مهاجمة القوات السورية المتمركزة على الضفة الشرقية للنهر، في حين تنقض الأرتال الثلاثة الأخيرة على هشمار هايردن من اتجاهات مختلفة بهدف القضاء على القوات السورية فيها واستردادها. انتهت الهدنة الأولى في 8/7/ 1948، وكان الجيش السوري مستعداً في مواقعه اندفاعية دون أن تكون لديه أية فكرة هجومية. وقد بدأ الطرفان باطلاق نيران مدفعية ولم تجر في اليوم الثامن من تموز أية عملية تعرضية. وفي اليوم التالي (9 تموز) بدأ الإسرائيليون باطلاق رمايات غزيرة جداً بالرشاشات الجديدة التي حصلوا عليها وأخذت مدفعيتهم البعيدة المدى تقصف مؤخرات القوات السورية مستهدفة مرابض المدفعية ومقرات القيادة ومستودعات الأسلحة والذخيرة. وقرب الغروب حلقت فوق منطقة الجمرك – جسر بنات يعقوب أربع طائرات إسرائيلية من طراز “القلاع الطائرة” وبدأت تصب حمولتها الضخمة من القنابل على القوات السورية التي لم يكن لديها من وسائل الدفاع الجوي سوى الرشاشات “هوتشكيس” العادية التي يمكن استخدامها في الأحوال الاضطرارية كسلاح مضاد للطائرات المحلقة على مستوى أقل من 200م. وكانت الطائرات الإسرائيلية على ارتفاع أعلى من ذلك بكثير. واستمرت هذه الرمايات من المدفعية والرشاشات والطائرات حتى حلول الظلام وتبين فيما بعد أنها كانت تمهيداً لهجوم لواء “كارميللي”. في حوالي الساعة العاشرة من ليل 9 تموز نجح الرتل المعادي الأول في عبور النهر إلى الضفة الشرقية بعد أن احتل مزرعة الخوري فتوجه نحو الدريجات. ومن هناك بدأت الهاونات التي يحملها بقصف مرابض المدفعية السورية خلف الجمرك، في حين كانت المدفعية الثقيلة تصب نيراناً كثيفة على المواقع الأمامية ومقرات القيادة. وقد أدى هذا القصف إلى قطع الاتصالات الهاتفية بين القيادة السورية والوحدات الأمامية وأصبح الموقف غامضاً فأوعزت القيادة السورية بتحريك القوات المتوفرة لديها وحشدتها قرب الجمرك بانتظار الصباح واتضاح الموقف. شعرت القوات السورية المدافعة بالهجوم المعادي ففتحت نيرانها الغزيرة عليه وتمكنت من التصدي للأرتال الثلاثة وأجبرتها على التوقف بعد أن كبدتها خسائر كبيرة، الأمر الذي دعا قائد اللواء الإسرائيلي إلى وقف الهجوم والانسحاب بسرعة إلى حولاتا واتخاذ التدابير الدفاعية خوفاً من قيام السوريين عند الفجر بهجوم معاكس يقضي على ما تبقى من قواته في العراء. وبالفعل ما ان لاح فجر العاشر من تموز حتى تحركت الدبابات السورية مطاردة فلول العدو فدب الذعر في صفوفه وبدأت عناصره بالقرار واضطر قائد اللواء الاسرائيلي إلى تهديد جنوده الفارين بالسلاح لاجبارهم على البقاء في مواقعهم  الدفاعية. استمرت المعركة بين القوات السورية والإسرائيلية طوال ستة أيام متواصلة خسر خلالها اللواء الإسرائيلي نصف قواته بين جريح وقتيل قبل أن تنتهي عملية يروش بالفشل التام رغم النجدات التي وصلت إليه في 14/7/1948. وقد حافظت القوات السورية على مواقعها طوال مدة الحرب ولم تنسحب منها إلا بموجب اتفاقية الهدنة النهائية شريطة أن تبقى منطقة مشمار هايردن مجردة من السلاح (رَ: الهدنة الدائمة بين سورية وإسرائيل، اتفاقية).   المراجع:   عارف العارف: النكبة، بيروت 1952. حسن البدري: الحرب في أرض السلام، القاهرة 1972.     المشهد: رَ: المقامات والمزارات   المصادرة: رَ: النسف والمصادرة في الأراضي المحتلة بعد 1967(سياسة –)