العربية الفتاة

هذه الجمعية أهم تنظيم عربي قومي سري في زمن الدولة العثمانية، وأوسعه وأنشطه. انبثقت فكرة إنشائها في أذهان أحمد قدري الترجمان (دمشق) وعوني عبد الهادي* (نابلس) ومحمد رستم حيدر (بعلبك) في الآستانة، حيث كانوا طلاباً، وذلك عقب إعلان الدستور العثماني* في سنة 1908، تأثراً بما بدر من القومين الترك من بوادر الاستعلاء العنصري في الدولة. ولكن تأسيسها تم في باريس سنة 1911 حيث رحل أصحاب الفكرة إليها للدراسة، والتقوا فيها بكل من محمد المحمصاني وعبد الغني العريسي (بيروت) ورفيق التميمي* (نابلس) واتفقوا على تأسيسها وشكلواهم هيئتها الإدارية الأولى. وكان للقوميين الترك تنظيم سري يسمونه “جون ترك = تركيا الفتاة” فسمى العرب تنظيمهم (العربية الفتاة)، وجعلوا شعاره “انهاض الأمة العربية إلى مصاف الأمم الراقية”. ثم أخذوا ينشطون في ضم من يرونه أهلاً من شباب العرب، وفي التفكير بما يمكنهم عمله في سبيل شعارهم. وقد ضموا إليهم عدداً من شبان العرب في فرنسا. وذهب بعضهم إلى الآستانة، وجاء بعضهم إلى سورية فضموا أعداد أخرى. ثم قرر أعضاء الجمعية إنشاء فرع لها في بيروت – انتقل بعد قيام الحرب العالمية الأولى إلى دمشق – واستمر نشاط الفرعين، في سبيل توسيع النطاق والشعار، إلى نهاية الحرب العالمية الأولى. وكان من نتيجة النشاط التوسعي للجمعية انضواء عدد كبير من رجال وشباب بلاد الشام والعراق وشانهما تحت لوائها، منهم المدنيون ومنهم العسكريون. ولقد ابتدعت الجمعية أسلوباً متحفظاً متشدداً في اختيار أعضائها لضمان الجد والاخلاص والكتمان. فكان من شأن ذلك أن ظل معظمهم من أكثر العاملين في قضايا العرب اخلاصاً وحماسة وجهداً وتضحية. وبرز كثير منهم بروزاً كبيراً في مجال الحكم والسياسة والزعامة والرئاسة والعلم والأدب. كما ظل اسم الجمعية نتيجة ذلك سرياً، رغم ما تعرض له عدد كبير من أعضائها من اعتقال وتعذيب ومحاكمة وإعدام، فقد كان نحو ربع الذي شنقهم جمال السفاح منهم. وكان يفاتح المراد ضمه بعد درس أخلاقه وسلوكه والوثوق من أهليته من قبل شخص، ثم يؤخذ منه يمين الولاء والكتمان، دون أن يعرف غير اسم الجمعية وشعارها وغير الشخص الذي فاتحه وأخذ منه اليمين. وما باشرته الجمعية من نشاط أثناء الحرب تمثل في جهود أعضائها وتعاونهم مع آخرين بعنوان غير عنوان الجمعية. كان من نشاط الجمعية، قبل نشوب لحرب، اندماجها في الحركة الاصلاحية التي هدفت إلى نيل الولايات العربية استقلالاً إدارياً أو لا مركزية إدارية، ثم اندماجها مع حرب اللامركزية* المؤسس في مصر للغاية نفسها، ثم دعوتها إلى المؤتمر العربي* الذي انعقد فعلاً في باريس سنة 1913 حينما تنكرت الحكومة العثمانية للمطالب الإصلاحية واللامركزية. وعزي إلى الجمعية ثلاثة منشورات وزعت في بلاد العرب باسم “الصرخات” تحمل على حكام الدولة وعسفهم وتنكرهم لحقوق العرب، وتدعو هؤلاء إلى النهوض والذود عن حقوقهم وكيانهم واستعادة أمجادهم، كما عزي إليها صنع زرذي ثلاثة أجنحة، أخضر وأبيض وأسود صارت فيما بعد علم الثورة العربية والدولة الهاشمية، ثم بعض الدول العربية بإضافة اللون الأحمر (رَ: العلم الفلسطيني). كما كان للجمعية “شيفرة خاصة” يتعامل بها أعضاؤها. ولما تم الاتصال أثناء الحرب بين الشريف حسين والانكليز، أرسل الشريف ابنه فيصلاً لسورية لاستطلاع رأي رجال الحركة القومية، فالتقى بهيئة الجمعية وانضم لعضويتها، ثم تلقى منها لائحة اتفقت عليها مع رجال حزب العهد* بما يجب أن يؤخذ من عهد من الإنكليز. وهي اللائحة التي ضمنها الشريف رسالته إلى مكماهون المؤرخة في 14/7/1915، التي تنص على “وجوب قيام مملكة عربية مستقلة متحدة تضم بلاد الشام والعراق والحجاز، والاعتراف بها ومساعدتها” (رَ: الحسين – مكماهون، مراسلات). ولما أعلن الشريف حسين الثورة، التحق به من استطاع من أعضاء الجمعية المدنيين والعسكريين، وخاصة بجبهتها الشمالية التي كانت بقيادة فيصل. ولما انسحب الأتراك من بلاد الشام ودخل فيصل إليها التف حول أعضاؤها، الذين توافدوا إلى دمشق، وصارت الجمعية حزب العهد الفيصلي، وظلت كذلك إلى نهايته. ولقد عقد أعضاء الجمعية في دمشق اجتماعاً عاماً أولياً تم فيه التعارف. ثم انتخبوا هيئة مركزية جديدة، وقرروا: 1) وضع نظام أساسي وداخلي. 2) اعتبار أنفسهم “مؤسسين” لهم وحدهم حتى القرار وانتخاب الهيئة المركزية منهم، وتكون مسؤولة أمامهم. 3) عقد دورات يتداولون فيها شؤون الحكم والدولة والجمعية. وتتخذ قراراتهم بالأكثرية وتكون نافذة وملزمة. 4) إنشاء فروع في المدن المهمة في أنحاء سورية. 5) إبقاء السرية طابعاً للجمعية. 6) تفويض الهيئة ضم من تراه أهلاً حسب المواصفات التقليدية، ودون أن يكون له حق القرار والانتخاب، مع حقه في الاقتراح والتزامه بقرارات اجتماعات المؤسسين والهيئة المركزية. ولقد فتح للجمعية فروع عديدة في المدن المهمة، ومنها فرع في نابلس* (فلسطين)، وانضم إلى الجمعية، بناء على ذلك، عدد كبير من رجال العرب وشبانهم فاق عدد القدامى، وكانوا من أحسن الناس جهداً ودأباً واخلاصاً للقضايا العربية. وبعد مدة قرر المؤسسين إنشاء حزب باسم “حزب الاستقلال” يكون ستاراً علنياً للجمعية، يندمج فيه أعضاؤها، وينضم إليه رجال وشبان آخرون وطنيون مخلصون، ولا يشترط أن تتوفر فيهم جميع مواصفات عضوية الجمعية، وتكون معظم هيئته الإدارية من أعضاء الجمعية، ويسير وفق توجهاتها وقراراتها. ولقد دعي إلى مؤتمر سوري عام في دمشق ضم ممثلين عن جميع أنحاء سورية، لتقرير رغبات أهلها أمام لجنة الاستفتاء الأمريكية في حزيران 1919 وظل المؤتمر قائماً، حيث دعي لدورتين آخريين وصار بمثابة مجلس تأسيسي ونيابي بعد اعلان الاستقلال، فكان معظم أعضائه البارزين من أعضاء الجمعية القدامى والجدد (رَ: المؤتمر السوري العام). ولقد كان من أعضاء الجمعية القدامى والجدد معظم الحكام العسكريين والمدنيين، قبل اعلان الاستقلال، ومعظم معاونيهم ورؤساء دوائرهم، كما كان معظم الوزراء ورؤساء دوائرهم، بعد اعلان الاستقلال من أعضائها أيضاً. وحين كانت المصلحة العامة تقتضي تعيين غيرهم لهذه المناصب، كانت الهيئة المركزية تبذل جهدها لضمهم إلى الجمعية، والحصول على يمين الولاء منهم. وظل الأمر على ذلك الى أن غزت فرنسا سورية وأسقطت عهد فيصل في 22/7/1920، فتفرق شمل أعضاء الجمعية وانفرط عقد تنظيمها. لقد حاول بعض الذين تجمعوا من أعضاء الجمعية في عمان، بعد الكارثة، أن يعيدوا إليها الحياة والتنظيم، ولكن الأمر لم يستقم، لأنهم اصطدموا بالأمير عبد الله بن الحسين الذي صار له زمام امارة شرق الأردن، وبالانكليز، الذين كانوا أصحاب السيطرة فيها. وكانت فرقة جديدة، فدخلت الجمعية في ذمة التاريخ. لقد كان للجمعية، هيئة وأفراداً، آثار إيجابية مهمة في قضية فلسطين. من ذلك تأسيس جمعية فلسطينية سرية في دمشق لتنظيم حركة كفاح مسلح في فلسطين، زودت بالمال والسلاح. وبدأت عملياتها الأولى قرب سمخ*. غير أن تفاقم الأزمة الفرنسية – السورية التي أدت إلى الكارثة حال دون الاستمرار. ومن جهود الجمعية أيضاً إنشاء ناد شعبي “النادي العربي” في دمشق، كان على رأسه فلسطينيان، فكان لقضية فلسطين نصيب كبير في نشاطه المفتوح المتنوع. وكان لتوجهات الهيئة المركزية وجهد أعضاء فرع الجمعية في نابلس أثر ايجابي في توجيه الحركة الوطنية الفلسطينية نحو سورية وربط مصير فلسطين بمصير سورية، ثم جعل المؤتمر العربي الفلسطيني* الأول المنعقد في القدس (كانون الثاني 1919) يقرر في الميثاق الوطني أن “فلسطين هي سورية الجنوبية، وجزء من سورية – والاستقلال التام لسورية ضمن الوحدة العربية – ورفض وعد بلفور* والهجرة اليهودية”، ثم في جعل الأكثرية العظمى في فلسطين تجمع على هذا الميثاق أمام لجنة الاستفتاء الأمريكية (رَ: كينغ – كرين، لجنة). ومن نشاطات الجمعية كذلك استصدار قرار المؤتمر السوري المقدم لهذه اللجنة، والذي احتوى الميثاق. ومن ذلك ما كان ممن أوفدتهم الهيئة المركزية مع الأمير فيصل من أعضائها حينما سافر إلى أوروبا سنة 1918، فكان لهم أثر، في توجيه مطالب فيصل ومذكراته ومطالباته وتركيزها واحباط المحاولات الصهيونية في صدد قضية فلسطين. ومن ذلك قرار المؤتمر السوري إعلان الاستقلال في آذار 1920، حينما أصرت بريطانيا وفرنسا على مؤامرتيهما بتجزئة سورية وفرض انتدابهما على أجزائها، ثم تثبت وعد بلفور. وكان لتوجيه الجمعية وجهد أعضائها في المؤتمر الأثر الكبير في تثبيت الميثاق ومبايعة فيصل على أساسه. وكذلك احتجاج فيصل، بموجبه من الهيئة المركزية للجمعية، حينما تقرر توزيع الانتدابات الفرنسية والانجليزية على أجزاء سورية، وإعلانه رفض ذلك لمناقضته رغائب الشعب وتوكيد استقلال سورية ووحدتها، حيث كانت فلسطين جزءاً منها. كذلك عملت الهيئة على ادخال وزير فلسطيني في وزارة الاستقلال في دمشق تثبيتاً لوحدة سورية وفلسطين، وزيادة سكرتير فلسطيني ثان للمؤتمر بعد اعلان الاستقلال.   المراجع:   –         محمد عزة دروزة: نشأة الحركة العربية الحديثة، صيدا 1950. –         محمد عزة دروزة: حول الحركة العربية الحديثة، بيروت 1960. –         أحمد قدري: مذكرات، دمشق 1956. –         أمين سعيد: الثورة العربية الكبرى القاهرة.