عكا

سقطت مدينة عكا* العربية بأيدي الصهيونيين في 16/5/1948 بعد معركة قصيرة بين من تبقى من سكانها وبين قوات صهيونية كبيرة هيئت وجهزت لهذه العملية منذ أمد بعيد. في بادىء الأمر، ارتأت اللجنة القومية التي شكلت لتنظيم الدفاع عن المدينة ألا تتعرض للصهيونيين، لأن الكثيرين من رجالها يذهبون يومياً إلى حيفا* للعمل فيها. وكان هذا الوضع ملائماً للصهيونيين أيضاً، إذ كان عليهم أيضاً سلوك الطريق بين حيفا وعكا للوصول إلى مستعمرة نهاريا* الواقعة شمال عكا. ولكن هذا الوضع لم يرض الهيئة العربية العليا* ولا جيش الانقاذ* الذي أرسل قوة الدفاع عن المدينة، وكانت هذه القوة من ملاك فوج اليرموك الثاني بقيادة المقدم أديب الشيشكلي الذي كلف الدفاع عن منطقة عكا – صفد وما حول المدينتين من قرى. وأبدت اللجنة القومية في عكا شكلها بقدرة هذه القوة على الصمود أمام الصهيونيين، في حين أنها ستكون سببا لاعتداء هؤلاء على المدينة. ولكن اللجنة سرعان ما عدلت عن رأيها عندما كمن الصهيونيون يوم 17/3/1948 لقافلة عربية تحمل سلاحاً آتية من لبنان. وما أن وصلت هذه القافلة إلى مقربة من مستعمرة “موتسكين” حتى أطلق الصهيونيون عليها النيران وقتلوا 14 رجلاً منها. كان بينهم قائد منظقة حيفا الشهيد محمد أحمد الحنيطي. عندئذ أدرك سكان عكا أنهم على خطأ فيما اعتقدوا من مسالمة الصهيونيين، وقرروا تبديل خطتهم والتأهب للقتال الجدي، وكمن عدد منهم في صباح اليوم التالي 18 آذار، لسيارة كان فيها أربعة صهونيين فقتلوهم. وبعد بضعة أيام أوقف المناضلون العرب سيارة نقل صهيونية مصفحة على طريق ترشيحا* وأحرقوها. وبقيت الحال كذلك حتى سقوط مدينة حيفا يوم 21/4/1948، إذ بدأ الصهيونيون بعد أن استنب لهم الأمر، ينفذون خطتهم المسماة “بن عامي” لاحتلال عكا بتطويق المدينة، وقطع الطريق المتجه منها إلى الشمال، واحتلوا تل الفخار (تل نابليون) الواقع شرق عكا، ولم يكن يدافع عن التل سوى سبعة من المناضلين. ثم هاجم الصهيونيون المدينة بعد قصفها بالمدافع يوم 25 نيسان، وتمكن عدد منهم من احتلال المقبرة الإسلامية الواقعة جنوب شرق المدينة. أخذ سكان عكا ينزحون عنها بسرعة عبر الطريق البرية وطريق البحر، حتى لم يبق منهم ومن لاجئي حيفا سوى سبعة آلاف. وزاد الصهيونيون ضغطهم على المدينة بتلويث مياه نبع الكابري* بجرائيم التيفوئيد. ووقع على عاتق اللجنة القومية مهمة إضافية. هي محاولة تأمين العلاج بالإضافة إلى الطعام والمياه التي بدأت تنضب، وأخذت وفود المدينة تطرق مختلف الأبواب محاولة الحصول على السلاح دون جدوى، لذلك قرر سكان المدينة الدفاع عنها بإمكاناتهم. وفي ساعة مبكرة من صباح 15/5/1948 شن مناضلو عكا هجوماً على الصهيونيين الذين تسربوا إلى بعض أنحاء المدينة كمحطة السكة الحديدية الواقعة جنوب شرق عكا وأحد المباني الرسمية في شرقها. وقد زاد أهل المناضلين بقرب دخول القوات العربية النظامية. ولكن المدفعية الصهيونية أجبرتهم على الانسحاب بعد أن خسروا عدداً من الشهداء وكبدوا العدو خسائر كبيرة بلغت 60 قتيلاً. وفي 16 أيار لم يبق في المدينة سوى 17 مناضلاً، إذ انسحبت وحدة جيش الانقاذ للمساهمة في القتال مع فوجها في المالكية* وضواحيها، ولم تصل إلى المدينة أية نجدة رغم دخول الجيوش العربية النظامية إلى فلسطين. وأثر في المدافعين عن المدينة قلة الذخيرة والتعب والجوع والعطش والمرض، فقرروا الاستسلام مساء اليوم ذاته. وحينما دخل الصهيونيون لمدينة ارتكبوا مذبحة راح ضحيتها واحد وتسعون عربياً، بينهم عدد غير قليل من الشيوخ والأطفال والنساء. أصدر الصهيونيون فور دخول المدينة أمراً يمنع التجول، وطلبوا من الباقين من سكانها التوجه فرادى إلى مبنى الشرطة، حيث تم جمعهم وتفتيشهم. وقتلوا بعض الشبان، واعتقلوا من بقي منهم. وأقام الصهيونيون نصباً تذكارياً لقتلاهم كتب عليه “تخليداً لذكرى الـ 750 من المقاتلين الذين سقطوا أمام أسوار عكا”.   المراجع:   –         عارف العارف: النكبة، بيروت 1956. –         عبد الله التل: كارثة فلسطين، القاهرة 1959. –         محمد فايز القصري: حرب فلسطين، دمشق 1962. –         هاني الهندي: جيش الانقاذ، بيروت 1974. –         صالح مسعود بوصير: جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، بيروت 1968.