العمال والحركة العمالية

أ- لمحة تاريخية: إن تاريخ العمال والحركة العمالية في فلسطين، منذ وعد بلفور* حتى إعلان (دولة اسرائيل) في عام 1948، هو تاريخ نضال وصراع متداخل في ثلاث فترات. 1) الفترة الأولى: هي فترة الصراع القومي بين العرب الفلسطينيين أهل البلاد الأصلين، وبين غزوات الهجرة والاستيطان الصهيونية المتلاحقة. وفي هذا الإطار كان العمل والعمال مدخلاً أساسياً من مداخل الصراع. فقد أنشأت الحركة الصهيونية مشاريعها الاقتصادية في فلسطين، وتكون “الاتحاد العام للعمال اليهود في فلسطين – الهستدروت*” ليتولى مهمة مزدوجة: تنظيم العمال اليهود نقابياً، ووضعهم في خدمة البورجوازية الصهيونية الصناعية الناشئة في فلسطين، متبعاً في ذلك سياسة تسوية طبقية واضحة، لا سياسة دفاع طبقي عن مصالح العمال اليهود كما يقول، ومما يؤكد ذلك طبيعة المشاريع التي أنشأها الهستدروت، ومنها صناديق المرض والعجز وشركات المقاولات وشبكات المصارف والتأمين، وهي كلها مشاريع تقع خارج نطاق المفهوم النقابي الحديث، وتصب في الإطار السياسي العام للحركة الصهيونية، أي تحقيق الاستعمار الصهيوني لفلسطين. وقد تعاونت سلطات الانتداب البريطانية تعاوناً وثيقاً مع هذا المشروع الصهيوني، وخاصة في إطاره العمالي، وساعدته على الوجود والنمو والاستمرار، ونتج عن ذلك كله سياسة تمييز عنصري استعماري ضد العمال الفلسطينيين. وقد عبرت سياسة الهستدروت هذه، متضامنة مع سياسة الانتداب البريطاني، عن نفسها باتجاهين اثنين: الأول هو التحيز الدائم في دفع أجور أعلى لليهود الغربيين على حساب العمال العرب الفلسطينيين، بل على  حساب العمال اليهود الشرقيين أيضاً. ففي عام 1944 مثلاً كان متوسط دخل الفرد العربي 160 جنيهاً سنوياً مقابل 300 جنيه سنويا للفرد اليهودي الغربي. والاتجاه الثاني هو إبراز “العمل اليهودي” و”الانتاج اليهودي” على حساب العمل العربي والانتاج العربي، وهي السياسة التي جسدها بن غوريون بقرارات رسمية صادرة عن مؤتمرات الهستدروت، وشكلت من أجلها فرق المراقبة والمساهمة الصهيونية، التي اقتضت  بالضرورة فرض العقوبات على أصحاب المشاريع الصهيونيين الذين يشعلون عمالاً عرباً لديهم. وقد قابل العرب ذلك بتنظيمات نقابية شملت فلسطين كلها، وقامت بنضال واسع في مقاومة نشاط الحركة الصهيونية، والدفاع عن عمال فلسطين العرب. 2) الفترة الثانية: هي فترة الصراع داخل الحركة النقابية الفلسطينية، حول بنية الحركة النقابية، وهويتها الفكرية. وكان تأثير القادة النقابيين من “جمعية العمال العربية الفلسطينية” هو العنصر الفعال والمسيطر. وهو عنصر مر بثلاث مراحل. (1) مرحلة التأسيس: وفيها أعطي النشاط العمالي طابعاً نقابياً إصلاحياً بحتا، مركزاً على تحسين الأجور وتقليل ساعات العمل وتأمين المساعدات الطبية والتعاونية للعمال، في إطار سياسة تفاهم مع رجال الأعمال العرب أو غيرهم، أو سياسة الضغط عليهم إذا اقتضى الأمر، مع اللجوء إلى الوسائل التقليدية المعروفة في مثل هذا الإطار، وفي مقدمتها الوساطة والاضراب. (2) مرحلة نمو العمل النقابي واتساعه، بعد الحرب العالمية الثانية، وقد برزت في هذه المرحلة محاولات لاعطاء مضمون فكري للحركة العمالية، يدعو إلى الاشتراكية التي لا تتحقق باستلام السلطة بل تتحقق سلماً وبالتدرج من خلال النقابات، مما لا يضع العمال في تناقض حاسم مع الطبقات الفنية والاقطاعية. وقد تأثرت جمعية العمال العربية الفلسطينية تأثراً واضحاً بالأفكار النقابية في بريطانيا، وتجربة حزب العمال البريطاني،والنقابات البريطانية. (3) مرحلة متداخلة تماماً مع المرحلة الثانية، وتقرر فيها بدء عمل سياسي من خلال حزب منظم باسم العمال والحركة العمالية ولكن الوقت لم يسمح بتنفيذ ذلك، وتقرر كذلك الاتجاه إلى تنشيط العمل النقابي، وإلى رفع الصوت بمطالب العمال السياسية المتعلقة بمصير وطنهم، أكثر من الاتجاه الذي يسعى إلى أن يكون هذا الحزب هو القائد العام للمعركة الوطنية الدائرة: ( قرارات المؤتمر الثالث للجمعية – 1946). وفي المقابل هذا الاتجاه العام المسيطر،كانت هناك قوى وطنية – تقدمية نقابية فلسطينية، تعمل أحياناً داخل جمعية العمال العربية الفلسطينية، وتعمل أحياناً خارجها، وتطرح دائماً ضرورة الخروج عن إطار النقابية في العمل الفلسطيني، والاهتمام بالجانب الطبقي في الصراع الدائر في فلسطين. وتطرح أيضاً ضرورة قيام عمل نقابي عربي – يهودي موحد. وكانت نقابات هذه القوى (وهي النقابات الشيوعية القليلة العدد) هي النقابات الوحيدة التي ضمت بين صفوفها عمالاً عرباً ويهودا، وانتهى بها المطاف إلى قيادتها عملية انقسام داخلي الجسم النقابي العربي الفلسطيني عام 1945، رغبة منها في اثبات نفسها في الساحة الدولية ممثلة لعمال فلسطين. لكنها أدركت فيما بعد خطأ مسعاها وسجلت نقداً ذاتها شديداً لنفسها بسبب ذلك. 3) الفترة الثالثة: هي صراع الحركة النقابية العربية في فلسطين والأحزاب الوطنية التقليدية. وقد بدا هذا الصراع أمراً طبيعياً ناشئاً من التنافس القوي للسيطرة على الجماهير. ولكنه تطور فيما بعد إلى خلاف بين الحركة النقابية والأحزاب حول تأييد أو معارضة مواقف سياسة معينة مثل مشاريع حماية وشراء الأراضي، ثم وصل إلى نقطة خطرة عندما بدأت الحركة العمالية تنشط على ثلاثة مظاهر: الأولي دولي، تجلى في حضور المؤتمرات لمزراعي التبغ. والثالث سياسي، توجه إلى تشكيل حزب سياسي خاص يعبر عن نشاط العمال ومطالبهم. وقد أوحى هذا النشاط بأن الحركة العمالية أصبحت قادرة، وراغبة في أن تصبح مركز الاستقطاب الجماهيري. وهو ما رفضته قيادات الأحزاب، وحاولت أحياناً أن تستغل النشاط العمالي لصالحها، ثم لجأت إلى أسلوب الاغتيال لحسم هذه الخلافات (اغتيال ميشيل متري* في  31/12/1936وسامي طه* في 11/9/1947م)، وقد كان يمكن لمثل هذا الصراع أن يتطور لولا أحداث القتال في فلسطين 1947، ثم أحداث 15 أيار 1948 التي وضعت نهاية له. كانت الحركة العمالية الفلسطينية حركة نشطة منذ بدايتها، وتأثرت بالقوة العمالية العربية المحيطة بها (عمال مصر). وأثرت في قوى عمالية حولها أيضاً (الأردن ولبنان وسورية)، وخاضت نضالاً نقابياً بارزاً، وخاضت نضالاً قومياً وسياسياً ضد حكومة الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية ومؤسساتها النقابية الاستعمارية، ونوعت أساليب نضالها، فاستطاعت الانتقال من النضال النقابي إلى المساهمة في تنظيم عمليات الاضراب (اضراب 1936)، وإلى العمل المسلح في عام 1947، وعبرت في طرحها الفكري وفي الأشكال التنظيمية التي بنتها عن مستوى تطور الوعي الاجتماعي والطبقي لتلك الفترة، بحس وطني راق وحيوي، ولكن من دون تطلع راديكالي.. ب- النقابات العمالية: 1) جمعية العمال العربية الفلسطينية: نشأت عام 1920 حركة خيرية بين عمال سكك الحديد في مدينة حيفا، فقامت جماعة منهم بجمع التبرعات من العمال أنفسهم، لمساعدة المرضى من العمال وعائلات المتوفين من زملائهم. وفي عام 1924 رأت تلك الجماعة أن تفتح نادياً خيرياً باسم “النادي الخيري لعمال سكك الحديد”. وفي 21/3/1925 قدمت طلباً إلى الحكومة لتسجيل النادي بشكل رسمي. وتطورت هذه الفكرة إلى فكرة تأسيس جمعية عامة للعمال في السكة الحديدية وخارجها. وبتاريخ 9/5/1925 قدم إلى الحكومة طلب تسجيل جمعية باسم “جمعية العمال العربية الفلسطينية”، وبتاريخ 8/8/1925 أبلغت الحكومة أصحاب الطلب أن جمعيتهم قد سجلت رسمياً. نص قانون الجمعية على أن مركزها هو مدينة حيفا، ويجوز أن تنشىء لها فروعاً في فلسطين، وعلى أن الغرض من إنشائها هو: (1) إيجاد مركز رئيس ترتبط به جميع فروع الجمعية في فلسطين. (2) تنظيم حركة العمال. والدفاع عن مصالحهم. (3) السعي لايجاد تشريع خاص لحماية العامل إزاء أصحاب رؤوس الأموال والمصالح وأرباب العمل بتحديد ساعات العمل وتقدير الأجور. بشرط أن تكون كل أعمالها ضمن دائرة القانون والنظام، وألا نتناول الأمور السياسية أو الدينية. منح القانون حق العضوية في الجمعية كل عامل خضع لقانونها بشرط ألا يكون يهودياً. وحدد الهيكل الإداري العام للجمعية على ثلاثة مستويات: (1) مؤتمر النقابات: هو السلطة التشريعية والتنظيمية العليا. (2) المجلس الأعلى: يتكون من ممثلي النقابات والفروع وهو يتولى الإعداد للمؤتمر. (3) مكتب الإدارة: يتولى تصريف الأمور وتنفيذ القرارات يومياً. ومن أبرز شخصيات الجمعية مؤسسها وأبوها الروحي عبد الحميد حيمور وهو من أصل دمشقي، وسامي طه الذي أصبح في وقت لاحق أمين سر الجمعية، والمحرك الأساسي لنشاطها، وسعيد القواص، وعيد سليم، والياس الذوقي، ورضوان الحلو، ومصطفى أبو زيد. بلغ عدد أعضاء الجمعية 11.004 أعضاء عام 1935، و50 ألف عضو عام 1945 حسب تقرير وفد الجمعية إلى مؤتمر النقابات الدولي المنعقد في لندن بتاريخ 6/2/1945، و89 ألف عامل حسب كلمة عبد أبو ربه مشرف نائب رئيس المؤتمر الثاني للجمعية في 29/8/1946، و120 ألف عامل مثلهم في المؤتمر الثالث 120 مندوباً انتخبهم 80 ألف عامل منظم، حسب رواية حسني صالح الخفش في مذكراته عن المؤتمر الثالث للجمعية المنعقد في آب 1947. افتتحت الجمعية فروعاً لها في أنحاء فلسطين كلها، وكانت في البداية عشرة فروع، ثم أصبحت 46 فرعاً، حضر ممثلون عنهم مؤتمر الجمعية الثاني. عقدت الجمعية ثلاثة مؤتمرات، المؤتمر الأول في حيفا من 11-12/1/1930، بحضور 61 مندوباً يمثلون 3.020 عاملاً في تسعة فروع هي: حيفا ويافا ونابلس واللد وعكا وشفا عمرو والناصرة ولفتة. وانصب البحث في المؤتمر على وضع أسس لشروط استخدام العمال التي يجب المطالبة بها في كل مكان من فلسطين. واتخذ العمال في المؤتمر 30 قراراً عاماً، وقرابة 30 قراراً خاصاً بعمال سكك الحديد، وقد تناول بعض هذه القرارات شروط استخدام العمال، وعالج بعضها الآخر نواحي أخرى عامة مهنية وسياسية. ومن أهم هذه القرارات: (1) استنكار الهجرة الصهيونية إلى فلسطين. (2) اصدار جريدة باسم “العامل العربي”. وقد صدر العدد الأول منها في 4/5/1930، ولكنه أتلف في المطبعة، وتقرر الغاء الفكرة، خوفاً من مقاومة الحكومة للجمعية، بسبب شائعات عن علاقة الجريدة بموسكو، في وقت كانت فيه حكومة الانتداب البريطانية تحارب النشاط الشيوعي. (3) تأسيس صناديق توفير للعمال: وقد استمرت هذه الصناديق في العمل 6 سنوات معتمدة على ابداعات العمال أنفسهم، وتوقفت عام 1936 مع بدء الاضراب العام في فلسطين الذي دام 6 أشهر، بسبب حاجة العمال للاعلانات التي أودعوها في الصناديق المذكورة. تعرض هذا المؤتمر لحركة شغب منظمة من الحركة العمالية الصهيونية (الهستدروت)، مما دفع المؤتمرين إلى منح جميع أتباع وممثلي الحركة الصهيونية من حضور المؤتمر. ثم عقدت الجمعية مؤتمرها الثاني في حيفا في 29/8/1946. وقد شهد هذا المؤتمر تطوراً فكرياً وسياسياً في بناء الجمعية وأهدافها. افتتح المؤتمر أمين السر سامي طه وترأسه عبد الحميد حيمور، وضم ممثلين عن 42 فرعاً ونقابة، بلغ عددهم 50 عضواً و53 عضواً مراقباً. وألقى سامي طه خطاباً لخص فيه مبادىء الجمعية بما يلي: (1) أن تعتبر الحركة النقابية هي الطريق الصحيح للوصول إلى الأهداف الاشتراكية. (2) أن تعتبر طريق الوصول إلى الأهداف الاشتراكية طريق التطور لا الثورة. (3) أن تعتبر “اشتراكيتنا” ضمن نطاق التعريف التالي: حركة إصلاح لتحقيق العدالة الاجتماعية بتوزيع ثروة البلاد الطبيعية والانتاجية توزيعا عادلاً. (4) أن يعتبر المواطن كل من يؤدي عملاً ناجحاً لأمته وبلاده من انتاج فكره أو يده. (5) أن تعتبر الحركة السياسية فرعاً من الحركة النقابية الأم، وواسطة للوصول إلى غاية. وقد أقرت هذه المبادىء مع خمسة مبادىء أخرى ذات طابع سياسي مباشر،وصدرت في كراس خاص مع شرح لها. وأهم المبادىء السياسية التي أقرت هو إعطاء المجلس الأعلى للجمعية سلطة تأسيس فرع سياسي لها. وكانت فكرة تأسيس حزب سياسي للعمال قد طرحت من قبل العاملين في الجمعية منذ أوائل 1936، وعقدت لهذه الغاية مؤتمرات كثيرة في يافا والقدس ونابلس. وختمت بمؤتمر في حيفا بتاريخ 10/4/1936 وضعت فيه أسس ومبادىء الحزب. لكن الأحداث المتلاحقة بعد ذلك، من ثورة عز الدين القسام (رَ: ثورة 1935) إلى الثورة الكبرى 1936 – 1939*، والحرب العالمية الثانية، أدت إلى إلغاء مشروع بناء الحرب، انطلاقاً من أن الظروف لم تكن مناسبة لقيامه. وكانت الجمعية أثناء ذلك قد بنت مقراً لها في مدينة حيفا، أنجز في 1/6/1935، وفاوضت الحكومة البريطانية في أمر بناء قرية نموذجية للعمال، طري مشروعها بسبب الأخذ والرد الطرفين بين الجمعية والحكومة، وبسبب اندلاع اضراب 1936. أما المؤتمر الثالث فعقد في شهر آب من عام 1947، وضم زهاء 120 نقابياً يمثلون قرابة 120 ألف عامل، شارك في الانتخاب المنظم منهم نحو 80 ألف عامل موزعون على ما يقرب من 65 فرعاً. وقد عقد هذا المؤتمر في جو سياسي عاصف على الصعيد الفلسطيني وعلى الصعيد الدولي. وكانت أهم المواضيع المطروحة على المؤتمر: (1) المشاريع المختلفة لإنقاذ الأراضي الفلسطينية، والنهوض بالفلاح الفلسطيني: ناقش المؤتمر ثلاثة مشاريع لإنقاذ الأرض الفلسطينية من الاستيطان الصهيوني: الأول مشروع موسى العلمي المقدم إلى جامعة الدول العربية لرفع مستوى الفلاح الفلسطيني، وهو المشروع الذي كانت تؤيده آنذاك حكومة نوري السعيد في العراق، وترفضه الهيئة العربية العليا* بزعامة محمد أمين الحسيني*. والثاني مشروع جامعة الدول العربية لفتح صندوق تساهم فيه الدول العربية، ويخصص ما يجمع له لشراء الأراضي الفلسطينية لئلا تباع للصهيونيين. والمشروع الثالث مشروع صندوق الأمة* الذي طرحته الهيئة العربية العليا، والذي ينص على أن يكون البيع والشراء باشراف الهيئة العربية العليا فقط. وقد وافق المؤتمر على هذه المشاريع الثلاثة، الأمر الذي دفع الهيئة العربية العليا إلى أن ترى ذلك القرار خروجاً على طاعتها وتمرداً على سياستها، وكان ذلك ايذاناً ببداية صراع حاد بينها وبين جمعية العمال. (2) تحديد موقف الحركة العمالية من قضية فلسطين والمناقشات الجارية آنذاك في هيئة الأمم المتحدة حول قرار تقسيم فلسطين*. قرر المؤتمر بهذا الشأن: أولاً: رفض مبدأ مشروع تقسيم فلسطين. ثانياً: إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية. ثالثاً: اعتبار اليهود العرب الذي كانوا يقطنون فلسطين قبل العام 1918، ومن تناسل منهم، مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات. رابعاً: يجلى عن فلسطين كل من دخل إليها دون رغبة أهلها. وتعرض البند الثالث من هذا القرار لحملة إعلامية مركزة من الصحف المؤيدة للهيئة العربية العليا، وزاد ذلك من حدة الخلاف بين الفريقين، على الرغم من أن نص هذا البند مأخوذا من شهادة جمال الحسيني*، نائب رئيس الهيئة العربية العليا، أمام لجنة التحقيق الأنكلو – أمريكية*. وقد أدت هذه الأحداث إلى اغتيال سامي طه، ثم جاءت أحداث القتال بين الفلسطينيين والصهيونيين في عامي 1947 و1948، فأصيب العمل النقابي أثناء ذلك بالشلل. قامت جمعية العمال العربية الفلسطينية بنشاط نقابي واسع للدفاع عن حقوق العمال، تمثل في سلسلة من الاضرابات في الأعوام 1927، 1933، و1935. واستطاعت الجمعية أن تحقق مجموعة من الانجازات النقابية للعمال أبرزها: (1) زيادة أجور العمل. (2) تنظيم الإجازات المرضية والدينية وإجازات الأعياد، وكان بعضها بأجور كاملة وبعضها بنصف أجر. (3) جعل يوم العمل 8 ساعات في جميع الشركات الكبرى، و9 ساعات في الميناء التابع للحكومة. ومن انجازات الجمعية فوز مستشارها القانوني المحامي حنا عصفور في انتخابات بلدية حيفا عام 1934، كان أول ممثل للعمال العرب في أية هيئة رسمية وجدت في فلسطين. كذلك قامت الجمعية بنشاط كبير في إضراب 1936،  فأسست لجاناً تولت تنظيم الجماهير وتقديم الاعانات والرد على الدعايات المضادة، وكان سامي طه يمثل الجمعية في “اللجنة القومية العربية العليا” في القدس، في حين كان بعض أعضاء الجمعية يمثلونها في اللجان القومية* العربية الفرعية في المدن. لكن الحركة النقابية عاشت مرحلة ضعف عام على أثر اندلاع اضراب 1936 امتدت حتى عام 1939، حين دبت الحياة من جديد في مكاتب جمعية العمال العربية الفلسطينية، وتألفت نقابات جديدة انضمت إلى مجموعة النقابات السابقة، منها: نقابة عمال معسكرات الجيش البريطاني، ونقابة عمال البرق والبريد والهاتف، ونقابة عمال دوائر الأشغال العامة، ونقابة عمال شركة “سبني” التجارية البريطانية، ونقابة عمال شركة تكرير البترول. ونظمت الجمعية في هذه المرحلة سلسلة من الاضرابات الشاملة أبرزها: (1) الاضراب من أجل مساواة الأجور بين العمال العرب واليهود. وهي سلسلة اضرابات عمالية على امتداد عامي 1942 – 1943 نجحت في تحقيق أهدافها. (2) الاضراب العمالي العام الذي أعلنته الحركة العمالية الفلسطينية في 10/4/1946 ودام حتى 20/4/1946، احتجاجاً على رفض رئيس دائرة البريد والبرق والهاتف البريطاني في يافا الاعتراف بجمعية العمال العربية الفلسطينية ممثلة للعمال، وقد تعطلت نتيجة هذا الاضراب وسائل المواصلات، والدوائر الحكومية، والمؤسسات الرسمية. (3) اضراب عمال محاجر الصادق على شركة “سوليل بونيه” الصهيونية وتميز هذا الاضراب باعتصام العمال وتهيئة عناصر مسلحة للدفاع عنهم. واستطاعت الجمعية أن تمنع الهستدروت من تنظيم اضراب لعمال معسكرات الجيش البريطاني في 10/4/1943. حتى لا يمكنه ذلك من إثبات ادعائه بأنه الممثل الشرعي للطبقة العاملة في فلسطين. كذلك نجحت الجمعية في الوصول إلى المجال الدولي، فشاركت لأول مرة في مؤتمر النقابات الدولي بلندن الذي عقد في الفترة من 6-22/2/1945. وترأس وفد الجمعية إلى المؤتمر سامي طه يرافقه المستشار القانوني حنا عصفور. وبذل جهده في تفنيد فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين، وفي تفنيد حجج ممثل الهستدروت الذي حاول التكلم باسم عمال فلسطين العرب واليهود، مؤيداً سياسات الهجرة والاستيطان. وكانت السيطرة في هذا المؤتمر للقوى الغربية تبعاً لتحالفها مع الاتحاد السوفياتي في ظروف الحرب العالمية الثانية. وبعد انتهاء الحرب شاركت الجمعية للمرة الثانية في مؤتمر النقابات الدولي الذي عقد في باريس في شهر أيلول 1945، ومثلها فيه سامي طه وحنا عصفور. وتميز هذا المؤتمر بحضور الوفود الشيوعية من الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية وبروز دورها القومي، وسيطرتها على المؤتمر. فانقسمت على أثر ذلك الحركة العمالية العالمية إلى حركتين اشتراكية، ورأسمالية. وبعد انتهاء المؤتمر الثالث للجمعية واغتيال سامي طه، جرى البحث في تعيين بديل منه، فرشح للمنصب يعقوب الحسيني المقرب من أمين الحسيني، ولكن قيادة الجمعية عارضت ذلك. واتفق على اختيار الدكتور عمر الخليل (من مواليد بيسان، تخرج في الجامعة الأمريكية عام 1937، وكان يعمل مفتشاً صحياً في قسم الهندسة، وهو صديق سامي طه) ولكن الدكتور الخليل لم يتمكن من حضور أية جلسة من جلسات جمعية العمال. ومع تمزيق فلسطين بعد أحداث 1948 تحطمت الحركة النقابية، ولم يبق من فروع جمعية العمال العربية الفلسطينية إلا مجلس النقابات في نابلس، وكان من أبرز أعضائه حسني صالح الخفش*،  الذي حاول مع زملائه الابقاء على راية الحركة النقابية، ودعوا جميع النقابيين الفلسطينيين أينما وجدوا  للحضور إلى مقر مجلس النقابات في نابلس لعقد مؤتمر يكون بمنزلة مجلس أعلى لجمعية العمال العربية الفلسطينية. وقد لبى هذه الدعوة عشرون نقابياً بالإضافة إلى نقابيي نابلس، واتخذوا قرارات منها: (1) اعتبار مدينة نابلس المركز الرئيس المؤقت للحركة العمالية بدلاً من حيفا. (2) انتخاب حسني صالح الخفش أميناً عاماً بالوكالة. (3) العمل على تنظيم العمال في مدن الضفة الغربية والضفة الشرقية للأردن. فتحت الجمعية على أثر ذلك فروعا لها في رام الله وبيت لحم وعمان. وحضر الدكتور عمر الخليل اجتماعاً للمجلس الأعلى في أريحا، ولكنه لم يمارس مهماته بسبب وضعه الصحي ووفاته السريعة بعد ذلك. وفي عام 1952 قررت الحكومة الأردنية اقفال جميع فروع جمعية العمال العربية الفلسطينية ومصادرة أموالها وممتلكاتها. وانتهت بذلك أبرز تجربة عمالية فلسطينية. 2) جمعية العمال العرب (1934 – 1937): مؤسسة نقابية عمالية عربية فلسطينية، أسسها عمال الميناء والتجارة والبناء في مدينة يافا، في أول أيلول 1934، واستمرت في نشاطها النقابي والسياسي حتى أواخر 1937. يعود الفضل في تأسيسها إلى ميشيل متري، المهندس الفلسطيني الذي عاد من البرازيل في عام 1934، وبدأ يدعو إلى إقامة مؤسسة نقابية للعمال العرب الفلسطينيين، تتجاوز ضعف جمعية العمال العربية الفلسطينية، وتواجه نشاط الصهيونية ومؤسساتها في فلسطين. ونجح ميشيل متري في إقامة المؤسسة النقابية التي دعا إليها، في القدس وحيفا ويافا. ترأس هذه الجمعية في البداية فخري النشاشيبي، لكن الخلاف سرعان ما دب بين ميشيل هنري وفخري النشاشيبي، فانفرد ميشيل هنري بقيادة الجمعية، وتولى جورج منصور منصب سكرتير الجمعية، منذ 17/8/1935 حتى أوائل عام 1937. وعندما اشتد نشاط المؤسسات الصهيونية، وأكثرت من طرد العمال العرب الفلسطينيين من مختلف الأعمال، اقترح الشيوعيون في جمعية العمال العرب تشكيل “الحاميات العربية” في مواجهة “الحاميات اليهودية”. وقد أصدرت الجمعية بياناً في أيلول 1934، وكانت لا تزال في طور التأسيس، دعت فيه العمال العرب الفلسطينيين إلى تشكيل الحاميات العربية لمقاومة “اعتداءات الحاميات اليهودية عن العمال العرب، والتهديد والوعيد والاضطهاد التي يلاقيها أخواننا العمال العرب في كافة أنحاء فلسطين، من دخلاء البلاد الأجانب، الذين اغتصبوا لقمة عاملنا العربي”. وحدث أن أخذت مؤسسة “سوليل بونيه” الصهيونية تعهداً لبناء مدرسة لحساب حكومة الانتداب البريطاني مقابل المستشفى البلدي في مدينة يافا، فهاجمت الحاميات العربية العمال اليهود، وأخرجتهم من المدرسة، وقتلت جندياً بريطانيا، وانتزعت تعهد بناء المدرسة من سوليل بونيه. وفي بداية عام 1936 قدمت الجمعية للمندوب السامي البريطاني مذكرة من اثني عشر بندا حول البطالة والهجرة الصهيونية. وقد انتقدت الجمعية في المذكرة اعتماد حكومة الانتداب في فلسطين على احصاءات الهستدروت لتحديد قدرة فلسطين على استيعاب المزيد من المهاجرين، ومدى حجم البطالة بين العمال اليهود. ورأت مذكرة الجمعية أن تقديرات الهستدروت لحجم البطالة بين العمال اليهود هي أقل من حجمها الحقيقي، وأن حجم البطالة بين العمال العرب الفلسطينيين قد تم تجاهله. وكشفت المذكرة أساليب محاياة حكومة الانتداب للهستدروت، ولا سيما في مجال اعطاء المقاولات، وفي تشغيل العمال اليهود على حساب العمال العرب. وبنيت المذكرة أن “قوة الاستيعاب لا تسمح بدخول مهاجر واحد” بسبب البطالة الواسعة التي بلغت معها أعداد العمال العاطلين عن العمل قرابة ستة آلاف عامل يهودي وثلاثة وعشرين ألف عامل عربي. نجحت جمعية العمال العرب في بناء إحدى عشرة نقابية عمالية، وفي مد نشاطها إلى ضواحي يافا وحيفا وبعض المدن الفلسطينية الأخرى، وبلغ عدد العمال المنتسبين إلى هذه الجمعية نحو 4.700 عامل عربي فلسطيني. وقد سيطرت الجمعية على اضراب الأشهر الستة الشهير في مدينة يافا (نيسان 1936 إلى تشرين الأول 1936). تمكن شخصان من قتل ميشيل هنري في نهاية عام 1936، في حي ارشيد في مدينة يافا. ولم تنجح محاولة تنصيب الشيخ سليمان التاجي الفاروقي رئيساً لجمعية العمال العرب، خلفاً له. وقد انتخبت الجمعية هيئة إدارية جديدة ضمت كلا من: نديم طه، ومحمود سعسع، وبشارة السفري، وسعيد قبلان. وتولى محمود سعسع رئاسة الجمعية. على أن الجمعية أخذت تنوي منذ موت ميشيل هتري إلى أن توقفت نهائياً عن ممارسة نشاطها في أواخر عام 1937. 3) اتحاد نقابات العمال العرب: تأسس هذا الاتحاد عام 1942 في مدينة حيفا، وكان على رأسه بولس فرح وعدد من الشيوعيين. ولكنه ما لبث أن انضم إلى جمعية العمال العربية الفلسطينية. 4) مؤتمر العمال العرب (1945): بدأ التيار الشيوعي في جمعية العمال العربية الفلسطينية وفروعها يكتسب قاعدة عمالية كبيرة، ويرسخ نفوذه، وأصبح رؤساء بعض فروع الجمعية من الشيوعيين وهي فروع القدس ويافا وغزة والناصرة وحيفا. وبدأ الخلاف يتزايد بينهم وبين القادة النقابيين التقليدين في الجمعية وعلى رأسهم سامي طه سكرتير الجمعية، وطالبوا بانتخابات وتمثيل أكثر ديمقراطية في الجمعية. وفي خارج جمعية العمال العربية الفلسطينية زاد اهتمام الشيوعين بالعمل التنظيمي بين العمال العرب، بعد أن كان نشاطهم مقتصراً على صفوف المثقفين والطلبة. وفي خريف 1942 حصلت مجموعة شيوعية من “جمعية أشعة الأمل” على إذن بإنشاء “اتحاد النقابات ومجموعات العمل العربية”. واستطاع الاتحاد أن يضم إليه عدداً من النقابات في صناعة البترول ومرفأ حيفا ومخيمات الجيش. ومنذ عام 1943 توضح التياران المتعارضان داخل جمعية العمال العربية الفلسطينية: التيار الذي يمثل المنظمة النقابية التاريخية للطبقة العاملة، والتيار الشيوعي في الحركة العمالية (أطلق على الشيوعين العرب الذين انشقوا عن الحزب الشيوعي الفلسطيني* اسم عصبة التحرر الوطني* منذ أيلول 1943). وزادت حدة الشقاق عام 1944 حول مسألة تمثيل الحركة العمالية في المؤتمر التحضيري لإنشاء اتحاد عمالي عالمي في لندن (شباط 1945). وحدث الخلاف مرة أخرى حول موضوع تعين الوفد إلى مؤتمر النقابات في باريس (أيلول 1945) فاعتبر الخلاف حول التمثيل الفلسطيني في المؤتمر سبباً لانفصال الشيوعيين عن الجمعية. ودعا الرؤساء الشيوعيون لبعض فروع جمعية العمال العربية الفلسطينية إلى عقد اجتماع للجمعية في يافا في 19/8/1945 حضره ممثلون عن فروع يافا والقدس وغزة والناصرة وعكا بالإضافة إلى سبعة فروع أخرى صغيرة. وقد أعلنوا في الاجتماع انسحابهم من الحماية وانضمامهم إلى اتحاد النقابات وجمعيات العمل العربية، وتسموا باسم “مؤتمر العمال العرب” وانتخبوا لجنة تنفيذية من ستة أشخاص هم: فؤاد نصار وخليل شنير ومخلص عمرو وبولس فرح وسليم القاسم وحسني أبو عيشة. تركزت مقررات هذا المؤتمر على مطالب سياسية ونقابية، أبرزها تأكيد مقاومة الاستعمار والصهيونية، والمطالبة بإنهاء الانتداب، وتأكيد الديمقراطية في الحركة النقابية، والارتباط بالحركة العمالية العالمية. وطالب المؤتمر بالتشريع العمالي وبالأجر المقطوع، وبالضمان الاجتماعي للمسنين والمرضى، وبإلغاء التبادلات في العمل الخاص، وبإنشاء قسم للتوظيف تشرف عليه الدولة. شعر شيوعيو عصبة التحرر الوطني بخطأ شق الحركة العمالية الذي لا يسوغه النقد الموجه إلى جمعية العمال العربية الفلسطينية أو إسهام الشيوعين على صعيد النقابات العمالية. فانتقدت العصبة الانشقاق وطردت القادة المنتسبين إلى مؤتمر العمال العرب. وقد ظهر التناقض في صفوف الشيوعيين إزاء القضية الوطنية، وقام بعض أعضاء مؤتمر العمال العرب بالادلاء بشهادتهم أمام اللجنة الدولية للتحقيق عام 1947، خروجاً على إجماع الحركة الوطنية، واتخذ هذا المؤتمر موقعاً إيجابياً من قرار التقسيم (1947)، مشايعاً أحد جناحي عصبة التحرر الوطني. وفي عام 1948 أصدر أحمد حلمي، حاكم القدس العسكري، أمراً بحل المؤتمر والعصبة بوصفهما غير شرعيتين.   المراجع:   –         محمد يونس الحسيني: التطور الاجتماعي والاقتصادي في فلسطين العربية، يافا 1946. –         مذكرات حسني صالح الخفش حول تاريخ الحركة العمالية الفلسطينية، بيروت 1973. –         موسى خليل: الحزب الشيوعي الفلسطيني 1919-1948، شؤون فلسطينية، عدد 39، تشرين الثاني 1974. –   هاني حوراني: ملاحظات حول أوضاع الطبقة العاملة في فلسطين أيام الانتداب، شؤون فلسطينية، عدد5، تشرين الثاني 1971. –         عبد القادر ياسين: تاريخ الطبقة العاملة الفلسطينية 1918-1948، بيروت 1980. –   لجنة العمال الثقافية: دليل المسؤولين في جمعية العمال العربية الفلسطينية من التشكيلات الإدارية في الجمعية، حيفا 1947. –   لجنة العمال الثقافية: مبادئنا الاشتراكية كما أقرها مؤتمر جمعية العمال العربية الفلسطينية الذي عقد بحيفا في 29 و30/8/1946. –         لجنة العمال الثقافية: تقرير وفد جمعية العمال العربية الفلسطينية إلى مؤتمر النقابات الدولي بلندن، 6/2/1945. –         تقرير مؤتمر جمعية العمال العربية الفلسطينية بقاعة الجمعية بحيفا في 29 و30/8/1946. –         النشرة الثقافية الصادرة عن جمعية العمال العربية الفلسطينية، نابلس (بعد 1948).