غزة

كثر الخلاف بين ملوك الأيوبيين في مصر والشام والجزيرة بعد صلاح الدين، فأخذوا يستيعنون في هذه الخلافات الداخلية بقوى خارجية، قد تكون إسلامية مثل الخوارزمية*، أو غير إسلامية مثل الفرنجة* داخل بلاد الشام وخارجها. وفي إحدى حلقات تلك السلسلة الطويلة من الخلافات، دب العداء في العقد الخامس من القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري) بين الملك الصالح أيوب في مصر وعمه الصالح اسماعيل في دمشق. وساند الأخير الناصر داود في الأردن، والمنصور إبراهيم ملك حمص. فلجأ هؤلاء إلى طلب مساعدة الفرنجة في فلسطين، مقابل جعل سيطرتهم تامة مطلقة (رَ: العصر الأيوبي). ولما قرر هؤلاء غزو مصر بمساعدة الفرنجة، حشدوا قواتهم عند غزة*. وعندما استعان الصالح أيوب بالخوارزمية (نسبة إلى خوارزم. وهم قوم من التركمان نزحوا عن بلادهم هرباً من الفاتح المغولي جنكير خان فنزلوا العراق وحدود سورية) وسير إليهم الخلع والأموال. فجند الخوارزميون في جيش الأيوبيين، واندفع منهم سنة 646هـ/1244 م عشرة آلاف دخلوا بلاد الشام عبر إقليم الجزيرة، واجتاحوا في طريقهم طبرية* ونابلس* وبيت المقدس. حتى اجتمعوا بالعسكر المصري الذي أرسله الصالح أيوب بقيادة المملوك ركن الدين بييبرس* قرب غزة. وفي موقعة غزة الثانية التي دارت في تشرين الأول من السنة نفسها بين الخوارزمية وجيوش الصالح أيوب من ناحية، وجيوش ملوك حمص ودمشق والأردن والفرنجة من ناحية أخرى، حلت الهزيمة ساحقة بالفرنجة* “ومن انضم إليهم من منافقي المسلمين”، حتى قدر عدد قتلى الصليبيين بأكثر من ثلاثين ألفاً، في حين سبق ثمانمائة أسير إلى مصر. ولا شك في أن هذه أعظم كارثة حلت بالفرنجة على أرض فلسطين منذ موقعة حطين سنة 583هـ/1187م (رَ: حطين، معركة)، حتى أطلق المؤرخون الأوروبيين على موقفعة غزة الثانية اسم “حطين الثانية”. وجاءت هذه الخسارة البشرية التي أصابت الفرنجة في الشام، في الوقت الذي أخذت الحماسة الصليبية تفتر في الغرب الأوروبي، مما أوقع الفرنجة في الشرق في مأزق مميت بسبب نقص المقاتلين.   المراجع:   ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة 1348 – 1375هـ. أبو شامة: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، القاهرة 1287هـ. ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، حيدر آباد 1945-1950. سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية، القاهرة 1963.