الشقيف

تقع قلعة الشقيف قرب قرية أرنون على بعد 15 كم تقريباً إلى الجنوب الشرقي من بلدة النبطية في جنوب لبنان. وكان الصليبيون قد أقاموا هذه القلعة في فترة احتلالهم، ثم حررها صلاح الدين الأيوبي عام 590هـ/ 1194م. تعتبر معركة قلعة الشقيف – أرنون من أبرز وأهم المعارك التي خاضتها المقاومة الفلسطينية مع العدو الإسرائيلي، الذي كان قد اعتدى قبل ذلك على مواقع قوات الثورة الفلسطينية في جنوب لبنان مرات كثيرة. وقد ردت المقاومة في معركة الشقيف – أرنون العدو على أعقابه، وأحبطت أهدافه من العدوان. وخلال الفترة التي بدأت في مطلع عام 1980 وامتدت حتى شهر آب من العام ذاته، تاريخ العدوان الإسرائيلي على منطقة قلعة الشقيف وأرنون، كثف الجيش الإسرائيلي غاراته العدوانية على مواقع الثورة الفلسطينية في جنوب لبنان بالإضافة إلى القصف الجوي والمدفعي الذي كاد يكون يومياً. وقد عمد العدو أيضاً إلى تنفيذ مجموعة من الإنزالات الجوية والبحرية، مستغلاً تفوقه في حجم القوات وأسلحتها المتطورة والمتنوعة، وساعياً إلى تحقيق انتصارات عسكرية، وإلى القضاء على مواقع المقاومة وقواتها المقاتلة. كان العدو يهدف من مجموعة عملياته الحربية هذه إلى: 1) اختبار قدرة وكفاءة قوات المقاومة. 2) ونقل المعركة إلى الأراضي التي أقامت فيها المقاومة مراكزها. 3) وإجبار قوات المقاومة على أن تبقى دائماً في حالة دفاع سلبي، وفي وضع معنوي يؤدي إلى اقتناع هذه القوات بعدم جدوى المقاومة والقتال. 4) وتخريب أسلحة المقاومة بعيدة المدى (مدفعية، صواريخ أرض – أرض) حتى لا تطال المستعمرات الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة. 5) والقضاء على أكبر مجموعة من قوات المقاومة. 6) واجتياز قيادة الثورة الفلسطينية على التراجع والتخلي عن أهدافها ومطالبها. مهد العدو لعدوانه بأن حاول ليلة 15/8/1980 تنفيذ عمليتي إنزال بحري شمال مدينة صيدا، وشمال مدينة صور، فاصطدمت قواته بقوات المقاومة، واضطر العدو إلى التراجع فالانسحاب. وحاول بذلك خداع المقاومة وشد اهتماماتها إلى هذه المنطقة دون المنطقة التي قرر الاعتداء عليها بعد ثلاثة أيام من ذلك. كلفت قيادة الجيش الإسرائيلي اللواء جولاني تنفيذ عملية الهجوم على منطقة الشقيف – أرنون. ومن أجل الاستعداد لتنفيذ المهمة والتدرب على العملية،  قامت بعض وحدات هذا اللواء، مدعومة بالمدفعية والمدرعات، بالتدريب على تنفيذ عملية مماثلة في أرض الجولان السورية المحتلة يوم 12/2/1980. وقد أشرف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، نفسه،على المناورة وسيرها واستخلاص الدروس المستفادة منها. اشتركت في عملية الهجوم على منطقة قلعة الشقيف – أرنون وحدات اللواء جولاني، وسريتا مظلين من اللواء المظلي 31، وسرب من طائرات الهيلوكوبتر، ووحدات من الدفعية والمدرعات، على أن تقدم القوات الجوية الدعم الذي يطلبه قائد اللواء من الحاجة إليه. تضمنت خطة العملية أن تتحرك القوات المهاجمة على محورين: 1) المحور الأولى: وهو محور الهجوم الرئيس، وينطلق القوات عليه من منطقة التجمع في جنوب الخيام، فجنوب القلعة، مروراً شمال تل لوبيا، حتى تصل إلى جسر الخردلي على نهر الليطاني. 2) المحور الثاني: وهو محور الهجوم الثانوي. وتنطلق القوات عليه من منطقة التجمع ذاتها، ثم تسير شمال كفركلا وبلدة العديسة، وتمر قرب تل الناقعاني (شمال الطيبة)، فدير السريان، وبعد أن تجتاز نهر الليطاني تسير إلى جنوب بلدة يحمر باتجاه الرادار وقلعة الشقيف. حددت الخطة مهام القوات الإسرائيلية المشتركة في العملية ما يلي: 1) تتولى القوة الأولى (الرئيسة) الهجوم على مواقع قوات المقاومة، والقضاء عليها، وبخاصة في بلدتي آرنون وكفرتبنيت. 2) تتولى القوة الثانية (الثانوية) الهجوم على مواقع قوات المقاومة والقضاء عليها، وبخاصة في كفر كلا وقلعة الشقيف. 3) مهمة سريتي المظليين دعم القوة الأولى ووضع الكمائن على الطرق لمنع الإمدادات. 4) يتم استخدام المدرعات والدعم المدفعي والجوي بقرار من قائد اللواء حين الحاجة. 5) تتمركز القوات في المواقع التي تحتلها أو تنسحب منها أو تتراجع  إليها حسب تطورات الموقف الناتج عن سير الأعمال القتالية. 6) ينفذ المشاة العملية سيراً على الأقدام بدءاً من منطقة التجمع حتى بلوغ الأهداف المحددة. وتنفذ العملية دون تمهيد ناري مسبق للهجوم سعياً وراء تحقيق الأهداف. انطلقت القوات الإسرائيلية من منطقة التجمع في الساعة 19.00 من مساء يوم 18/8/1980، على أن تصل إلى قواعد الهجوم الساعة 24.00. وتستعد فيها لتنطلق جميعها في وقت واحد هو الساعة 01.00 من صباح يوم 19/8/1980. مرت الأيام الثلاثة بين 15 آب، حين حاول العدو إنزال قوات شمال مدينتي صيدا وصور، وبين 18 آب هادئة. وقد لاحظت مراكز استطلاع قوات المقاومة ليلة 18 آب تحركاً نشيطاً للآليات المعادية من بلدة المطلة المحتلة بين الساعتين 19.00 و22.00. وبعد منتصف ليلة 18- 19 آب بربع ساعة، احظ مركز المراقبة على مدخل أرنون تحرك قوات معادية على مسافة لا تزيد عن مائتي متر، فأمر قائد سرية المقاومة في منطقة أرنون بالاستعداد لمواجهة العدو، وأخبر القيادة المسؤولة بذلك. وأمر بألا يطلق المقاومون النار إلا في نطاق المدى المجدي لأسلحتهم. وبعد أن تبدأ هو نفسه الرمي على القوة المعادية المهاجمة. أمرت قيادة قوات المقاومة في المنطقة جميع تشكيلاتها في كفر تبنيت وقلعة الشقيف وحرش النبي طاهر وقصر الأسعد والرادار ويحمر وزوطر الشرقية وجميع مواقع المقاومة في محور النبطية بالاستعداد لصد الهجوم المعادي والقضاء عليه. اتسم القتال في هذه المواقع بالضراوة والتصميم وغزارة النيران. وقد استطاعت قوات المقاومة أن تضبط نفسها وتتقيد بالتعليمات وتتربص بالعدو. فلم تطلق النار عليه إلا بعد أن أصبح في المدى المجدي لنيران أسلحتها. ففي كفر تبنيت، مثلاً، تم نشر قوات المقاومة بشكل يمكن فيه إيقاع القوة المعادية المهاجمة في كمين، فلم يفتح المقاومون النار على العدو إلا بعد أن أصبح على مسافة نحو عشرة أمتار منهم، ثم انتقل القتال، بعد وصول المظليين الذين هبطوا شرق كفر تبنيت، إلى ما يشبه قتال الشوارع، والمطاردة من بيت إلى بيت. وفي الساعة 00.40 من صباح 19 آب، بينما كان موقع قلعة الشقيف يقدم الدعم الناري المباشر إلى قوات أرنون وكفر تبنيت، بمدافع الهاون والرشاشات الثقيلة، شاهدت حامية القلعة اقتراب القوات المعادية منها. وحينما أصبحت هذه على بعد نحو 200 متر من القلعة انصبت عليها النيران الغزيرة. وفي الوقت نفسه بدأت المدفعية الثقيلة للمقاومة تضرب محاور تحرك العدو وطرق امداده وتجمعات القوات المساندة والمستعمرات في عمق الأرض المحتلة ومنطقة الشريط الحدودي. وفي إثر الخسائر الكبيرة التي منيت بها الوحدة المكلفة بالهجوم على القلعة، بدأت مدفعية العدو الثقيلة ومدافع الدبابات قصفاً مركزاً على قلعة الشقيف، بغية تغطية انسحاب القوات الإسرائيلية، وفسح المجال لنقل القتلى والجرحى بطائرات الهيلوكوبتر التي هبطت في جنوب غرب القلعة. وبينما كان  موقع حرش النبي طاهر يقدم الدعم الناري إلى قوات المقاومة في كفر تبنيت وأرنون، على أثر إنشغال حامية القلعة بصد الهجوم المعادي، لاحظت حامية الحرش رتلاً معادياً متقدماً، فأصلته ناراً حامية. وحينما حاولت قوة من الرتل الالتفاف حول مواقع الحامية، اشتبكت معها إحدى وحدات الحامية في الحرش ذاته، وجرى القتال من شجرة إلى شجرة، واستمر حتى الساعات الأولى من الصباح. وفي قصر الأسعد، تمكنت قوات المقاومة من صد العدو وتكبيده خسائر كبيرة. اعتمدت القوات الإسرائيلية التي نفذت عملية الهجوم على التفوق الكبير في القوى والوسائل، وعلى تحقيق عامل المفأجاة، بحيث كانت جميع الوحدات قد تلقت أمراً من قائد اللواء بألا تبدأ إطلاق النار إلا في تمام الساعة الواحدة من صباح 19 آب، على أن تنطلق جميع الوحدات إلى تنفيذ مهامها في الساعة المذكورة بشكل دقيق. غير أن قوات المقاومة أفقدت القوات المهاجمة عامل المفاجأة، إذ بدأت المقاومة إطلاق النار، بعد أن استطاعت التمويه وإخفاء مواقعها وضبط نيرانها بشكل جيد ومنسق، فأوقعت قوات العدو، في الوقت المناسب، في المدى المجدي لأسلحتها. وبعد أن تأكد لقيادة المقاومة المسؤولة، أن قواتها استطاعت الثبات والدفاع في مواقعها، وأن العدو لم يستطع تحقيق أهدافه، قررت، بعد تقدير الموقف وحجم قوات العدو المهاجمة، وبعد اكتشاف نيات العدو وأغراضه، أن تقوم بشن هجوم فوري معاكس، لإجبار العدو على الانسحاب قبل بزوغ الفجر، وقبل أن تتمكن قيادته من إرسال النجدات السريعة. وعلى أساس هذا القرار أمرت القيادة المسؤولة قواتها في المنطقة أن تبدأ هجوما معاكساً بجميع ما لديها من إمكانات، على أن ترفدها القيادة ببعض الوحدات الاحتياطية، وتدعمها بنيران الأسلحة الثقيلة. وعلى هذا تمكنت قوة احتياطية من الوصول إلى مدخل أرنون في الساعة 10.30 من صباح 19 آب. وكان العدو ما يزال مشتبكاً مع حامية البلدة. وقد استطاعت هذه القوة أن تجبر العدو على الانسحاب. وفي الساعة 01.55 وصلت قوة احتياطية أخرى إلى بلدة كفر تبنيت، فوجدت أن القتال يجري في الشوارع، واستطاعت أن ترد، بالتعاون مع حامية البلدة، العدو على أعقابه، فانسحب هذا متراجعاً ومتجهاً نحو جسر الخردلي على الليطاني. وجرى الأمر ذاته في حرش النبي طاهر بعد أن وصلت القوة الاحتياطية الثالثة إليه. وانتهى الأمر بانسحاب العدو. وفي أثناء ذلك كله، كانت المدفعية الثقيلة الفلسطينية تدعم، بغزارة نارية كثيفة، قوات المقاومة، وتطارد العدو وهو منسحب إلى قواعده. وبعد أن أخذت قوات العدو تنسحب، هبطت طائرات الهيلوكوبتر، في مختلف المواقع التى جرى القتال فيها. في الساعة 03.30 من صباح 19 آب لنقل القتلى والجرحى. وفي الوقت ذاته، أخذت قوات المقاومة تطارد العدو وهو ينسحب، وفرضت عليه حصاراً حول جسر الخردلي. ولم يتمكن الإسرائيليون من الإفلات من هذا الحصار إلا بعد أن تدخلت قواتهم الجوية ومدفعيتهم الثقيلة في الساعة 05.50 من صباح 19 آب. واستمرت الغارات الجوية وقصف المدفعية على مواقع المقاومة في منطقة العملية عدة ساعات بعد ذلك. تميزت معركة الشقيف – أرنون بالصفات التالية: 1) هي إحدى المعارك القليلة في التاريخ العسكري القديم والحديث، التي تستطيع فيها قوة تعادل سرية مدعومة بالمدفعية، أن ترد هجوماً يشنه لواء من جيش نظامي. جيد التسليح، والتدريب، ومدعوم بسريتي مظليين، دعم مدفعي وجوي غير محدود. لقد أجبرت هذه القوة الصغيرة قوة معادية كبيرة على الانسحاب، والتخلي عن أغراضها وتحمل خسائر جسيمة. وتعتبر هذه المعركة أنموذجاً للمعارك التي يتم الانتصار فيها بنسبة قوى مقدارها 1/ 15. 2) بلغت القوة المعنوية في نفوس رجال المقاومة الفلسطينية حداً عظيماً ومستوى رفيعاً، فقد كان هؤلاء المناضلون يعرفون أنهم يواجهون قوة كبيرة، في عَددها وعُددها. ومع ذلك استطاعوا، بصبرهم وانضباطهم، أن يضيعوا على خطة العدو أهم عنصر من عناصرها، وهو المفاجأة. 3) كانت نقطة قوات المقاومة وحذرها من الأسباب الرئيسة التي أحبطت خطة العدو، فاستطاعت هذه القوات أن تدبر أمرها وتستعد للمواجهة بسرعة وكفاءة فائقتين. 4) أدارت القيادة العسكرية المسؤولة المعركة بمقدرة عالية، فاتخذت قرار الدفاع في بادىء الأمر، واستطاعت أن تقدر الموقف الحربي في ساحة المعركة بسرعة ودقة، فقررت، في الوقت الملاءم، شن الهجوم معاكس أدى إلى إجبار العدو على التراجع والانسحاب، وإلى إحباط خطته وأهدافه.   المراجع:   –         مجلة شؤون فلسطينية: العدد 107، تشرين الأول 1980، مركز الأبحاث، بيروت. –         مجلة المعركة: العدد الثاني 1982، بيروت. –         Le Monde Diplomatique, Octobre 1980, Paris.