السلام الآن

ظهرت حركة السلام الآن في (إسرائيل) في شهر آذار عام 1978، أي بعد مضي حوالي خمسة أشهر على زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس المحتلة في 19/11/1977. ففي ذلك الوقت كانت شرائح وفئات مختلفة في الكيان الصهيوني تخشى أن يؤدي تحت حكومة بيغن وتصلها المبالغ به وتمسكها بفكرة “أرض إسرائيل الكاملة” وعدم استعدادها لتقديم بعض التنازلات الشكلية في مجال تسوية المشكلة الفلسطينية إلى ضياع الفرصة التي سنحت للكيان الصهيوني لأول مرة لعقد صفقة منفردة مع الحكومة المصرية بالشروط والمواصفات الإسرائيلية. وفي أعقاب تعثر المفاوضات المصرية – الإسرائيلية ووقف مباحثات اللجنة السياسية المشتركة في القدس في النصف الثاني من كانون الثاني 1978 بدأت تظهر بوادر الاحتجاج على موقف حكومة بيغن في هذه المفاوضات، فأرسلت مجموعة من طلاب القانون في شهر شباط 1978 رسالة إلى بيغن يجتمعون فيها على الموقف الإسرائيلي وجاء في هذه الرسالة التي وقع عليها نحو 80 طالباً: “لقد عشنا كل حياتنا في دولة تعيش حالة حرب. ومنذ نعومة أظفارنا عشنا على أمل أن تعيش إسرائيل مع جيرانها بسلام. ولقد اتفقنا على أن تبذل دولة إسرائيل قصارى جهودها للتوصل إلى هذا الهدف الكبير. وبعد إعلان الرئيس السادات القائل بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام كنا على يقين من أن الحلم قد تحول إلى واقع. ” هناك إمكانيتان أمام إسرائيل هما: “1) اعادة المناطق التي احتلت في حرب حزيران 1967 وتوقيع اتفاق سلام مع الدول العربية. أو… “2) الاستمرار في الاحتفاظ بالمناطق المحتلة واضطهاد سكانها واستمرار الحرب. “إن حكومة إسرائيل لسوء حظنا تتجه نحو الطريق الثاني وتعمل على استمرار الحرب. ان إخواننا الذين سقطوا في الحروب الأربع السابقة كانوا يدركون أن لا خيار، وأنه ليس هناك من نحاوره، ولكن كيف يتوقع رئيس الحكومة منا – نحن الذين تثقفنا على أن السلام قيمة عليا – الخروج لحرب ونحن غير واثقين من عدالة طريقنا. “إننا، كقرابين محتملة للحرب القادمة، نتوجه إلى رئيس الحكومة للسير على الطريق الصحيح، طريق السلام، وإبداء الاستعداد للتوقيع على سلام شامل يتضمن ضمان الحقوق القومية لكل شعوب المنطقة، بما فيها الشعب الفلسطيني والاعتراف بحقه في تقرير المصير. وإذا لم ينتهج رئيس الحكومة هذا السبيل فستكون بداه ملطختين بدمائنا، دماء الذين سوف يتساقطون في الحرب”. أثارت هذه الرسالة جدلاً واسعاً في الكيان الصهيوني، فرد عليها بيغن رافضاً ما جاء فيها من المطالبة بالانسحاب إلى خطوط عام 1967 والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني متهماً الموقعين على الرسالة بأنهم يدعون إلى قيام دولة فلسطينية تديرها منظمة التحرير الفلسطينية* التي هدفها القضاء على (إسرائيل) مدعياً أن الشروط التي جاءت في رسالة الطلاب ستؤدي لو أخذ بها إلى مزيد من سفك الدماء. كما نشر حوالي 1.500 طالب ثانوي من القدس مذكرة يشجبون فيها ما ورد في رسالة الطلبة الثمانين ويؤيدون موقف حكومة بيغن. وبعد مضي زهاء شهر على رسالة الطلبة بعث نحو 300 ضابط وجندي من قوات الاحتياط برسالة إلى بيغن في 6/3/1978 أيدوا فيهم ما جاء في رسالة الطلبة ودعوا بيغن لاختيار طريق السلام. رد بيغن على رسالة الضباط مشيراً إلى أن قبول الشروط العربية بالانسحاب إلى خطوط الرابع من حزيران 1967 وإعطاء تقرير المصير للفلسطينيين لا يشكلان سلاماً بل يؤديان إلى مزيد من سفك الدماء وتعريض (إسرائيل) للخطر. ولم يلبث الموقعون على رسالة الضباط هذه أن تحولوا إلى حركة احتجاج عرفت باسم “حركة السلام الآن”، وقد توسعت هذه الحركة فانضمت إليها “الحركة من أجل صهيونية أخرى”. كما أخذت هيئات أخرى تعلن تأييدها لهذه الحركة. فقد أعلن موتي اشكنازي واثنان من رؤساء حركة الاحتجاج التي قامت بعد حرب تشرين تأييدهم لرسالة الضباط والجنود الاحتياطين. وكذلك دعت رابطة حقوق الإنسان في (إسرائيل) أعضاءها إلى تأييد عملية التوقيع على رسالة الضباط والجنود الاحتياطيين “لإفهام بيغن أن أغلبيته البرلمانية العابرة لن تستطيع تـأييده في إضاعة الفرصة دون التوسل إلى السلام لاعتبارات دينية واستيطانية في الضفة الغربية”. وفي 19/4/1978 وقع عشرة أعضاء في الكنيست* الإسرائيلية من بينهم سبعة من أعضاء المعراخ* وعضوان من حركة التغيير والمبادرة (شاي) وشولميت ألوني زعيمة حركة حقوق المواطن على بيان يؤيد رسالة ضباط الاحتياط. وفي أوائل أيار 1978 أصدر 153 معلماً في القدس بياناً أعلنوا فيه تأييدهم لحركة السلام الآن. وجاء في بيان صدر عن الحركات في 16/5/1978 “أنه يجب ضمان الطابع اليهودي والديمقراطي للدولة من خلال الاستعداد للتسوية الإقليمية في أمن القطاعات من أجل السلام الدائم. وأن إقامة المستوطنات يجب أن تتم من خلال اعتبارات الأمن فقط لا على شكل عمل تظاهري يضر بالسلام”. وفي منتصف تموز 1978 أعلن حوالي 60 من مديري الشركات الكبيرة وأرباب انضمامهم إلى حركة السلام الآن بتأييد مبادئها ونشروا بياناً يدعو الحكومة إلى أن تهتم بالاعتبارات الأمنية في المفاوضات لتحديد حدود (إسرائيل). وفي شهر آب 1978 أعلن عدد كبير من أساتذة ومحاضري جامعات تل أبيب والقدس وحيفا ومعها الهندسة التطبيقية (التخنيون)* عن انضمامهم إلى حركة السلام الآن. وقدر عدد أساتذة الجامعات الذين وقعوا على عريضة الحركة بحوالي 800 أستاذ ومحاضر. أما المبادىء التي تطرحها حركة السلام الآن لتحقيق السلام ففضفاضة غير محددة ولا تخرج في إطارها العام عن الفهم الصهيوني “الحمائمي” للسلام. وقد أعلن مؤسسو حركة السلام الآن عن المبادىء الأساسية لحركتهم فيما بعد وهي: 1) ستعمل الحركة كمنظمة مفتوحة دون الارتباط بأي التزام لأي حرب على أساس المبادىء التي وردت في رسالة الضباط. 2) تسوية إقليمية في كل القطاعات. 3) المحافظة على الطابع اليهودي الديمقراطي (لدولة إسرائيل). 4) استخدام الاعتبارات الأمنية دون أية اعتبارات إيديولوجية في كل ما يتعلق بثمن السلام. 5) استفاد كل الطرق في المفاوضات حول السلام مع مصر دون أي أضرار بأمن (إسرائيل) ومكانتها. ومعنى ذلك أن حركة السلام الآن لا تختلف في جوهرها من القوى الصهيونية الأخرى التي تدعو الى التسوية الاقليمية في جميع الجهات،أي عدم العودة إلى خطوط الرابع من حزيران عام 1967. فهي مع التوسع على حساب الأراضي العربية متذرعة بالحرص على ضمان أمن (إسرائيل). وهي إذ تدعو إلى التخلي عن السيطرة على المليون وربع المليون عربي في الضفة الغربية وقطاع غزة تريد الحفاظ على الطابع اليهودي للكيان الصهيوني. وعلى أساس ما تقدم وجد قادة حزب العمل الإسرائيلي* نقاط التقاء بينهم وبين حركة السلام الآن فالتقى في 25/5/1978 ممثلون عن الحركة مع شمعون بيريس رئيس حزب العمل. وأعلن بيريس أن مبادىء الحركة تلتقي مع مبادىء المعراخ في النقاط التالية: 1) التسوية الإقليمية في الجبهات الثلاث. 2) معارضة السيطرة على مليون ونصف مليون من العرب. 3) المحافظة على الطابع الديمقراطي واليهودي (لدولة إسرائيل). 4) تحديد حدود الدولة بموجب اعتبارات الأمن. كما قال زعماء الحركة إنهم لا يطالبون بالسلام الفوري بأي ثمن وأي ظرف، ولكنهم يخشون من احتمال ضياع الفرصة السابعة الآن. كذلك أعلنت غولدا مائير بعد اجتماعها بوفد حركة السلام الآن يوم 26/5/1978 أن مبادىء حركة السلام الآن مقبولة لديها، فالاستيطان يجب أن يتم من خلال الاعتبارات المدروسة لا من خلال المشاعر المتعصبة. وبعد اللقاء أعلن ثلاثة من زعماء الحركة الذين شاركوا في اللقاء أن حركتهم تنادي بحدود يجب تعيينها على أساس اعتبارات الأمن، ولا تعارض الاستيطان في إطار هذه الحدود، ولكنها تعارض الاستيطان خلال إجراء المفاوضات. وهي لا تنادي بضرورة إقامة دولة فلسطينية. وشعار “السلام الآن” لا يعني سلاماً بأية شروط بل يعني القيام بكل ما يمكن القيام به من أجل الحصول على السلام بعد أن أتيح المجال لذلك. لجأت حركة السلام الآن للترويج لأفكارها إلى جمع التواقيع على عريضة ضباط الاحتياط بالإضافة إلى تنظيم المظاهرات والمسيرات والمهرجانات الشعبية والندوات، وتمكنت خلال الشهور الخمسة الأولى من جمع أكثر من مئة ألف توقيع على عريضة ضباط الاحتياط. ورداً على حركة السلام الآن نظم أنصار الحكومة بيغن عريضة وقع عليها 420 أكاديمياً أطلقوا على أنفسهم اسم “حركة السلام المضمون”. واتهمت بعض أوساط الليكود* الحاكم المخابرات المركزية الأمريكية بأنها وراء حركة السلام الآن.   المراجع: –         كاميليا بدر: نظرة على الأحزاب والحركات السياسية الإسرائيلية، القدس 1981. –         هاني عبد الله: الأحزاب السياسية في إسرائيل، بيروت 1981.