مشمار هاعيميك

هي المعركة التي خاضتها قوات جيش الانقاذ* في نيسان سنة 1948 قبل دخول الجيوش العربية إلى فلسطين (رَ: حرب 1948) بهدف الاستيلاء على مستعمرة مشمار هاعيميك (ومعناها حامية المرج) لموقعها الحصين في مرج ابن عامر*. وهي من المعارك الأولى التي خاضها جيش الانقاذ بعد دخوله فلسطين. وتقسم المعركة إلى مرحلتين منفصلتين. معركة مشمار هاعيميك الأولى (4 نيسان) ومعركة مشمار هاعيميك الثانية (11 نيسان). تقع المستعمرة في واد منفرج على طريق جنين – حيفا تحيط به من الشرق والغرب والجنوب جبال مثمرة. ويقع شمالها سهل مرج ابن عامر الذي يغص بالمستعمرات الصهيونية. وتتفرع من مشمار هاعيميك طريق تتصل ببقية المستعمرات. شماليها وغربيها وجنوبيها. وفي هذه المستعمرات أقوى الأبراج والقلاع، وسكانها من يهود أوروبا الشرقيين، وقد كانوا يعتدون باستمرار على السيارات العربية التي تمر أمامهم. وقد أراد قائد جيش الانقاذ أن يحقق من الهجوم على مستعمرة مشمار هاعيميك مجموعة من الأهداف منها اختبار مناعة المستعمرات ومدى قدرتها الدفاعية في مواجهة قصف المدفعية، ومعرفة أسلوب تنسيق التعاون الدفاعي بين المستعمرات وقدرة الصهيونيين على خوض المعركة في العراء خارج الحصون عند ارغامهم على ذلك أو عند انتقالهم من مستعمرة إلى أخرى لنجدتها. تم تعيين القوة المكلفة بالهجوم. وهي قوة فوج جمعت سراياه من مختلف الأمواج وزود بثلاث مصفحات وستة مدافع (أربعة منها عيار 75 مم ومدفعان عيار 105مم). وحددت الساعة الخامسة من مساء يوم السبت 4/4/1948 موعدا للهجوم. وقد اختير ذلك اليوم لأنه كان يوم عيد عند اليهود فوق أنه يوم سبت. وقد سبقت عملية مشمار هاعيميك عملية هجوم خداعية أغارت فيها سرية من جيش الانقاذ على مستعمرة زراعيم قرب زرعين* في ليل 4 نيسان ودمرت قسما من بيوت المستعمرة ومشروع المياه والحوض الذي يسقي أراضي المستعمرات المجاورة وكبدت السكان بعض الخسائر، الأمر الذي مكن قوة الهجوم على مستعمرة مشمار هاعيميك من احتلال موقعها بصورة سرية. وفي الموعد المحدد فتحت المدافع نيرانها بصورة مباغتة فأثار ذلك الذعر بين سكان المستعمرة. وانطلقت سرية الهجوم تتقدم بسرعة مستفيدة من دعم المدفعية ونيران المصفحات التي كانت تتحرك على الطريق الرئيسة نحو الأبراج القائمة على مدخل المستعمرة. ووصل المشاة إلى الأسلاك الشائكة وبدأوا يقطعونها، واقتربت المصفحات من الأبراج وأخذت تقصفها برمايات كثيفة، وركزت المدفعية قصفها على القلاع إلى أن اقترب المشاة منها. وكانت حماية المستعمرة ترد على ذلك كله بنيران متقطعة تدل على مدى ما أصابها من ارتباك. بدأت الظلمة تغطي أفق المعركة وهطل المطر فزاد من صعوبة الرؤية. واقترب الجنود من القلاع فقذفوها بالقنابل اليدوية.  ومضت المصفحات في زحفها مجتازة الأبراج التي أسكتت نهائيا. وحرص قائد جيش الانقاذ فوزي القاوقجي* الذي كان يقود المعركة بنفسه على ألا يأتي الجنود بأعمال تؤدي إلى قتل النساء والأطفال فأصدر أوامره بالانسحاب إلى التلال المحيطة بالمستعمرة والانتظار حتى الصباح. وهنا تم توجيه انذار إلى سكان المستعمرة يطلب منهم قطع كل اتصال لهم بعصابات الهاغاناه* وارسال وفد للتفاوض من أجل وضع المستعمرة تحت حماية جيش الانقاذ. فأرسل السكان مندوبا عنهم يعلم قائد الفوج أن هيئة تمثل المستعمرة يصحبها ضباط بريطانيون سيصلون بعد الظهر للمفاوضة. كانت معركة القسطل* في ذلك الوقت تشهد تحولات حاسمة، الأمر الذي فرض على القائد فوزي القاوقجي ارسال قوة دعم غادرت منطقة مشمار هاعيميك يوم 8 نيسان إلى منطقة القسطل. وحاول الصهيونيون في الوقت ذاته فك طوق الحصار عن مشمار هاعيميك فصدرت الأوامر بقصف المستعمرة لارغامها على الخضوع. وعلى أثر ذلك جاء وفد من المستعمرة برئاسة رئيس بلديتها يرافقه عقيد بريطاني حاول تهديد قائد فوج الانقاذ المكلف بالهجوم على المستعمرة. ولكن هذه التهديدات لم تثمر فعدل الضابط البريطاني أسلوبه واعتذر عن تأخر الوفد وزعم أن السبب عن تأخر الوكالة اليهودية* في الرد لتتيح لسكان المستعمرة الحرية في اتخاذ ما يرونه مناسبا. ولهذا فان الوفد قد جاء للتفاهم والاستئذان بنقل جثث القتلى ودفنها. وافق قائد الفوج على ذلك بشرط الانتهاء من العملية خلال 24 ساعة يقرر الصهيونيون في نهايتها التسليم أو العودة إلى القتال. وتولت السيارات البريطانية نقل القتلى والجرحى. وكان الصهيونيون يحاولون كسب الوقت لحشد قوات الهاغاناه. وفي الوقت ذاته كانت قيادة جيش الانقاذ تحاول كسب الوقت ريثما يصبح بالامكان اعادة القوات التي أرسلت للاشتراك في معركة القسطل. وكانت السيارات التي تنقل قتلى العدو وجرحاه تعود مشحونة بجنود الهاغاناه وبينها سيارات صهيونية مشحونة بالسلاح والعتاد اللازمين للحملة التي تتمركز غربي مشمار هاعيميك وفي مستعمرة أخرى إلى الجنوب الغربي منها. وأتم الصهيونيون استعدادهم قبل أن تعود قوة جيش الانقاذ التي أرسلت إلى القدس* بقيادة الرئيس مأمون البيطار (من الجيش السوري). وفي صباح يوم 10 نيسان بدأ الصهيونيون أقوى هجوم قاموا به حتى ذلك اليوم. وكان عددهم لا يقل عن 6,000 مقاتل ضد 500 مقاتل فقط من جيش الانقاذ. وظهرت القوات الصهيونية مسلحة بأعداد كثيرة من مدافع الهاون الكبيرة والمدافع الرشاشة. وكان هدف القوات المعادية تطويق قوات جيش الانقاذ وعزلها عن مواقعها وقواعدها فاضطرت هذه القوات إلى التراجع عن المواقع التي كانت تحتلها مسافة 4 كم، وتمركزت في قرية منسي العربية التي كانت قاعدة العمليات. واتسعت بذلك جبهة القتال وتخللتها ثغرات كثيرة، ثم توقفت المعركة مع حلول الظلام. وفي تلك الليلة (ليلة 11 نيسان) أعادت قوات جيش الانقاذ تنظيم نفسها وعدلت مواقعها حتى تستطيع مباغتة العدو بهجوم مضاد في الصباح، وكانت الروح المعنوية للمقاتلين العرب مرتفعة. وفي الساعة الخامسة من صباح 11 نيسان فتحت المدفعية العربية نيرانها على مشمار هاعيميك وركزتها بكفاية عالية على الأهداف التي سبق تحديدها. ثم قام المشاة من جنود جيش الانقاذ بهجوم قوي على مواقع القوات المعادية. وما هي الا ساعات قليلة حتى تمزقت هذه القوات فبدأ أفراد الهاغاناه بالتراجع الذي تحول إلى عملية مطاردة في اتجاه مشمار هاعيميك والمستعمرات الواقعة إلى الجنوب الغربي منها. وراح جنود جيش الانقاذ يتقدمون بسرعة وهم يتجاوزون جثث القتلى والأسلحة المبعثرة في الميدان حتى وصلوا إلى التلال المشرفة على المستعمرة، وكانت قواتهم قد انسحبت منها في اليوم السابق. وصدرت لأوامر بالتوقف وتعزيز المواقع المكتسبة واعادة تنظيم القوات. وفي تلك الفترة واصلت قوة الرئيس (النقيب) مأمون البيطار – ومعها فصيلة مدفعية – بعد أن أسهمت بشكل فعال في معركتي القسطل والقدس فاحتلت مواقعها. ومقابل ذلك وصلت قوات دعم صهيونية من المستعمرات المجاورة. وقام الصهيونيون بهجوم مضاد في الساعة الثالثة بعد الظهر مستفيدين من تفوقهم في القرى والوسائط لارغام قوات جيش الانقاذ على التراجع من جديد. وتعرض فصيل المدفعية لخطر استيلاء العدو عليه فاندفع الرئيس مأمون البيطار لقيادة المقاومة ونجح في احباط الهجوم المعادي وايقافه وسحب فصيل المدفعية. ولكنه أصيب اصابة قاتلة سقط على أثرها شهيدا فوق أرض المعركة. وتوقفت قوات جيش الانقاذ مرة أخرى عند مواقعها السابقة في قرية منسي. استثمرت قوات جيش الانقاذ الفرصة فأعادت تنظيم نفسها وانطلقت ثانية في عملية هجومية عنيفة استطاعت فيها استرداد المواقع التي كانت قد فقدتها والحاق الهزيمة والخسائر بالقوات الصهيونية. واستمر القتال في هذه المرحلة الأخيرة من المعركة سبعة أيام بدون انقطاع تم خلالها تحرير التلال المحيطة بالمستعمرة واشاعة الذعر والفوضى في المستعمرات المجاورة . الأمر الذي أدى الى هجرة قسم كبير من سكانها إلى مناطق أخرى. وقد قتل قائد الحامية الصهيونية في المعركة.   المراجع:   خيرية قاسمية (اعداد): مذكرات فوزي القاوقجي، بيروت 1975. صبحي الجابي (ترجمة): الحروب العربية – الإسرائيلية، دمشق 1975.