الاتحاد والترقي

هي أحد شقي “جمعية تركيا الفتاة”. وتركيا الفتاة هذه هي إحدى الفئات التي عارضت حكم السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد* أواخر القرن التاسع عشر، وطالبت بالإصلاح، وسعت إلى إقامة حكومة دستورية تدخل النظم الحديثة في الإدارة والجيش وتحقق الحرية والمساواة، وتوقف تدخل الدول الأوروبية في شؤون الدولة العثمانية. وكان للجمعية فروع داخل الدولة وخارجها. وأبرز هذه الفروع وأخطرها الفرع الذي تأسس في سالونيك، لموقعه الجغرافي القريب من العاصمة، ولانضمام قسم كبير من ضباط الجيش التركي هناك إليه. عقدت تركيا الفتاة عام 1902 أول مؤتمر لها في باريس. وقد حدث فيه خلاف حول أسلوب العمل انقسم المؤتمرون بنتيجته إلى تيارين: الأول يمثله الوفد التركي الذي قال بتغيير النظام الإداري وجعله وحدة مترابطة حرصاً على عدم تفكك الدولة، والتيار الثاني تمثله الأقليات الناقمة، وهدف تغيير النظام وإصلاحه عن طريق اللامركزية. وقد انفصل ممثلو التيار فنظموا أنفسهم في جمعية عرفت باسم “رابطة الأحرار”. غدت جمعية الاتحاد والترقي القوة الدافعة في أوساط تركيا الفتاة، وأصدرت في باريس مجلة “مشورت” للدعوة إلى أفكار الثورة والإصلاح. وكانت الجمعية خليطاً من أجناس وأديان مختلفة، إلا أن الكثرة الغالبة كانت من الأتراك، وكان العسكريون هم أصحاب النفوذ فيها. وقد تسنى لجمعية الاتحاد والترقي انتزاع القيادة شيئاً فشيئاً، وساعدها على ذلك تتالي الأحداث الخطيرة في الدولة بين عامي 1905 و1908. وفي عام 1907 كانت الجمعية قد أعادت تنظيم صفوفها لتشمل جميع الفئات التي ضمتها “تركيا الفتاة”، وبدأت، من فروعها في سالونيك، تستعد لإعلان ثورة عسكرية على السلطان عبد الحميد.          في 25/7/1908 أجبر السلطان على إعادة دستور 1876 وأجريت الانتخابات لأول مجلس نواب (المبعوثان). ورغم أن الأكثرية البرلمانية كانت للاتحاديين، لم يستلموا السلطة، إلى أن حاول السلطان عبد الحميد في 13/4/1909 القيام بثورة مضادة للتخلص من الجمعية، ومن الدستور، ومن مجلس المبعوثان*. عندئذ زحف الجيش من سالونيك إلى الآستانة، وأعاد إلى جمعية الاتحاد والترقي نفوذها، وخلع السلطان، ونفاه إلى سالونيك، ونصب أخاه محمد رشاد سلطاناً باسم محمد الخامس في 17/4/1909. وبذلك أصبحت السيطرة المطلقة في الدولة لجمعية الاتحاد والترقي.          عقد العرب آمالهم على العهد الجديد، وشارك كثيرون منهم في نشاطات الاتحاد والترقي، أيدوها بعد ارتقائها السلطة. لكن زمن التعاون والتفاهم لم يدم طويلاً، لأن الاتحاديين اتجهوا نحو تطبيق سياسة مركزية شديدة أساسها سيادة العنصر التركي، فأثار ذلك استياء العرب، وتهيأت بذلك التربة الصالحة كي تنمو بذور الحركة العربية وتترعرع.          بدأ العرب يفكرون في مستقبل بلادهم، وأخذ زعماؤهم يبدون مخاوفهم من الجمعية. وكان أحد أسباب الشك في الجمعية وتوجيه الاتهام إليها هو دور اليهود وبخاصة يهود الدونمة الفعال في الإعداد لحركة سالونيك، والنفوذ الكبير الذي احتلوه فيما بعد في أوساط الاتحاديين. والدونمة هؤلاء، أو كما يسمون أحياناً “اليهود المتسترون”، هم من أتباع شبتاي زفي وهو يهودي من أزمير ادعى عام 1666م أنه المسيح المنتظر، وكسب كثيراً من الأنصار، فخيره السلطان بين القتل واعتناق الإسلام، فاختار الحل الثاني وتبعه آلاف من أتباعه الذين تظاهروا باعتناق الإسلام في حين بقوا على يهوديتهم سراً. وقد عاضد الصهيونيون الاتحاديين بأموالهم ونفوذهم وصحفهم وتبادلوا معهم المنافع وخاصة في فلسطين. لهذا التقى الصهيونيون والاتحاديون على الإطاحة بنظام حكم عبد الحميد الذي كان متمسكاً برفض مبدأ الهجرة اليهودية غير المقيدة إلى الدولة العثمانية، وبخاصة فلسطين، رغم الإغراءات الكثيرة.          لعب اليهود وجماعة الدونمة دوراً هاماً في مجالس الاتحاد والترقي في سالونيك (عدد اليهود في المدينة 20.000، والدونمة 80.000، من أصل مجموع السكان وهو 140.000)، عن طريق مباشر أو عن طريق المحفل الماسوني هناك، ورئيسه المحامي اليهودي والنائب في المبعوثان عمانويل قره صو. وكان عدد غير قليل من اليهود والدونمة من بين المتطوعين الزاحفين إلى الآستانة، بل إن أحد أعضاء الوفد الذي أبلغ السلطان عبد الحميد قرار خلعه هو قره صو نفسه. وقد سجن عبد الحميد في منزل أحد يهود سالونيك الأغنياء. وهللت الصحف اليهودية في سالونيك للتخلص من مضطهد (إسرائيل) الذي فرض الجواز الأحمر وأعاق تحقيق أهداف الصهيونية في فلسطين.          أصبح لليهود والدونمة تأثير كبير في دوائر جمعية الاتحاد والترقي، فقره صو أحد الأدمغة المفكرة البارزة في الجمعية، وجاويد بك من (الدونمة) أصبح وزيراً للمالية كبير النفوذ في الحكومة، وكان رئيس مكتب الصحافة يهودياً من سالونيك. وكان منصبه يتيح له إيقاف أي صحيفة وتقديم المسؤول فيها للمحاكمة، كذلك كان رئيس دوائر الشرطة ومستشار وزارة العدل يهوديين.          وقد ضمت البرامج الاقتصادية التي وضعتها حكومة الاتحاديين مكاناً للممولين اليهود يمكنهم من السيطرة الاقتصادية. وكان أمل المنظمة الصهيونية من وراء السيطرة اليهودية الاقتصادية أن يتيح نظام الحكم الجديد ظروفاً مواتية للعمل الصهيوني، بعد أن تبع خلع عبد الحميد انتعاش الأماني الصهيونية بحيوية ظاهرة قوية.          نشط وكلاء المنظمة الصهيونية* على المسرح العثماني الجديد فوصل فيكتور جاكوبسون إلى الآستانة للإشراف على الدعاية (وهو زعيم صهيوني اشتهر بفن الدبلوماسية وبمعارضة أي بديل لفلسطين كوطن قومي لليهود)، كما وصلها فللاديمير جابوتنسكي (الذي عاش من 1880 – 1940 وكان من عتاة الحركة الصهيونية وقاد ما عرف بحركة الصهيونيين التصحيحيين) للإشراف على شبكة الصحف التي تديرها الصهيونية. وقد ركز الإعلام الصهيوني على إبداء مشاعر الود تجاه الحاكم الجديد، وعلى أن الصهيونية لا تهدف إلى فصل فلسطين عن الدولة العثمانية. وتوقع المؤتمر الصهيوني* التاسع في هامبورغ (26/12/1909) أن تُطوِّر الدولة العثمانية الهجرة اليهودية من أجل مصالحها. وتركزت المساعي الصهيونية لدى الحكومة الجديدة على إزالة الإجراءات القانونية التي تحد من الهجرة (الجواز الأحمر الذي لا يسمح لحامله اليهودي بالهجرة إلى فلسطين، وملكية الأراضي). واتخذ زعماء جمعية الاتحاد والترقي مواقف متعاطفة مع الهجرة اليهودية إلى الأقاليم العثمانية.          وعلى الرغم من ذلك  كله لم يقدم حكام الدولة الجدد على إزالة القيود التي وضعها النظام السابق، وظلت الحكومة الاتحادية حذرة فيما يتعلق بدعم النشاط الصهيوني بشكل مفتوح، فهي من جهة لم تكن ترغب في أن تكون فلسطين هدف الهجرة الوحيد، ومن جهة أخرى كان لا يمكنها تجاهل الرأي العام العربي، خاصة بعد ازدياد النفور من الاتحاديين وازدياد نشاط حزب “الحرية والائتلاف” المعارض. وقد بدأ خصوم الاتحاديين يوجهون إليهم الاتهامات “وأخذت الصحف العربية تربط بين الهجوم على الاتحاديين والحملة ضد الصهيونية، وبرز شكري العسلي* (من كبار الإئتلافيين) في مواقفه المعارضة منذ كان قائمقاماً في الناصرة* إلى أن أصبح عضواً في مجلس المبعوثان.          بدأت الجماهير التركية نفسها تلاحظ مدى النفوذ الذي يتمتع به اليهود والدونمة، وأخذت الصحافة التركية المعارضة تناقش موضوع الصهيونية علناً لأول مرة منذ إعلان الدستور. كما أن بعض أعضاء جمعية الاتحاد والترقي أخذوا يبدون تخوفهم من الصهيونية. وقد أجبر وزير المالية “جاويد بك” على الاستقالة بعد اجتماع حزب الاتحاد والترقي البرلماني الذي أتهم فيه بالارتباط فيه مع اليهود، كذلك نفى الصدر الأعظم المخطط الصهيوني في بيان رسمي ألقاه باسم الوزارة في مناقشة المبعوثان للمسألة الصهيونية، ونفاه “طلعة بك” باسم جمعية الاتحاد والترقي. وحاول بعض النواب أثناء المناقشة الثانية للمسألة الصهيونية في المبعوثان أن يهوّن من شأن الصهيونية.          شعرت المنظمة الصهيونية بعد مناقشات المبعوثان وتعليقات الصحف أن جمعية الاتحاد والترقي غير قادرة على تغيير نظرة الشك في الحركة الصهيونية، فكان لا بد من اتباع خط دعائي آخر ينفي الأغراض السياسية للحركة ويؤكد المصلحة المشتركة، مستغلاً الحرب الإيطالية – الليبية. لكن هذا الخط الجديد لم يُزل الشكوك.          ولمّا تسلم الإئتلافيون الحكم بعد انقلاب عسكري (تموز 1912) انتهز الرأي العام العثماني فرصة إزاحة الاتحاديين ليوجه إليهم الاتهام الصريح عن ارتباطهم بالصهيونيين وشن حملة على اليهود والصهيونية والماسونية في المساجد والصحف ودوائر الحكومة. لكن ذلك لم يتغير من مواقف السلطات المحلية في فلسطين التي كانت تتصرف وفق أهواء المتصرفين بعيداً عن رقابة الحكم المركزي، وتوافق على العديد من بيوع الأراضي.          ولما عاد الاتحاديون إلى الحكم إثر انقلابهم في 23/1/1913 ضمت وزارتهم ثلاثة وزراء يهوداً، هم وزير التجارة والزراعة ووزير المالية وناظر النافعة. واستغلت الصهيونية ظروف الحرب البلقانية الصعبة، وحاجة الدولة إلى المال للحصول على تنازلات من جانب حكومة الاتحاد والترقي فيما يتعلق بالجواز الأحمر والهجرة وبيع الأراضي.          وقد ظل الرأي العام العربي على حاله إزاء الاتحاديين وصلتهم بالصهيونيين. ودعت صحف فلسطين الاتحاديين أن يتعلموا من الأغلاط السابقة. فلا يسمحوا بسقوط فلسطين في أيدي الأجانب الطامعين فيها. واشتدت حملة الصحف العربية خارج فلسطين على الوزارة الاتحادية الجديدة، واتهمتها بموالاة الصهيونية. وقد وصف صحفي عربي في الآستانة جمعية الاتحاد والترقي بأنها عصابة لصوص يؤيدها اليهود الصهيونيون، وأن جريدة “جون ترك” الاتحادية، ووكالة “الأجانس أوتومان” الاتحادية، صهيونيتان، واتهم الاتحاديين باتفاقهم مع المنظمة الصهيونية على  بيع أراضي السلطان عبد الحميد الواسعة في فلسطين. وسمى محمد رشيد رضا جمعية الاتحاد والترقي “جمعية الأحمرين: الدم والذهب”. وبيّن أن في الوزارة الاتحادية ثلاثة وكلاء من قبل الجمعية الصهيونية بيدهم ينابيع الثروة في البلاد.          وعلى الرغم من تخوف الأتراك الاتحاديين من معارضة العرب، كانت الظروف تدفع الحكومة العثمانية إلى التقارب مع الصهيونية بسبب القوة المالية التي تملكها، وبسبب وجود شخصيات صهيونية كانت تلعب دورها في دوائر الاتحاديين، وتوجه سياسة الدولة. وبعد تردد طويل، ونتيجة لمساعي الحاخام باشي، أصدرت الحكومة العثمانية قراراً بإلغاء الجواز الأحمر، فحصل الصهيونيون بذلك على غايتهم في الهجرة غير المحددة لليهود في فلسطين، وقد شجع تحسن الموقف الرسمي تجاه الصهيونيون على أن يواصل هؤلاء الجهود لإلغاء جميع القيود، ولا سيما قيود شراء الأراضي. وكانت المفاوضات مع الباب العالي بطريقة ودية. وكان التساهل عاماً وعمليات بشراء الأراضي تتسارع.          بعد نشوب الحرب العالمية الأولى وجهت الدولة العثمانية قدراً كبيراً من اهتمامها إلى أوضاع اليهود في فلسطين. بسبب ما يحيط بوجودهم من ملابسات دولية ولتمتع معظمهم بالحماية الأجنبية. ومع إلغاء الدولة نظام الامتيازات سهلت إجراءات الحصول على الجنسية العثمانية لليهود بشكل جماعي.          وقد عيّن جمال باشا، أحد أقطاب الاتحاديين، قائداً عاماً للجيش الرابع في الشام مع صلاحيات مطلقة. فاتبع سياسة قمع وإرهاب لحق اليهود شيء منها. لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما لاقى اليهود عطف جمال باشا، وعين بعض زعمائهم في مراكز حكومية مسؤولة، كما زار جمال باشا نفسه المؤسسات والمستعمرات الصهيونية، ومنح اليهود بعض أراضي الدولة. وكان مدير مركز التجارب الزراعية في عتليت “آرون أرونسون” من الأصدقاء المقربين إليه. ويذكر أن مفاوضات جرت في صيف 1915 بين جمال باشا ووفد صهيوني في القدس من أجل إقامة وطن لليهود في منطقة من فلسطين تعينها الحكومات العثمانية، على أن يخضع اليهود فيها لقوانين البلاد مع تمنعهم بالاستقلال في الإدارة البلدية مقابل تعهد اليهود بمساعدة الدولة العثمانية في تسديد ديونها وتقديم القرض اللازم لذلك.          وكان هذا الوضع المتصاعد في اتجاه صالح الصهيونية نتيجة تدخل دولتين كبيرتين لدى الاتحاديين، بالإضافة إلى الضغط الصهيوني في الآستانة، وهاتان الدولتان هما الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا. فقد تولت الولايات المتحدة (الحيادية آنذاك) القيام بأعلى الاتصالات لمصلحة اليهود مع وزراء الباب العالي، وعلى رأسهم طلعة باشا وزير الداخلية، والصديق الشخصي للسفير الأمريكي موغنثو (اليهودي). وسعى مورغنثو بعد انتهاء سفارته للعودة إلى الدولة العثمانية (1917) لإقناع الأتراك الاتحاديين بقطع تحالفهم مع الألمان والتوصل إلى صلح منفرد يكون مقبولاً لدى الصهيونيون والحلفاء، عن طريق تأثيره على شخصية طلعة باشا صاحب الشعبية بين الجماهير. لكن فكرة الصلح المنفرد لم تكن تلائم الخطط البريطانية الصهيونية، إذ دخلت القضية الصهيونية مرحلة جديدة التقت فيها المصالح البريطانية والمصالح الصهيونية لنقل فلسطين إلى منطقة النفوذ البريطاني، تمهيداً لتحقيق المطامع الصهيونية. وقد تولى وايزمان إحباط المشروع بتوجيه من الحكومة البريطانية.          ومن جهة ثانية سعى زعماء الصهيونية إلى ضمان دعم النفوذ الألماني لحماية المستعمرات الصهيونية، وللتأثير على الأتراك الاتحاديين لإصدار تصريح موات للصهيونية شبيه بما كان الجناح الصهيوني في معسكر الحلفاء يركز جهوده من أجل إصداره. ويبدو أن الاتحاديين كانوا لا يزالون يترددون في اتخاذ أية خطوة نحو هذا التقارب، خوفاً من إثارة عداء العرب. لكن إعلان الثورة العربية دفع الأتراك والألمان إلى الاعتقاد بأن جزيرة يهودية في فلسطين قد تقف في وجه المطامع الإنكليزية والتحالف البريطاني – العربي. وقد دارت المحادثات بين الطرفين في الآستانة وبرلين. وإذا كانت المساعي الألمانية في إقناع الاتحاديين  بتبني موقف موال الصهيونية محدودة النجاح، فإنها ساعدت على تخفيف الإجراءات المقيدة لليهود في فلسطين.          وتحول الموقف الألماني والتركي تجاه الصهيونية بعد وعد بلفور* (1917)، فسعى زعماء الصهيونية في ألمانيا إلى دفع الحكومة الألمانية للضغط على تركيا من أجل الحصول على امتيازات كبيرة للصهيونية على نفس المبادىء التي تضمنها تصريح بلفور. وكان الوضع العسكري المتدهور قد دفع الأتراك الاتحاديين إلى الاستنتاج بأنه لن يضيع شيء بالموافقة على بعض المطالب الصهيونية. لكن المحادثات التركية – الصهيونية المتقطعة لم تصل إلى نتيجة محسوسة، في الوقت الذي كان فيه الطرف الآخر في المنظمة الصهيونية في لندن يتولى مفاوضات مدروسة ومحكمة. وأصدر الصدر الأعظم طلعة باشا في 2/1/1918 تصريحاً عن عزم الحكومة العثمانية، نظراً لصداقتها الطويلة لليهود، على أن تساعد الاستيطان اليهودي بالسماح بالهجرة الحرة، والاستيطان ضمن حدود مقدرة البلاد على الاستيعاب، ومنح الحكم الذاتي طبقاً لقوانين الدولة، والتطور الحر للثقافة اليهودية. وعبر تصريح ألماني عن دعم ألمانيا للأماني الصهيونية.          لكن ممثلي الحركة الصهيونية في فلسطين رفضوا العروض التركية بحجة أنها تجعل الاستيطان ضمن حدود قدرة البلاد على الاستيعاب والتي ستحددها الحكومة التركية نفسها. وفي خطوة أبعد تولى طلعة باشا نفسه في برلين بحث مسألتي تنظيم الهجرة والاستيطان اليهوديين مع لجنة من اليهود الألمان. ووافق على اقتراح تشكيل شركة ذات امتيازات مقرها الآستانة تكون وسيطاً بين الحكومة التركية والطائفة اليهودية، وبالتالي تكون الأداة والإطار لتنظيم الهجرة والاستيطان. وتفوض بمنح الحكم الذاتي البلدي الموسع للطوائف اليهودية في فلسطين وفي جميع أنحاء الدولة العثمانية.          وتجددت المفاوضات في الآستانة بمبادرة الحكومة التركية، ودعا طلعة باشا إليها عدداً من المنظمات اليهودية في ألمانيا والنمسا، بينها المنظمة الصهيونية. ثم توقفت هذه المفاوضات لعدم الاتفاق حول مطالب الحكم الذاتي، رغم استعداد الدولة لإصدار تصريح بدعم الصهيونية، والمفاوضة حول شركة الاستيطان. وفي شهر آب 1918 جرت محاولة أخيرة لتشكيل لجنة لحل الخلافات، لكن الدولة العثمانية إنهارت قبل عقد الاجتماع.   المراجع: –         محمد روحي الخالدي: أسباب الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة، القاهرة 1909. –          ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، بيروت 1965. –          خيرية قاسمية: النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداء 1908 – 1918، بيروت 1973. –          وثائق وزراة الخارجية البريطانية في Public Record Office تحت رقم F.O. 371. –    الأهرام (1908 – 1918)، المقطم (1908 – 1918)، المنار (1908- 1914)، الكرمل (1912 – 1914)، فلسطين (1912 – 1914). –        Ahmad, F.: The Young Turks, Oxford 1971. –        Antonius, G: The Arab Awakening, London 1939. –        Aaronsohn, A : With the Turks in Palestine, London 1917. –         Mandel, N.: Turks, Arabs and Jewish Immigration into Palestine 1882 – 1914, Oxford 1978. –        Ziene N. Zeine: Arab Turkish Relations and the Emergence of Arab-Nationalism, Beirut 1956.