الدُّهَيْشَة

كان الموقف العسكري خلال شهري شباط وآذار عام 1948 يميل لصالح العرب في كافة قطاعات فلسطين، إذ وجه المناضلون ورجال قوات جيش الجهاد* وجيش الانقاذ* ضربات شديدة إلى الصهيونيين ومستعمراتهم. وتميز شهر آذار بهجمات متكررة على القوافل الصهيونية التي كانت تحاول تزويد مدينة القدس* والمستعمرات بالمؤن والذخائر. وقد تمكن الصهيونيون بفضل حماية بريطانية عسكرية وحراسة شديدة من قوات الهاغاناه* من تمرير قافلة كبيرة من منطقة الساحل إلى القدس مساء 27/3/1948. وعلى أثر ذلك جهز الصهيونيون قافلة كبيرة للسفر إلى مستعمرة كفار عصيون في قضاء الخليل عن طريق القدس – بيت لحم – الخليل. وضمت القافلة حوالي مائة سيارة شحن كبيرة، و19 سيارة مصفحة، وجرافة، وخمسة باصات كبيرة مصفحة. ورافقتها قوة تتألف من حوالي 200 رجل من الهاغاناه معهم 20 رشاشاً، ومدفعاً هاون عيار 3 بوصات، و50 بندقية، وعدد من الرشاشات الصغيرة والمسدسات والقنابل اليدوية. وقد أحاط الصهيونيون تحضير هذه القافلة وسفرها بكتمان شديد،وأخذت تنقل في جنح الظلام فوصلت كفار عصيون فجر 28/3/1948. وصلت معلومات إلى قيادة قوات الجهاد المقدس بأن القافلة المذكورة ستعود إلى القدس في وقت مبكر من صباح 29 آذار بعد إفراغ الحمولة. وعلى ضوء هذه المعلومات حشد كامل عريقات قائد جيش الجهاد المقدس قوات كبيرة من المجاهدين كمنت على جوانب الطريق الملتوية بمسافة تتجاوز 750 متراً في المنطقة التي تقع فيها برك سليمان وحتى موقع الدهيشة على مدخل مدينة بيت لحم* للقادم من جهة الخليل*. وزرع عريقات الواجبات على القادة تولى بنفسه القيادة العامة للعملية، وجرى تجهيز الألغام وإقامة الحواجز والحجارة على الطريق. وصلت القافلة الى مشارف منطقة برك سليمان واصطدمت ببعض الحواجز البسيطة فتفدمت الجرافة وإزالتها وتابعت القافلة سيرها حتى أصبحت وسط الكمين المعد لها فأصدر كامل عريقات الأمر بالهجوم فائض المجاهدون على القافلة من جميع الجهات وسدوا طريق العودة عليها من الخلف. وحاولت المصفحات الصهيونية شق طريقها إلى الأمام. ولكن المجاهد يوسف الرشماوي (من بيت ساحور*) تصدر بنفسه للمصفحة الأمامية وقذفها بقنبلة يدوية فتعطلت وأوفقت سير القافلة كلها. وقد استشهد يوسف في هذه العملية. استمر الاشتباك بين المجاهدين وحرس القافلة من جنود الهاغاناه عن قرب، وأخذ المجاهدون بضقون الخناق على العدو الذي حاول قصفهم بالطائرات دون جدوى. وقد ألقت الطائرات المعادية بعض المؤن والذخائر إلى الصهيونيين فوقع معظمها بأيدي المجاهدين. وعند الغروب توافرت نجدات عربية قوية من أبناء بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا* ومدينة الخليل وعرب التعامرة، وقوة أخرى بقيادة إبراهيم أبو دية* اشتركت فور وصولها في المعركة التي ظلت محتدمة حتى خيم الظلام. وكان الصهيونيون في موقف بائس فتسلل الأحياء منهم تحت جنح الظلام إلى بناية قديمة تعرف باسم النبي دانيال وتقع غربي الطريق العام واحتموا داخلها، فطوقها المجاهدون على الفور وظلوا يتبادلون إطلاق النار مع العدو طوال الليل. وفي صباح اليوم التالي (30 آذار) طلب من الصهيونيين الاستسلام وإلا تعرضوا للإبادة. وكان المسؤولون الصهيونيون في القدس وتل أبيب* قد علموا بما نزل بالقافلة من خسائر فالتجأوا إلى المندوب السامي البريطاني بالوكالة وإلى ممثل الصليب الأحمر الدولي طالبين منهما التدخل وإنقاذ رجال القافلة المحاصرين. واقترحوا على الحكومة إرسال حملة عسكرية بريطانية لإنقاذ الصهيونيين، ولكن المسؤولين البريطانين استبعدوا هذا الاقتراح وأفدوا عارف العارف* من القدس وعيسى البندك رئيس بلدية بيت لحم إلى الدهيشة لإقناع كامل عريقات بالسماح للصهيونيين بالسفر إلى القدس. ولكنه رفض ذلك وأصر على وجوب استسلامهم لقوات الجهاد المقدس. ولما علمت السلطات البريطانية بتصميم المجاهدين على موقفهم أرسلت القائد العسكري البريطاني في القدس الكولونيل هاربر على رأس قوة إلى مكان المعركة. ولكن هذه القوة لم تستطع تجاوز منطقة مار الياس حيث فجر المجاهدون الألغام في طريقها وناوشوا جنودها بقوة، فعادت إلى القدس. ثم جاءت مفرزة بريطانية مصفحة أخرى وحاولت الوصول إلى ساحة المعركة ولكنها فشلت في ذلك. واخيراً حضر الكولونيل هاربر في دبابة ممثلاً للحكومة وبصحبته “رينيير” ممثل الصليب الأحمر ومعه عدد من سيارات الاسعاف. وجرى التفاوض للسماح للصهيونيين بالسفر إلى القدس فأصر كامل عريقات على استسلامهم كأسرى. ثم جرى اتصال لاسلكي بالمفتي الحاج محمد أمين الحسيني* الذي أجاب بأن العرب لا يرغبون في إزهاق النفوس وقتل الناس، ولذلك فإنه يكتفي بأن يسلم الصهيونيون جمع أسلحتهم وسيارات القافلة، وكان قسم كبير منها قد أحرق، إلى قوات الجهاد المقدس، وبعد ذلك يتولى الصليب الأحمر على الصهيونيين بسلام إلى القدس. عرض كامل عريقات اقتراح المفتي على الكولونيل هاربر وممثل الصليب الأحمر فوجدا أن لا مناص من قبوله. وعندئذ طلب القائد البريطاني من جميع الصهيونيين المحاصرين أن يسلموا أسلحتهم خلال عشر دقائق، وإلا فإن عليهم تحمل مسؤولية الرفض. فألقى الصهيونيون أسلحتهم كاملة، وسلمها الكولونيل هاربر إلى كامل عريقات، كما سلمه السيارات والمصفحات التي لم تحترق. وبعد نحو نصف ساعة من التسليم حضرت سيارات من القدس لنقل الصهيونيين تحت إشراف السلطات البريطانية. وقد تم ذلك، وتولى الصليب الأحمر نقل الجرحى وجثث القتلى بسيارات الإسعاف التابعة له. خاض المجاهدون هذه المعركة بكل بسالة وإقدام بالرغم من نقص الذخيرة وفقر السلاح بالمقاربة مع ما كان مع الصهيونيين. وعندما اشتملت مقاومة الصهيونيين أحضر المجاهدون المدفع ذا الطلقة الواحد من بلدة بيرزيت*. وكان هذا المدفع هو قطعة السلاح الثقيلة الوحيدة الموجودة وقتئذ. وقد حملها أحد أبناء طوباس* واستشهد في المعركة وهو يطلق قذائفها. وقد أبدى المجاهدون من ضروب الشجاعة والبطولة الشيء الكثير، ومن هؤلاء إبراهيم أبو دية وعبد الحليم الجيلاني، وشباب من بيت ساحور، ورفيق عويس، وعباس العريقات وساري العريقات، وحسن ربا، ورجال التعامرة والسواحرة، وقد استشهد ثلاثة من المجاهدين. أما خسائر الصهيونيين فكانت كما وردت في تقرير قائد المعركة المرفوع إلى القيادة العامة لقوات الجهاد المقدس: 15 قتيلاً، وعشرات الجرحى، و16 أسيراً سلموا إلى الجيش البريطاني والصليب الأحمر. وكذلك غنم العرب ثلاث مصفحات محلية التصفيح، و8 ساحبات و30 سيارة شحن وباص كانت كلها صالحة للعمل.   الدواجن: رَ: الطيور الأليفة