أرسوف

بلدة على ساحل البحر المتوسط شمالي قرية الحرم* التي تقع على بعد سبعة كيلومترات شمالي يافا*. وهي واحدة من المدن التي شادها العرب الكنعانيون على الساحل، ويحتمل أنهم اشتقوا اسمها من الآله رشف الذي كانوا يعبدونه.         وقد شهدت مدن السهل الساحلي غزوات كثير من الأمم التي تعاقبت على فلسطين في حقب تاريخها الطويل. وكانت قبائل جزر بحر إيجة قد بدأت هجومها على فلسطين منذ أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وتمكنت من بسط نفوذها على أرسوف وغيرها من بلدان السهل الساحلي الأوسط. ثم أخذت تتطلع إلى السيطرة على داخل البلاد، فبنت اللد* إلى الجنوب الشرقي من أرسوف لتكون مركزاً على الطريق المؤدية إلى جبال فلسطين. وحفظت نقوش الأشوريين اسم أرسوف، وأشارت إلى غزو الملك تغلات فلاسر الثالث لها. وحينما حكم اليونان فلسطين نمت أرسوف في عهدهم، وجددوا بناءها وذكرتها الصادر اليونانية باسم “أبولونيا” نسبة إلى إله اليونان أبولو.  ولم تكن أرسوف ذات شأن في عهدي الحكم الروماني والبيزنطي، إلى أن حررها العرب من حكم البزينطيين في القرن السابع الميلادي شأن المدن الفلسطينية الأخرى، واستقروا فيها، واستوطنتها الحاميات العسكرية. وقد درج الخلفاء على منح الأراضي في المدن الساحلية للجند شحناً للثغور بالمقاتلين، فازدهرت أرسوف وغدت آهله بالسكان. ووصفها المقدسي في القرن العاشر الميلادي قائلاً: “أرسوف أصغر من يافا، حصينة عامرة، بها منبر حسن بني للرملة، ثم كان صغيراً فحمل إلى أرسوف”.         وقد شحن المسلمون أرسوف بالعساكر، وتداعى إليها المرابطون درءاً لخطر سفن الروم المعادية التي كانت تغير على البلاد، وأقام بها خلق من أشهرهم أبو يحيى زكريا بن نافع. وقام المسلمون ببناء الأسوار* حول أرسوف، وشادوا فيها قلعة حصينة للدفاع عن البلدة. وكانت حاميتها توقد من منارتها النيران ليلاً، وتثير الدخان نهاراً لإعلام الناس باقتراب خطر العدو.         كما كانت أرسوف أحد الرُبُط في فلسطين التي يتم بها تبادل الأسرى، فتأتي إليها سفن الروم ومعهم أسرى المسلمين، وفي كل رباط قوم يعرفون لغتهم، ويذهبون إليهم في الرسالات. وحينما تظهر سفن الروم تضج القلاع الإسلامية بالنفير، فيجتمع الناس، ثم يكون الفداء، فرجل يفتدي رجلاً، وآخر يطرح شيئاً مما يملك حتى يشتري ما عند الروم من أسرى.         ظلت أرسوف أحد ثغور فلسطين، وكانت تحت سيادة الفاطميين* حينما بدأت الحملات الصليبية على الشرق الإسلامي. ولما تقدمت قوات هذه الحملات جنوباً نحو فلسطين، بعد أن حققت بعض الانتصارات، وبذلك أن حققت بعض الانتصارات، وسلك الإفرنج طريق الساحل الفلسطيني حتى أرسوف، لم يتمكنوا من الاستيلاء عليها، فاتجهت عساكرهم إلى داخل فلسطين، واحلوا الرملة*، وساروا منها إلى بيت المقدس التي سقطت في أيديهم سنة 492هـ/ 1099م ونشأت بذلك مملكة القدس اللاتينية* في شريط من الأرض امتد من يافا على ساحل البحر إلى الرملة واللد فبيت المقدس. ولم ينجح الصليبيون في توفير الأمن للمسافرين منهم، وأخذت الجماعات الإسلامية تغير عليهم من مدن الساحل التي اغتصبت وراء أسوارها، كأرسوف وسواها (رَ: الفرنجة).         وكانت مدن الساحل الفاطمية محط أطماع غودفري دي بويون الذي اختير ملكاً على الصليببين في بيت المقدس، ورأى أن إخضاعها لنفوذه يحقق للإفرنج قطع الطريق على أسطول الفاطميين في البحر المتوسط، كما ييسر سرعة اتصال الإفرنج بأوطانهم في أوروبا. يضاف إلى ذلك أن احتلال الساحل سيتيح لهم فرصة توسيع ممتلكاتهم في داخل فلسطين. وتشجع غودفري بالإعداد الصليبي الذي وصل إلى البلاد، فتقدم بقواته نحو أرسوف في خريف سنة 494هـ/ 1100م، وهيأ الاقتحام أسوار البلدة برجين يسير كل منهما على عجل.         وقد صدت مقاومة حامية أرسوف وأهلها الصليبيين عنها، ونجحوا في إحراق برجيهم الواحد تلو الآخر. ولم يستطع الصليبيون أن يحدثوا شيئاً في أسوار البلدة فاضطروا للانسحاب. غير أن غودفري أبقى نصف جيشه في الرملة، وأصدر إليهم الأوامر بأن يغيروا على الأراضي المجاورة لأرسوف فيستحيل بذلك على سكانها أن يفلحوا حقولهم.         وقد أجبر خطر الإفرنج أمير أرسوف على أن يهادنهم. لكن اتصال البلدة بالفاطميين لم يقطع، وكانت تعتمد على معاونتهم لها عن طريق البحر.         وأدّت غارات الإفرنج الحربية إلى قلة الأقوات في أرسوف وارتفاع أسعارها، فاستنجدت بالفاطميين الذين أرسلوا لها عن طريق البحر قوة تتألف من  ثلاثمائة جندي، كما جلبت السفن الفاطمية المؤن من مصر إليها فصلحت أحوال أرسوف بتوفر الأقوات. إلا أن غارات الإفرنج ظلت متصلة. وبسبب تعاون  السفن الإيطالية مع غودفري أخذ يفرض الحصار على شواطىء فلسطين، مما عرقل حركة سفن الفاطميين، وزاد المشقة أمامها في بلوغ المدن الساحلية.         وقد تشجع أهل أرسوف بسبب إخفاق الصليبيين أمام أسوار بلداتهم، وبما وصل إليهم من جند الفاطميين، ودفعهم ذلك إلى شن الغارات على الفرنجة، غير أنهم لم يلبثوا أن وقعوا في كمين لقي فيه كثير منهم مصرعه.         أحكم الصليبيون حصار أرسوف بعد اتفاق سنة 495هـ/ 1101م بين بغدوين الأول الذي نصب خلفاً لغودفري على بيت المقدس والجنويين* الذين كانوا يطمعون في فتح أسواق جديدة لهم وموانىء حرة لبضائعهم، والتقوا في ذلك مع رغبات بغدوين في احتلال مدن الساحل. ولم يكد الاتفاق ينعقد حتى تحرّك الحلفاء لمنازلة أرسوف، فهاجمها بغدوين من جهة البر، على حين هاجمها الجنويون من جهة البحر. ولم تستطع أرسوف أن تصمد طويلاً، وعرض اللأرسوفيون على الصليبيين التسليم على أن يمنحوهم الأمان فيخرجوا بأُسرهم وأمتعتهم إلى بلاد المسلمين. وقبل بغدوين ما عرضوه من شروط، وتسلّمت قوات الإفرنج أرسوف سنة 495هـ/ 1101م، وأخرج سكانها في حراسة الصليبيين إلى عسقلان، وشحنت البلدة بعساكر الصليبيين، واتخذت قاعدة لهم.         وظلت أرسوف تحت سيادة الصليبيين حتى هزيمتهم الساحقة في معركة حطين* سنة 583هـ/ 1187م، فدخلت مع أغلب قلاع الإفرنج في فلسطين في حوزة صلاح الدين الأيوبي*.         ولما أرسلت أوروبا الحملة الصليبية الثالثة (585 – 588هـ/ 1189 -1192م) وسقطت عكا* بأيدي الفرنجة* سنة 587هـ/ 1191م)، أخذوا يزحفون جنوباً باتجاه أرسوف يؤازرهم أسطولهم الذي كان يبحر بماحاذاة الشاطىء. اختار السلطان صلاح الدين الأيوبي سهلاً صالحاً لملاقاة العدو قرب أرسوف من الجهة الشمالية، وسبق بجنده إليه، وما أن يبلغ الصليبيون ذلك السهل حتى أحدقت بهم عساكر المسلمين. لكن الصليبيين اخترقوا الصفوف، واستولوا على أرسوف سنة 587هـ/ 1191م.         أقام الصليبيون في أرسوف قلعة وعدة أبنية، وأصلحوا ميناءها وأخضعوها لنظامهم الاجتماعي والاقتصادي، وظلت في أيديهم إلى عهد سلطنة الظاهر بيبرس* الذي قاد حركة الجهاد لتطهير البلاد من الصليبيين، وحاصرت جيوشه بلدة أرسوف سنة 663هـ/ 1265م، وكانت البلدة آنذاك بيد الإسبتارية* الذين كانوا قد حصنوها وشحنوها بالعساكر والمؤن. إلا أن ذلك لم يغن عنهم شيئاً، فاستولى المسلمون على هذه البلدة، ودكوا أسوارها واستسلمت حاميتها بعد أربعين يوماً من الحصار، وغنم المسلمون من قلعتها كثيراً من الأموال والذخائر.         رأى السلطان الظاهر بيبرس أن يخرب أرسوف، وأن يهدم أسوارها وقلاعها كي لا يعود الصليبيون إليها. وأقطع أراضي أرسوف أمراء المماليك، وعمّر قلعة قاقون – قرب الرملة – عوضاً عن أرسوف وقلعتها. وذكر أبو الفداء (توفي 732هـ/ 1331م) أن أرسوف كانت في عهده خراباً ليس بها ساكن.         غدت أرسوف بعد تدميرها أطلالاً، وظلت غاباتها المتفرقة التي امتدت من العوجا* حتى جبل الكرمل*، تجذب الصيادين لكثرة ما بها من حيوانات، كما تردد الحطابون إلى غايتها، والمزارعون إلى سهولها المعروفة بخصبها ووفرة إنتاجها وكثرة مراعيها، فعاد بعض الناس واستقروا بالقرب منها. ومما أعان على ذلك قناطرها التي أقامها نائب غزة المملوكي سنجر الجاولي (ت745هـ/ 1345م)، نشأت بالقرب من أرسوف قرية الحرم التي عرفت أحياناً باسم سيدنا علي بن عليل المدفون فيها، واعتاد الناس إقامة موسم لزياراته والتبرك به صيف كل عام.   المراجع: –         ابن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، القاهرة 1964. –         رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية، بيروت 1967 – 1969. –         العماد الأصفهاني: الفتح القسي في الفتح القدسي، القاهرة 1322هـ. –         فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، بيروت 1959. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، بيروت 1972. –         المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن 1909. –         المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك، القاهرة 1956.